رغم أن الإسهال هو ثاني أسباب وفاة الأطفال دون سن الخامسة، إذ يودي بحياة 760 ألف طفل سنويًّا، إلا أن العالم لم يتوصل بعدُ إلى لقاحٍ معتمد يقي من أحد الأسباب الرئيسية للإصابة بالمرض وهو البكتيريا الإشريكية القولونية «إي– كولاي» (E. coli)، مثلما حدث مع فيروس الروتا، أحد الأسباب الرئيسية للإصابة بالإسهال بين الأطفال. وكان العالم قد نجح في أوائل الألفية الحالية في اعتماد لقاح لفيروس الروتا، الذي يتسبب في وفاة 215 ألفًا سنويًّا، لوقاية الأطفال من الإسهال الناجم عن الفيروس.

ولكن في المقابل لا يتوافر حتى الآن لقاح ضد البكتيريا الإشريكية القولونية، ويمثل تطوير لقاح ضدها أولويةً لدى منظمة الصحة العالمية.

وكانت المكسيك من أوائل الدول حول العالم التي تلقت لقاح الروتا عام 2006. وبحلول 2009، انخفضت حالات الوفاة من مرض الإسهال الناجم عن الروتا بين السكان المستهدفين للتطعيم (الأطفال الأصغر من 11 شهرًا) 40%، وبين الأطفال في عمر عام إلى عامين بنسبة 30%.

ويمثّل الإسهال عَرَضًا للإصابة بالعدوى المعوية، التي تسبّبها طائفةٌ من الجراثيم والفيروسات والطفيليات، التي تنتشر عدواها عبر الأغذية أو مياه الشرب الملوّثة أو من شخص إلى آخر بسبب تدنِّي مستوى النظافة الشخصية، أو عبر السفر إلى بلدان ينتشر فيها المرض، وينجم عن ذلك نحو 1.7 مليار حالة من مرض الإسهال سنويًّا حول العالم، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.

وفي خطوة مبشرة للتوصل إلى أول لقاح معتمد، يحصن الأطفال والبالغين ضد بكتيريا الإشريكية القولونية «إي– كولاي»، أظهرت التجارب السريرية الأولية -التي أجراها فريق بحث دولي يقوده علماء من جامعة جوتنبرج السويدية- نتائج إيجابية، وصفوها بأنها "مثيرة للإعجاب".

وأوضح الباحثون، في دراستهم التي نُشرت مؤخرًا في دورية (The Lancet Infectious Diseases)، أن اللقاح الجديد يؤخذ عن طريق الفم، ويُطلَق عليه اسم إي تي فاكس (ETVAX)، ويتكون من بكتيريا "إيكولاي" المعطلة.

واللقاح الجديد هو جهد مشترك يقوده علماء من أكاديمية "ساهلجرينسكا" التابعة لجامعة جوتنبرج السويدية، بالتعاون مع المعهد الدولي للبحوث الصحية في بنجلاديش، وشركة بايوفارما الإسكندنافيةScandinavian Biopharma السويدية المتخصصة في تسويق اللقاحات، ومنظمة باث (PATH) الصحية العالمية غير الهادفة للربح، ومقرها سياتل بالولايات المتحدة.

وأجرى الفريق المرحلة الأولى والثانية من التجارب السريرية في بنجلاديش، في الفترة بين 7 ديسمبر 2015 و10 يناير 2017، حيث فحص القائمون على الدراسة 1500 من الأطفال والرُّضع، ومن بين المشاركين في الفحوصات، تناول اللقاح الجديد 430 طفلًا، كانت أعمارهم من 6 أشهر إلى 11 شهرًا (200 طفل)، ومن سنة إلى سنتين (100 طفل)، ومن سنتين إلى 5 سنوات (130 طفلًا) وأُجريت التجارب.

وتم إعطاء الأطفال (430 طفلًا) جرعتين من اللقاح عن طريق الفم، أما باقي المشاركين (1070 طفلًا) فتناولوا لقاحًا وهميًّا، إذ جرى تحديد الاستجابات المناعية عن طريق قياس كمية الأجسام المضادة المنتجة في الأمعاء (البراز)، وكذلك الأجسام المضادة التي تفرزها الخلايا اللمفاوية المنتشرة في الدم.

وأثبتت النتائج، أن اللقاح المرشح آمن، إذ لوحظت فقط آثارٌ جانبية خفيفة إلى معتدلة بين حوالي 8% من الأطفال المشاركين، وكان أكثرها شيوعًا القيء.

ومن حيث الفاعلية، أثبت اللقاح أنه فعَّال على نطاق واسع، وأدى إلى تعزيز حجم واتساع وحركية الاستجابات المناعية المعوية للأطفال والرُّضع؛ إذ تسبب اللقاح في استجابات مناعية "مثيرة للإعجاب" في الدم والأمعاء، مقارنةً بالمجموعة الأخرى التي تناولت اللقاح الوهمي.

وعلى نحوٍ أكثر تحديدًا، سجل اللقاح استجابات تراوحت بين 80 و100% لدى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سنتين و5 سنوات، وبين 50 و80% لدى الأطفال الرُّضع الذين تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و11 شهرًا.

لقاح منخفض التكلفة

البروفيسورة "آن-ماري سفينيرهولم"، بقسم الميكروبيولوجيا والمناعة في معهد بحوث اللقاحات في جامعة جوتنبرج السويدية، وقائد فريق البحث، قالت لـ"للعلم": إن النتائج الواعدة التي تم تحقيقها عبر تجربة اللقاح على الأطفال في بنجلاديش، والدراسات الناجحة السابقة حول سلامة اللقاح، تعطي أملًا في إمكانية تطوير لقاح فعال ضد البكتيريا الإشريكية القولونية، التي تُعَد أحد مسببات الأمراض الأكثر انتشارًا بين الأطفال الذين يعيشون في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.

وأوضحت أن المشجع في الأمر، أن اللقاح المرشح كان آمنًا على الأطفال الذين أُجريت عليهم الدراسة، كما أنه أثار استجابات مناعية مخاطية قوية (خلايا مناعية برازية أو متداولة) في غالبية الأطفال، ومن الأمور المشجعة بشكل خاص أن الرضع الذين تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و11 شهرًا قد طوروا استجاباتٍ مناعيةً برازية كبيرة ضد جميع مستضدات اللقاح الأولية، وأنه يمكن تعزيز الاستجابة المناعية بقدرٍ أكبر عن طريق إعطاء اللقاح مع عامل محفز (مساعد) للمناعة.

"سفينيرهولم" أشارت إلى أن الفريق بدأ بالفعل دراسةً سريريةً أخرى في سبتمبر/أيلول 2019؛ لمزيد من اختبارات السلامة والاستجابات المناعية للقاح المرشح، على أطفال في أفريقيا تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و23 شهرًا. كما سيتم الانتهاء من دراسة تقييم الفاعلية الوقائية للقاح الجديد على المسافرين الفنلنديين إلى أفريقيا بحلول نهاية الربع الأول من عام 2020. بالإضافة إلى ذلك، تُجرى الدراسات أيضًا لتطوير تركيبة عملية منخفضة التكلفة للقاح.

نتائج واعدة

من جانبه، وصف خالد أبو شنب -أستاذ الميكروبيولوجي والمناعة، كلية الصيدلة بجامعة عين شمس- نتائج التجارب التي أُجريت على اللقاح الجديد بأنها "واعدة للغاية"، وتمثل أهميةً كبيرةً جدًّا للدول النامية، ومنها مصر؛ نظرًا لانتشار نسب الإصابة بالنزلات المعوية الناجمة عن البكتيريا الإشريكية القولونية، والتي تؤدي في معظم الحالات إلى الوفاة.

وأضاف -في حديث لـ"للعلم"- أن اللقاح يتمتع بميزتين، أُولاهما أنه يؤخذ عن طريق الفم، ما يسهل استخدامه بالنسبة للأطفال، والميزة الثانية أنه تم إنتاجه عبر استخلاص السم المعوي الناتج عن البكتيريا الإشريكية القولونية والمسبب للإسهال والنزلات المعدية، وتثبيط نشاطه البيولوجي، مع الاحتفاظ بنشاطه المناعي، وهذا –بطبيعة الحال- يجعله آمنًا بالنسبة للأطفال والرُّضع فوق 6 أشهر، بالإضافة إلى السيدات الحوامل.

وأوضح أن النتائج أثبتت فاعلية هذا التطعيم من حيث قدرته وكفاءته في وقاية مَن أُجريت عليهم الدراسة، عبر تكوين أجسام مضادة داخل أجسامهم، ما يعزِّز عدم إصابتهم مستقبلًا بالنزلات المعوية أو الإسهال، بالإضافة إلى مستويات أمانه، وخاصةً على الأطفال الصغار.

وتابع "أبو شنب" أن هذا اللقاح في حالة اعتماده، واكتمال التجارب على البالغين، فإنه سيناسب الأطفال، بالإضافة إلى الكبار الذين يسافرون إلى الدول النامية، التي تعاني من نِسب مرتفعة من البكتيريا الإشريكية القولونية "إي كولاي" المنتجة للسم المعوي.

خطوة جيدة

في حين رأى مجدي بدران، استشاري الأطفال، عضو الجمعية المصرية للحساسية والمناعة، أن اللقاح الجديد يُعد "خطوة جيدة، ويمكن أن تُحدث فارقًا". وأضاف في تصريحات لـ"للعلم" أن تلك البكتيريا تسبب -بالإضافة إلى الإسهال- أعراضًا أخرى، منها المغص والغثيان مع قيء أو بدونه، والقشعريرة، وفقدان الشهية، والصداع، وآلام العضلات.

ويتطور المرض بعد 1-3 أيام من التعرض للعدوى، وعادةً ما تستمر الأعراض 3-4 أيام، وقد تستغرق بعض الإصابات أسبوعًا أو أكثر، نادرًا ما تستمر الأعراض لأكثر من 3 أسابيع، ويمكن أن تهدد الحياة بسبب فقدان السوائل الشديد والجفاف الشديد.

وتابع "بدران" أن اللقاح الجديد يوفر حمايةً ضد بكتيريا الإشريكية القولونية، وهي بكتيريا سالبة الجرام، توجد في أمعاء البشر والحيوانات بصورة طبيعية، وتنتشر من الأمعاء إلى الجلد، والأسطح التي يلمسها البشر في تعاملاتهم اليومية مثل لوحات مفاتيح الكمبيوتر، والنقود والأبواب، وغم أن معظمها غير ضار إلا أن بعضها يسبب أمراضًا أبرزها الإسهال، بالإضافة إلى عدوى المسالك البولية، وتسمُّم الدم، والتهاب السحايا، والتهاب المعدة والأمعاء.

وأوضح أن بكتيريا القولون المعوي تسبب الإسهال، عن طريق إنتاج بعض السموم التي تسمح للبكتيريا بالالتصاق ببطانة الأمعاء، ما يمكِّنها من الدخول لخلايا الأمعاء، والتسبُّب في أعراض مرضية مثل الإسهال المرتبط بالتسمم الغذائي.