داخل سيارة أجرة ممتلئة بالركاب في منطقة "منشية ناصر" غرب القاهرة، تجلس ماجدة عبد العال -59 عامًا- بجانب النافذة، تستقبل نسائم الصباح على وجهها الشارد، بينما تشق السيارة طريقها تجاه مستشفى حميات العباسية وسط العاصمة، لتنخرط هناك في أداء دورها كعاملة بالمكان منذ 29 عامًا، لكن تلك المرة وسط تفشِّي جائحة "كورونا" المستجد، كما تروي لموقع "للعلم".

حين تخطو السيدة الخمسينية بقدميها من بوابة الدخول، يسري في قلبها القلق، فـ"حميات العباسية" أصبح في مارس الماضي أحد مستشفيات العزل التي تستقبل مرضى "كوفيد-19"، وبات على "عبد العال" التعامل اليومي مع المرضى والمخلفات الطبية التي يصنف بعضها بالخطر، وفق معايير وزارة البيئة المصرية.

وتكون النفايات خطرة إذا كانت معدية وذلك عند الاشتباه في احتوائها على مسببات الأمراض، كالبكتيريا أو الفيروسات أو الطفيليات أو الفطريات، بتركيز أو كمية كافية لتسبب المرض.

منظمة الصحة العالمية.. عن خطورة النفايات الطبية في زمن "كورونا"

تحفظ "عبد العال" المكان عن ظهر قلب، رغم المساحة الشاسعة التي يحتلها (34 فدانًا)، لكنها سرعان ما تصل إلى قسم 7، الذي كان يضم 13 مصابًا بفيروس "كورونا" المُستجد -وقت إعداد هذا التقرير.

 تنتبه منذ اللحظة الأولى لإرشادات وزارة الصحة لمكافحة العدوى في أثناء تفشي "كوفيد-19"؛ إذ ترتدي عباءةً واقيةً وقناعًا تنفسيًّا جراحيًّا وقفازات طبية، فضلًا عن واقٍ للوجه وحذاء بلاستيكي، "رغم مشقة ارتداء تلك الأشياء، لكنها مهمة لحمايتي الشخصية في أثناء جمع النفايات، لذلك أتحلى بالصبر طوال ساعات عملي".

ماجدة عبد العال.. عاملة بمستشفى حميات العباسية (تصوير روجيه أنيس)

تمر السيدة الخمسينية على المرضى، تجمع كل المواد الطبية التي استخدموها -الحقن والخراطيم والـ"الكانيولا"- داخل صندوق كرتوني، وباقي المواد تُلقيها في سلات مغطاة بأكياس حمراء اللون موجودة بجانب أسرّة المرضى، "قبل كورونا كان لدينا أكياس سوداء وأخرى حمراء، الآن نستخدم الأخيرة فقط".

وتُخصص الأكياس السوداء داخل المنشآت الصحية للتخلص من النفايات الطبية غير الخطرة والقابلة للتدوير، أما الأكياس الحمراء فتُستخدم في المخلفات الخطرة، وفق دليل إدارة نفايات الرعاية الصحية في مصر.

وبشكل عام، تصنف نسبة ما بين 75 و90 % من النفايات التي تنتجها المستشفيات ومرافق الرعاية الصحية والمختبرات الطبية ومرافق البحوث الطبية الحيوية، على أنها نفايات عامة (غير مُعدية أو خطرة).

ويُقدر حجم النفايات الطبية خلال تفشي "كورونا" بمصر، بنحو 300 طن يوميًّا، كما يؤكد فايز بركات، عضو بالبرلمان المصري، الذي نوه بهذا الرقم خلال طلب إحاطة موجه إلى رئيس الوزراء، بضرورة التخلص الآمن من المخلفات الطبية الخاصة بمصابي "كوفيد-19".

 وقال "بركات" في طلبه المقدم في 27 أبريل الماضي: "هناك نفايات تخرج على نحوٍ يومي من مستشفيات العزل الصحي، عبارة عن آلاف من القفازات والكمامات والسترات الواقية والسرنجات الطبية المستخدمة، إلى سلال المهملات، إذ يقوم الأطباء والتمريض بعد التعامل مع المصاب بفيروس كورونا، بإحلال أخرى جديدة معقمة محلها، مما يمثل تحديًا جديدًا أمامنا؛ حتى لا تكون سببًا في تفشِّي الوباء"، مشيرًا إلى أن "قطاع المخلفات الطبية الخطرة شهد زيادةً ملحوظةً في الكميات اليومية، منذ ظهور حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد في مصر".

 تنهمك "عبد العال" في تنظيف الأسطح والشبابيك بمادة الكلور المخفف، "أقوم أيضًا بتعقيم مواضع النفايات الملقاة على الأرض"، تجمع بعدها الأكياس التي تحوي النفايات الطبية، تمسكها بحذر شديد، ثم تضعها في صناديق متوسطة الحجم، قبل أن تجلس لتلتقط أنفاسها، كأنها خرجت لتوها من معركة شرسة.

خطأ واحد قد يُسبب كارثة

على بُعد كيلومترين من "حميات العباسية"، يضج مستشفى "صدر العباسية" بالحركة، تدلف الطبيبة أسماء النمر -مسؤولة بقسم العزل- داخل أحد المباني العتيقة، ببدلة واقية كاملة وكمامةN95 ، تتابع أحوال مرضى فيروس "كورونا" المستجد، بينما تنظر من حين إلى آخر إلى سلات النفايات للتأكد من استخدامها بالشكل الأمثل من قِبل العمال، "نوجه إليهم التنبيه بضرورة اتخاذ جميع التدابير الوقائية، فخطأ واحد قد يُسبب كارثة".

وتوفر كمامات N95 حماية أكبر؛ لأنها قادرة على ترشيح الجُسَيْمَات الكبيرة والصغيرة من الهواء، وتحتوي على صمامات تسهّل التنفس. وكما يشير اسمها، فإنها مصممة لحجب 95٪ من الجسيمات الصغيرة جدًّا. وحتى الآن، لم توافق إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على أي نوع من أنواع الكمامات للوقاية من فيروس كورونا المستجد، ولكن -وفق الخبراء- قد توفر الأنواع الأخرى من الكمامات بعض الحماية في حال عدم توافر كمامات N95.

عدد الوفيات والإصابات بين الأطقم الطبية خلال الجائحة.

يُمثل الزي الواقي عبء على "النمر"، ليس فقط لثقله، لكن لتحوله إلى نفايات طبية ناقلة للعدوى يجب التخلص منها مباشرةً فور خروجها من عنبر المرضى، "أتجه سريعًا إلى غرفتي، أخلع الزي الواقي والأشياء كافةً ثم أضعها في أكياس حمراء اللون"، تلتزم بعدها بتعقيم يدها حرصًا على سلامتها وتنفيذًا لإرشادات وزارة الصحة لمكافحة العدوى والموزعة على جميع مستشفيات العزل.

عامل يحمل الأكياس الحمراء في أحد مستشفيات العزل. (تصوير أحمد جمعة)

داخل المستشفيات التي تُقدم الخدمات الطبية لمرضى "كورونا" وعددها 320 مستشفى، يُشرف على خطوات التصرف في النفايات الطبية، مسؤول تحكم عدوى، مهمة ليست هينة، كما تصفها رانيا خطاب، التي تشغل تلك الوظيفة بمستشفى "منشية البكري" بالقاهرة.

بات الخوف مصاحبًا لـ"خطاب" مع استقبال المستشفى لمرضى "كوفيد-19" في مايو الماضي؛ "فأنا مصابة بمرضي الضغط والسكري" على حد قولها، وهما من الأمراض التي يعاني أصحابها من مضاعفات وخيمة حال إصابتهم بفيروس "كورونا" المستجد- وفق منظمة الصحة العالمية.

وفق المنظمة أيضًا، يتعافى نحو 80% من المرضى دون ‏الحاجة إلى علاج، ولكن تشتد الأعراض ‏لدى شخص واحد تقريبًا من بين كل 5 أشخاص ‏مصابين. وتزداد مخاطر الإصابة بمضاعفات وخيمة ‏بين فئات المسنين ومَن يعانون من مشكلات صحية، كارتفاع ضغط الدم أو أمراض القلب والرئة ‏أو السكري أو السرطان.

تزامنًا مع قرار وزارة الصحة بتحويل "منشية البكري" إلى مستشفى عزل، أعلنت نقابة أطباء القاهرة -على لسان الأمين العام المساعد، الدكتور محمد مقبل- عن إصابة 21 حالة من الأطقم الطبية والعاملين بالمستشفى، خلال مؤتمر صحفي عُقد عبر الإنترنت.

رفضت "خطاب" طلب أسرتها بترك مهماتها في تلك الفترة الحرجة، "لن أتخلى عن مسؤولياتي، طالما لديَّ القدرة على العمل"، كما تقول لموقع "للعلم"، حيث توجد بمقر عملها يوميًّا، تُباشر عن كثب خطوات التخلُّص الآمن من النفايات بصورة دورية.

القاعدة الأولى التي تُطبقها "خطاب" هي إزالة النفايات باستمرار من عنبر المرضى "لا يمكن تركها لوقت طويل؛ حتى لا تصبح مصدرًا للعدوى"، بل تُجمع في الحاويات الموجودة بالمستشفى، "نملك 15 برنيكة (صندوق مخصص لجمع القمامة)، وفور امتلائها يتجه بها العامل إلى غرفة التخزين".

لا توجد داخل مستشفى "منشية البكري" مفرمة أو محرقة، لذلك تبقى المخلفات لحين مرور سيارات نقل النفايات التابعة لمديرية الشؤون الصحية بمحافظة القاهرة.

نقل النفايات الطبية الخطرة داخل حاوية بأحد مستشفيات العزل (تصوير أحمد جمعة)

لغرف تخزين النفايات الطبية مواصفات.. تعرف عليها

رقابة إلكترونية على حجم النفايات ومسارها

 نظرًا لخطورة النفايات، تُسجل حركتها داخل المستشفى في عدة دفاتر، "من غرف المرضى للبرانيك، ثم عند وصول النفايات إلى حجرة التخزين، وأيضًا وزن النفايات قبل وضعها مباشرةً في السيارات التي ستنقلها خارج المستشفى". جميع الخطوات تتم تحت إشراف ورقابة رئيس تحكم العدوى بالمستشفى، ومديرية الشؤون الصحية بالقاهرة، وإدارة النفايات بوزارة الصحة، فضلًا عن متابعة من وزارة البيئة -كما تؤكد "خطاب".

طارق العربي -مدير مشروعات المخلفات الطبية والإلكترونية بوزارة البيئة- أشار في حديثه لموقع "للعلم" إلى تدشين الوزارة لموقع إلكتروني بالتعاون مع وزارتي الاتصالات والصحة والمجلس الأعلى للمستشفيات الجامعية؛ لمتابعة حجم ومسار النفايات الصادرة عن المنشآت الطبية بعد تفشِّي فيروس "كورونا".

ويضيف "العربي": نطلب من مسؤولي مكافحة العدوى في مستشفيات العزل تسجيل مقدار النفايات، ورقم سيارة نقل المخلفات التي تنقلها، والكمية عند وصولها إلى مناطق المعالجة ثم المدافن، ليُصبح لدينا تقريرٌ رقمي لحركة النفايات خلال الجائحة.

تبقى النفايات الطبية داخل غرف التخزين بالمنشآت الطبية لفترات مُحددة، خاصةً مع وجود بعضها وسط مناطق سكنية. تقول "خطاب": "تصل سيارات مديرية الصحة مرتين أسبوعيًّا، يومي الإثنين والخميس" وفي حالة تراكُم المخلفات داخل غرفة التخزين تتواصل مع المسؤولين عن النقل، "أجد تعاونًا وتلبية سريعة لطلبي، وخلال ساعات تصل عربة لنقل النفايات".

ووفق البرنامج الوطني لإدارة النفايات الصلبة (NSWMP) ما لم تتوافر غرفة مزودة بأجهزة تبريد، فلا يجب أن تزيد فترة تخزين مخلفات الرعاية الصحية على الزمن الذي يمكن خلاله تخزين المخلفات دون خلق مشكلات تتعلق برائحة المخلفات المخزنة.

 وينوه البرنامج إلى أن البلاد ذات المناخ الدافئ مثل مصر، لا ينبغي زيادة مدة التخزين فيها عن 48 ساعة في الفصول الباردة، وعن 24 ساعة خلال الفصول الحارة.

حين تصل سيارات نقل النفايات التابعة لوزارة الصحة أو لشركات خاصة تتعاون مع الحكومة المصرية، ينهمك العمال في تفريغ الحاويات الخاصة بالمستشفى من حمولتها، يبدو الحرص واضحًا عليهم؛ خوفًا من تعرضهم للإصابة في أثناء تأدية وظيفتهم.
عمرو أبو العطا، مسؤول برامج الترصد والاستعداد والاستجابة بمكتب منظمة الصحة العالمية بمصر، ينصح -في تصريحاته لموقع "للعلم"- بالتعامل الأمثل مع المخلفات، مؤكدًا أن الفيروس قد يمكنه العيش لفترات قد تمتد لأيام داخل النفايات بناء على درجة حرارة الجو والرطوبة والحمل الفيروسي.

 

إن سيارات نقل النفايات الطبية لها طبيعة خاصة واشتراطات محُددة من أجل قبول استخدامها في تلك المهمة:

مواصفات سيارة النفايات الطبية

تتحرك سيارات نقل النفايات الطبية في طريقها إلى محطات المعالجة، ينتبه المارة لطبيعتها عند رؤية الإشارة المدونة عليها بأنها تحمل مخلفات خطرة، يبتعد عنها البعض بتصرف عفوي، بينما قد تحمل الشوارع نفسها مخلفات طبية لمرضى "كورونا" المستجد في غفلة من الجميع.

 يقول شحاتة المقدس -نقيب الزبالين- لموقع "للعلم" إن أبناء مهنته يجمعون 2000 طن يوميًّا مواد غير قابلة للتدوير وأدوات طبية مستخدمة لمواجهة "كورونا"، يتم دفنها جميعًا في مدافن خاصة بالتنسيق مع وزارة الصحة في مناطق "شبرامنت" و"بلبيس" و"مايو" بالقاهرة.

ويوضح "المقدس" أن أعدادًا غفيرة من جامعي القمامة يعملون في القاهرة الكبرى -القاهرة والجيزة والقليوبية- وأن هناك أشخاصًا بلا ضمير ينبشون بحثًا عن "الكمامات" المستخدمة لإعادة تدويرها وبيعها مرةً أخرى.

الرجل الخمسيني الذي ورث تلك المهنة عن والده يُشير إلى ضرورة أن يفصل المواطنون أدوات الوقاية بعد استخدامها بصورة واضحة، ليتعرف عليها جامع القمامة؛ حتى لا يتعرض للخطر، كما طالب الحكومة المصرية بتوفير الكمامات والقفازات الطبية لجامعي القمامة؛ حفاظًا على سلامتهم.

الأمر مُختلف مع العاملين في نقل النفايات الطبية الخطرة؛ إذ عليهم اتباع اشتراطات صارمة للحفاظ على صحتهم خلال أداء دورهم، وقد نشرت الرابطة الدولية للنفايات الصلبة (ISWA) -ومقرها هولندا- عددًا من الإجراءات اللازمة لسلامة العاملين، من بينها التغيير المتكرر والتنظيف لمعدات الوقاية الشخصية والملابس المهنية.

وأشارت التوصيات -التي نُشرت في إبريل الماضي- إلى أهمية استبدال القفازات المهنية في حالة القطع أو حدوث تلوث محتمل، واستخدام الطريقة الصحيحة لارتداء القناع وخلعه، وتجنب السائقين وعمال النظافة الاتصال بالسكان، وتشجيع ظروف عمل محددة للعمال المسنين، وتعقيم المركبات بانتظام.

النقطة الأخيرة من الإجراءات التي أكد عليها مدير مشروع المخلفات الطبية والإلكترونية بوزارة البيئة في حديثه لموقع "للعلم"؛ إذ يقول: إن تعليمات وزارتي الصحة والبيئة توضح ضرورة تطهير المركبات الناقلة للنفايات بعد خروجها من مستشفيات العزل، وأيضًا بعد نقل النفايات الطبية إلى محطات المعالجة، سواء بالفرم والتعقيم أو الحرق.

عدد المحارق في مصر 

معالجة مصر للنفايات الخطرة
في مصر طريقتان لمعالجة النفايات الطبية الخطرة، كما يوضح "العربي"، الأولى هي الترميد بإحراقها في أفران ذات مواصفات خاصة، ثم وضعها في مدفن صحي، مُخصص للتخلص من المخلفات الخطرة بطريقة آمنة صحيًّا وبيئيًّا، مثل الموجود في منطقة الناصرية بالإسكندرية، وتبعد نحو 111 كم عن القاهرة.
يُشير "العربي" إلى الطريقة الثانية، وهي الفرم والتعقيم للتأكد من تطهيرها من الميكروبات وعدم استخدامها مرةً أخرى، وأنها الأفضل لمعالجة النفايات الخطرة، للتقليل من الانبعاثات الغازية الناتجة عن الحرق، وفق قوله، مؤكدًا أن وزارة البيئة تدعم هذا الاتجاه بتدشين محطات معالجة جديدة، منها محطة بمحافظة الغربية شمالي مصر.

تنتهي رحلة النفايات الطبية الخطرة بالدفن، لكن بعض معدومي الضمير تمكنوا خلال جائحة "كورونا" من نقلها خارج المسار الآمن لها، بدا ذلك في حالات عديدة، من بينها استخدام مقلب قمامة بالقاهرة في التخلص من 4.5 أطنان من المخلفات المُعدية، فضلًا عن العثور على مخزن يحوي 10 أطنان من النفايات الخطرة، قبل ضبطها في حملات تفتيشية لوزارة البيئة.
بعد يوم صاخب مع النفايات الطبية الخطرة، تغادر "عبد العال" -العاملة بمستشفى حميات العباسية- المكان في طريق العودة إلى بيتها البسيط، عند وصولها لا تلتقي أفراد أسرتها مباشرة، تبتعد عنهم لبعض الوقت، "أختفي داخل الحمام لغسل ملابسي وتعقيم يدي للمرة الأخيرة"، تغرق بعدها في أمور الدنيا الاعتيادية، تحاول نسيان الساعات التي قضتها بصحبة القلق.