حين تُذكر النفايات البلاستيكية، فإن أول ما قد يتبادر إلى الذهن تلك الصور الخاصة بالقمامة الشاطئية والقطع البلاستيكية الكبيرة العائمة على سطح البحر، لكن لعل الخطر الأكبر بشأن التلوث البلاستيكي يتمثل في تلك الجزيئات الدقيقة للغاية التى يتعذر اكتشافها بسهولة عن طريق العين المجردة. ويُستخدم مصطلح التلوث بالنفايات البلاستيكية الدقيقة في الأدبيات العلمية وفق دورية "ساينس" لوصف التلوث الناجم عن انتشار الأجزاء البلاستيكية الدقيقة الأصغر من 5 ملليمترات في البيئات البحرية.

ويُعَد البحر المتوسط الذي تطل عليه مصر بواجهة تصل إلى 1050 كيلومترًا، من أكثر البيئات البحرية تأثرًا بالتلوث الناجم عن ذلك النوع من النفايات؛ إذ يمثل شبه بحيرة، فليس له إلا منفذ واحد ضيق في غربه، هو مضيق جبل طارق الذي يربطه بالمحيط الأطلنطي. وتتخلص خمس دول من معظم مخلفاتها البلاستيكية في البحر المتوسط، هي بالترتيب: تركيا (144 طنًّا/ يوميًّا)، وإسبانيا (126)، وإيطاليا (90)، ثم مصر (77)، تليها فرنسا (66)، وفق تقرير أصدره "الصندوق العالمي للطبيعة" (WWF) في يونيو عام 2018.

عشوائية الإدارة

في هذا الإطار، تحذر دراسة نُشرت حديثًا في مجلة التلوث البحري "مارين بوليوشن بوليتن" من زيادة ملوثات البلاستيك الدقيقة في البحر المتوسط وخاصةً أمام السواحل المصرية، ما يهدد البيئة البحرية في المنطقة. تقدم الدراسة التي أعدها باحثون من المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد، أول تقييم للنفايات البلاستيكية الدقيقة في البيئة البحرية في مصر، بالتطبيق على منطقة الميناء الشرقي في الإسكندرية على ساحل البحر المتوسط. وتشير الدراسة إلى أن الافتقار إلى الإدارة السليمة للنفايات الصلبة في مصر أدى إلى تراكم الفضلات البلاستيكية وترسُّبها في المجاري المائية، ومع ذلك لم تُبذل أية محاولات لتحديد النفايات البحرية البلاستيكية في مصر أو تقييمها.

تقول "سها شبكة"، الأستاذ المساعد في المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد، والباحث الرئيسي في الدراسة: إنه تم استخلاص عشرة أنواع من البوليمرات البلاستيكية في أحجام تتراوح بين أقل من ٥ ملم إلى ٢٠ مايكرومترًا (المايكرومتر يعادل جزءًا من مليون من المتر) من عمود مياه البحر والرواسب البحرية في الميناء الشرقي بالإسكندرية. وتضيف الباحثة في تصريح لـ"للعلم" أن الكميات التي تم رصدها من التلوث البلاستيكي من الممكن أن تشكل خطرًا على البيئة البحرية والأسماك التي تتناول هذه النفايات، ومن ثم تتداخل مع العمليات الحيوية للكائنات البحرية. "مصدر البوليمرات هو الأكياس، والزجاجات البلاستيكية، ومواد تغليف وتعبئة الطعام المتحللة" كما أوضحت "شبكة".

ويوضح "محمد غباشي" -أستاذ كيمياء البوليمرات المساعد بهيئة المواد النووية، والباحث المشارك في الدراسة- في تصريح لـ"للعلم" أن النفايات البلاستيكية الدقيقة التي تم رصدها من على سطح المياه هي من أنواع البلاستيك ذات خاصية الطفو، مثل "البولي إيثلين"، و"البولي بروبلين"، إذ يتم استخدامها في صناعة شباك الصيد.

ويضيف "غباشي" أن الجزيئات البلاستيكية الدقيقة من "البولي إيثلين تيريفتالت"، و"البولي كلورو الفينيل"، و"البولي ستيرين"، التي تغوص في القاع وتأكلها الأسماك وغيرها من الكائنات البحرية، قد ينتهي بها الحال إلى أطباقنا الغذائية اليومية.

بدأ العمل الحقلي في الدراسة في ديسمبر عام 2017، وجمع الباحثون عينات من ثماني محطات غطت كل الميناء الشرقي بالإسكندرية، وعينات رسوبيات من شاطئ الأنفوشي. استخدم الباحثون في الدراسة مسعر المسح التبايني الذي يعتمد على رصد الخواص الحرارية للبوليمرات، الناتجة عن التفاعلات الكيميائية أو التغيرات الفيزيائية. وتتسم هذه التقنية التي اتبعتها الدراسة بأنها زهيدة التكلفة وسهلة وتتمتع بكفاءة عالية في تحديد المواد البلاستيكية الدقيقة واستخراجها من العينات البحرية، ولها كذلك قدرة على تحديد هوية جزيئات البلاستيك ونسبتها المئوية في العينات البحرية.

ووفقًا للدراسة فإن التخلُّص "العشوائي" من النفايات البلاستيكية يمثل التحدي الأكبر الذي يواجه أنظمة إدارة النفايات، فالبلاستيك له قدرة على التسلل إلى النظم البيئية الساحلية وتلويث السلسلة الغذائية. وتشكل النفايات البلاستيكية تهديدات كبيرة بسبب مقاومتها للمعالجات الضوئية، والحرارية، والبيولوجية، وبمجرد التخلص منها على الأرض تشق طريقها إلى المسطحات المائية.

يشار إلى أن فريقًا من العلماء بجامعة "واريك" بالمملكة المتحدة كان قد تمكن من ابتكار طريقة أخرى لاكتشاف النفايات البلاستيكية الدقيقة في البحار والمحيطات، تقوم على استخدام صبغ أحمر نيلي للكشف عن النفايات البلاستيكية الدقيقة التي يتراوح طولها بين 1 ملليمتر و20 مايكرومترًا، وفق نتائج الدراسة التي نُشرت في دورية "إنفيرومنتال ساينس آند تكنولوجي" نهاية عام 2017. لتضاف بذلك إلى ما يقوم به مسعر المسح التبايني من نتائج في هذا الإطار.

البلاستيك كغذاء

تمثل المخلفات البلاستيكية الدقيقة تهديدًا خطيرًا على البيئة البحرية، إذ إنها من أكثر العناصر وفرةً في البحار والمحيطات اليوم، إذ تتحلل المواد البلاستيكية الكبيرة في النهاية إلى ملايين القطع البلاستيكية الدقيقة ليصبح حجمها في متناول مجموعة واسعة من الكائنات الحية.

وتثبت دراسة نُشرت في سبتمبر 2018 في دورية "بايولوجي ليترز"، أن يرقات البعوض تأكل جسيمات دقيقة من البلاستيك التي يمكن أن تظل حبيسة أجسادها، ما يعني أنها وغيرها من الحشرات الشبيهة يمكن أن تنشر جسيمات البلاستيك إلى المُفترِسات البرية مثل الطيور أو العناكب، ومن ثم تنتقل النفايات البلاستيكية الدقيقة إلى عنصر جديد تمامًا في السلسلة الغذائية.

وفي تصريح لـ"للعلم" تعليقًا على نتائج الدراسة الحالية، تقول "رنا الجيباتشي"، الباحث في العلوم البيولوجية بجامعة ريدنج البريطانية، والمشاركة في الدراسة المشار إليها في الفقرة السابقة: إن الدراسة الحالية تغطي مساحة جديدة لم يسبق دراستها من قبل، وهي تحديد أكثر البوليمرات وفرةً في البيئة البحرية وقياسها، كما تم استخدامها لطريقة جديدة في هذه الدراسة، يمكن اعتمادها في المستقبل لفحص المزيد من العينات بتكلفة وجهد قليلين.

"نقل النفايات البلاستيكية الدقيقة وتراكمها عبر السلسلة الغذائية يثير قلقًا متزايدًا حول كيفية تأثير هذه المواد على صحة الإنسان. فالبشر يعتمدون اعتمادًا كبيرًا في غذائهم على الكائنات المائية"، تضيف "الجيباتشي". وتتوقع الباحثة -غير المشاركة في الدراسة الحالية- أنه من المحتمل أن يشهد المستقبل القريب سياسات وأدوات جديدة يتم تطويرها لمحاولة مكافحة هذه المشكلة.

وفي مصر، يتم تفريغ أكثر من 80٪ من النفايات الصلبة في المسطحات المائية، ما يهدد بآثار بيئية سلبية كبيرة ومشكلات صحية حادة. تقول الدراسة إن كمية النفايات البلاستيكية البحرية في مصر تتراوح بين 0.15 و0.39 مليون طن في السنة، وقد وضع هذا مصر في المرتبة السابعة من بين 192 دولة من حيث حجم المخلفات البلاستيكية البحرية.

تدابير المواجهة

تشير "كاكاني كاتيا" -الباحثة بمعهد أبحاث الأحياء المائية بخليج مونتيري، والباحث غير المشارك في الدراسة- إلى أن النتائج التي خلصت إليها الدراسة والوسيلة المستخدمة فيها يمكن أن توفر معلومات لتحفيز تدابير إدارة النفايات الصلبة في مصر.

"هذا العمل الذي أُجري على مكان واحد في ميناء الإسكندرية الشرقي يمكن أن يساعد في الجهود الإضافية المبذولة لتحديد مدى التلوث البلاستيكي في مواقع أخرى في مصر، وفهم مدى انتشار المشكلة"، تقول "كاتيا" في تصريح لـ"للعلم". وتضيف: "أظهرت النتائج أن بعض الحيوانات البحرية تفضل تناول البلاستيك على الطعام المنتظم، ومع وجود المزيد من الدراسات التي تربط السُّمِّيَّة بالبلاستيك، فإن وجودها في شبكات الأغذية البحرية (وفي الأسماك التي نتناولها) قد يكون ضارًّا جدًّا بنا".

يوضح "غباشي" -الباحث المشارك في الدراسة- أن التلوث البلاستيكي وُجد منتشرًا على نطاق جغرافي كبير بسبب التيارات المائية. وللحد من النفايات البلاستيكية يقترح الباحث إعادة تدوير هذه النفايات، بالإضافة إلى نصح الصيادين وإلزامهم باستخدام شباك مصنوعة من القطن أو خيوط الكتان والحرير، ومنع استخدام شركات المنظفات للمايكروبلاستيك، والحد من صرف هذه المواد إلى البحار دون معالجة سليمة.

وتشدد الباحثة الرئيسية في الدراسة "سها شبكة" على أن الدراسة هي الأولى من نوعها التي تتم عن البيئة البحرية لمصر. وتعتقد أن الحل لمواجهة التلوث بالنفايات البلاستيكية الدقيقة هو إعادة تدوير المخلفات الصلبة وخاصة البلاستيك، وإيجاد طريقة فعالة لإدارة المخلفات الصلبة بمصر.

وترى الباحثة ضرورة وجود حملات توعية بعدم إلقاء المخلفات في البحر، سواء من مستخدمي الشواطئ أو مراكب الصيد، وإجراء حملات تنظيف شاملة، سواء لتنظيف الشواطئ أو لتجميع المخلفات الصلبة الكبيرة الموجودة في مياه البحر بالشباك، كما هو موصى به في توصيات برنامج الأمم المتحدة للبيئة. لكنها تشير أيضًا إلى أنه "لا يوجد حل جذري للتخلص من النفايات البلاستيكية الدقيقة الموجودة في البحار حاليًّا، ولكن الحد من تراكُمها وتزايُدها من المنبع هو الإجراء الأمثل".