كان العمل يسير على قدم وساق داخل معامل منشأة «تاليس إلينا» الفضائية الواقعة بمدينة كان الفرنسية، وفي الوقت الذي كان فيه نجوم السينما العالمية يسيرون على سجاجيد حمراء اللون منتشين بتكريمهم في مهرجان كان السينمائي الشهير، وقع الباحثون في تلك المنشأة في أزمة عويصة، فنظام الإشارة الذي يعوَّل عليه لنقل بيانات مُستقاة من كوكب المريخ في إطار برنامج أوروبي روسي مشترك يهدف لغزو الكوكب الأحمر، تشوبه ضوضاء. لقد أظهرت الاختبارات النهائية للصاروخ الذي سيحمل ذلك المسبار عيوبًا تقنية، الأمر الذي اضطر العلماء إلى تأجيل إطلاق المهمة في الموعد المُحدد -7 يناير 2016- إلى مارس من العام نفسه.

والآن؛ وبعد مُضي نحو 17 شهرًا على تلك الاختبارات، يصل المسبار «سكيبارالي» التابع لبرنامج الفضاء «إكسومارس» إلى الكوكب الأحمر، مؤذنًا ببدء رحلة جديدة إلى ذلك الكوكب الذي طالما أثار خيال العامة والعلماء.

ويُعد برنامج «إكسومارس» الفضائي أحد المساعي المشتركة بين وكالتي الفضاء الأوروبية والروسية، ويهدف إلى معالجة مسألة جدلية، ألا وهي البحث عما إذا ما كانت الحياة قد وُجدت في أي وقت مضى على سطح المريخ، من هنا جاءت تسمية البرنامج؛ فكلمة «إكسو» تختصر لفظ علم الأحياء الفضائية Exobiology، أما «مارس» فتعني كوكب المريخ.

 

القصة الكاملة لإكسومارس

كانت المهمة الرئيسية هي إرسال مسبار إلى المريخ بحلول 2018، ليدور حوله ويحط على سطحه، وبدأت بطموح أوروبي خالص في عام 2005، بغرض تطوير خبراتها في مجال تقنيات الاستكشاف، وتطبيق أساليب البحث عن الحياة على الكوكب الأحمر. هكذا خرج برنامج إكسومارس للوجود. إلا أنه سرعان ما أصبحت المهمة ثقيلة ومكلفة، ولا طاقة للاتحاد الأوروبي بها، نظرًا لتوسيع نطاق البعثة وتطوير أهدافها.

كان مشروع بعثة إكسومارس هشًّا من البداية، وفق ديفيد ساوثوود، كبير باحثي الفيزياء في كلية إمبريال في لندن، ومدير قسم العلوم والاستكشاف الروبوتي في وكالة الفضاء الأوروبية سابقًا، إذ إن مشاركة الدول الأعضاء بالوكالة الأوروبية للفضاء كانت اختيارية، مع عدم وجود صيغة لتحديد حصة كل عضو، ما جعل كل دولة تريد دورًا يضمن لها مكانة قبل أن تلتزم بالمشاركة. وقد زاد التعقيد المضاف من خطر عدم نجاح بعض المكونات، أو أنها قد لا تكون متاحة في الوقت المحدد، أو خارج نطاق الموازنة.

سعت وكالة الفضاء الأوروبية إلى ضم شركاء جدد. جرى الاتصال بالولايات المتحدة وروسيا، لكنهما لم ينضما للمشروع، بسبب حاجة أوروبا إلى الالتزام بالوعود التي قُطعت بالفعل داخل الاتحاد الأوروبي، وبسبب عدم وجود هدف مشترك لشريك محتمل يدفعه للمشاركة.

في عام 2008، عاد الحديث مع وكالة ناسا مرة أخرى. وبعد أن جاءت الموافقة هذه المرة، جرى تعديل تصميم بعثة إكسومارس ليتناسب مع الأهداف الأوروبية الأمريكية المشتركة. ولم يتوقع أحد أن تنهار الأولوية الأمريكية المعطاة لبرنامج استكشاف مشترك للمريخ حالما تحل دورة الموازنة السنوية الجديدة.

أضر الانسحاب الأمريكي بموقف أوروبا بشكل واضح، تاركًا لأوروبا فجوة تمويلية تبلغ 250 مليون يورو، وكانت أوروبا قد أنفقت بالفعل أكثر من مئة مليون يورو. ونظرًا إلى العقود الصناعية الملزِمة، فإن إلغاء البعثة كان سيكلفها نحو 400 مليون يورو. يَمَّمَتْ أوروبا وجهها شطر روسيا؛ لسد العجز الذي خلفته أمريكا. وفي السنوات الأخيرة، باشرت أوروبا مشروعات مشتركة في علوم الفضاء مع الصين والهند، وشرعت في تعاون ضخم مع اليابان على بعثة «بيبي كولومبوBepiColombo » التي تضم مسبارين دوارين حول كوكب عطارد. ومع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة تسهم فنِّيًّا في كل من "المركبة المدارية لتعقب مصدر الغازات" والمسبار، كما تؤدي دورًا كبيرًا في إمداد المسبار بحزمة اتصالات تسمح لأجهزة الروبوت بإرسال البيانات الخاصة بها إلى الأرض.

أهداف البرنامج

يتألف البرنامج من بعثتين، أُطلقت الأولى في مارس 2016، وتتكون من مسبارين «سكيبارالي» و«متقصي الغازات» اللذَين سيملكان عدة قدرات فريدة، منها البحث عن غاز الميثان –وهو أحد الغازات التي قد تعني وجود حياة سابقة على سطح الكوكب- أما الثانية فكان من المقرر إطلاقها في 2018، إلا أن الوكالة فضلت تأجيلها إلى عام 2020 لأسباب تقنية، ومن المقرر أن تضم عربة قادرة على الحفر وجمع العينات وتحليلها.

قبل نحو 4 سنوات من الآن، أطلقت وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» مختبر «كيوريوستي» الفضائي إلى المريخ بتكلفة تزيد عن 2.5 مليار دولار، بهدف البحث عن آثار الكربون وغاز الميثان، وهي نفس المهمة التي ترغب في إتمامها وكالتا الفضاء الأوروبية والروسية بتكلفة تقل عن نصف التكلفة الأمريكية، فلماذا قررت الوكالتان إرسال بعثة أخرى إلى المريخ للبحث عن آثار غاز الميثان رغم أن المركبة الأمريكية عثرت بالفعل على آثار تشير إلى وجوده قبل عامين كاملين؟

الإجابة يقدمها «أنطولي زاك» خبير الفضاء الروسي، والذي يقول لـ«للعلم»: إن برنامج «إكسومارس» سيتبع نهجًا مختلفًا في سعيه للبحث عن علامات الحياة على كوكب المريخ، فالمهمة لن يكون الغرض منها فقط الكشف عن وجود غاز الميثان، لكن سيكون هدفها الرئيسي هو معرفة كيفية إنتاج ذلك الغاز، والإجابة عن التساؤل الفاصل في تلك المسألة وهو «هل تم إنتاج غاز الميثان عن طريق النشاط الجيولوجي للكوكب أم من جراء أنشطة وعمليات بيولوجية جرت على سطحه، كمؤشر لوجود الحياة؟». ووفق زاك، فإن مسبار متقصي الغازات سيمد العلماء بـ«خريطة التوزيع المكاني والزماني لغاز الميثان، للمساعدة في التمييز بين سيناريوهات مختلفة، بحساسية أعلى بكثير من أي مهمة سابقة أو حالية في المريخ».

يمتلك مسبار متقصي الغازات TGO مجموعة من الأجهزة العلمية، منها كاميرات عالية الدقة ستمكِّن العلماء من الحصول على صور ملونة للكوكب الأحمر لمعرفة حالته الديناميكية والجيولوجية، علاوة على جهاز يعمل بالأشعة تحت الحمراء لتحديد مكونات الغلاف الجوي للمريخ، وجهاز آخر للكشف عن الثلج المترسب بالقرب من سطح الكوكب الأحمر، وآخر للبحث عن آثار الميثان.

فيما يملك مسبار «سكيبارالي» عددًا من المجسات لقياس درجات الحرارة والضغط وسرعات الرياح واتجاهاتها وقياس الحقل المغناطيسي للمريخ. أما الجزء الثاني من المهمة؛ والمزمع إطلاقه عام 2020، فسيتكون من عربة مزودة بأجهزة حفر ومنظار طيفي لدراسة الترسبات المعدنية بالصخور، علاوة على معمل متكامل لدراسة الطبقة السطحية للمريخ، ورادار لتصوير التربة.

إكسومارس: لم تكن المحاولة الأولى لوضع موطئ قدم على الكوكب الأحمر في تاريخ الوكالة الأوروبية للفضاء، ولا حتى في تاريخ روسيا، فقبل نحو 50 عامًا، حاول الاتحاد السوفيتي إرسال معدات علمية للمريخ في محاولتين منفصلتين، إلا أن الفشل كان حليف التجربة، وفي عام 2003، حاولت وكالة الفضاء الأوروبية إرسال مسبار إلى هناك؛ إلا أن خلاياه الشمسية لم تعمل كما يجب، وفقد الباحثون قدرتهم على الاتصال به، فهل ستضع المهمة الحالية حدًّا لفضول الوكالتين؟ يرى «أنطولي زاك» خبير الفضاء الروسي أن الانتظار سيكون خير وسيلة للتأكد، ففي عالم تقنيات الفضاء وغزو الكواكب «لا ضمانات للنجاح».

 

 وفيما يلي الخط الزمني للرحلة:

•           إطلاق المهمة 16 مارس 2016

•           انفصال المسبارين 16 أكتوبر 2016

•           مسبار متقصي الغازات يدخل إلى مدار المريخ 19 أكتوبر 2016

•           مسبار سكيبارالي يهبط على الموقع المستهدف 19 أكتوبر 2016

•           المسبار متقصي الغازات يغير درجة الميل تمهيدًا لبدء العمليات يناير 2017

•           المسبار متقصي الغازات ينخفض إلى ارتفاع 400 كيلومتر من سطح المريخ – مارس 2017 إلى مارس 2018

•           بدء مهام مسبار متقصي الغازات 11 يوليو 2017

•           عملية إنزال عربة المريخ 2020

•           بدء عمليات نقل البيانات بين العربة المريخية والمسبار متقصي الغازات إبريل 2021

•           إنهاء عمل مسبار متتبع الغازات ديسمبر 2022