يقول المثل المصري: "يحلم الجائع بسوق العيش"، هكذا كان حال الحيتان قبل ملايين السنوات.

فتلك الحيوانات كانت تعيش على اليابسة، وبسبب الظروف البيئية والضغوط المعيشية، انتقلت إلى الشواطئ حيث الطعام أكثر وفرة، و"حلمت" بتعلُّم السباحة للانتقال إلى البحار والمحيطات حيث الطعام الكثير والرزق الوفير.. وهو "حلم" لم يتحقق إلا بعد ملايين السنوات، خاضت فيها الحيتان حربًا على درجات سُلم التطور، حتى وصلت إلى شكلها الحالي بعد عناء.

يُخبرنا تاريخ تطور الحيتان أن تلك الحيوانات تكيفت بشكل مُذهل مع بيئتها الحالية -البحار- وانتقلت من حجمها القديم -الذي كان يُقدر بحجم ذئب متوسط- إلى الأحجام الهائلة الحالية -التي تصل إلى حجم عربة قطار في بعض الأحيان- بعد أن مرت بأطوار عدة تُسجلها خمس عائلات كاملة يندرج تحتها آلاف الأنواع المسجلة، منها المنقرض، الذي ساد ثم باد قبل ملايين السنوات، ومنها الحيّ، الذي لا يزال يسود محيطات العالم وبحاره.

في دراسة جديدة، نُشرت نتائجها في دورية " Proceedings of the Royal Society" يُسجل فريقٌ يقوده علماء مصريون نوعًا جديدًا من أسلاف الحيتان البرمائية، التي سبحت في مياه بحر التيتس الذي كان يفصل بين قارات العالم القديم، ذلك الحوت -الذي أطلق عليه الباحثون المصريون "فيوميستس- أنوبيس"- مات -لحسن الحظ- بالقرب من محافظة الفيوم المصرية، وحُفظت بقاياه على بُعد نحو 20 كيلومترًا جنوب تلك المحافظة التي تعج بالحفريات.

يقول المؤلف الرئيسي لتلك الدراسة "عبد الله جوهر"، وهو طالب ماجستير في كلية العلوم بجامعة المنصورة، وينتمي إلى مجموعة هشام سلام للحفريات الفقارية: إن تلك الحفرية من شأنها أن تمدنا بالعديد من البيانات الخاصة بتطور الحيتان عبر الزمان، كما أنها تسد فجوةً كبيرةً في نظرية تطور الحيتان، تلك الفجوة لا تتعلق بمدى موثوقية النظرية الأحيائية الأهم، لكنها تتعلق بنقص البيانات.

تبدأ حكاية الحيتان البرمائية قبل نحو 56 مليون سنة، حين تجرأ أحد الحيوانات التي تُشبه الذئاب إلى حدٍّ بعيد فوصل إلى شواطئ المنطقة التي تُعرف حاليًّا بباكستان، كان ذلك الحيوان "رائدًا" بالمفهوم البشري، فبعد أن شحت الموارد قرر البحث عن فرائسه داخل المياه، في ذلك التوقيت، أعلن الباكيسيتس  Pakicetus عن نفسه.

فعلى الخط الفاصل بين الأرض والبحر، كان ذلك الحيوان من أكلة اللحوم التي "تأكل الأسماك أحيانًا"، اكتُشفت حفرياته في عام 1981، وأظهرت خصائصه التشريحية ارتباطه بـ"الحيتانيات الحديثة"، وهي مجموعة مكونة من الحيتان وخنازير البحر والدلافين.

عاش الباكيسيتس في بحر التيتس أيضًا، على الرغم من أنه كان يحتوي على جسم حيوان بري، إلا أن رأسه كان له شكل جمجمة طويلة تبدو وكأنها جمجمة لحوت، بمرور الوقت -وعلى حد ما يقول الباحث المشارك في الدراسة وأستاذ الحفريات بالجامعة الأمريكية ومؤسس مركز الحفريات الفقارية بالمنصورة "هشام سلام"، في تصريحات خاصة لـ"للعلم"- كشفت الحفريات أيضًا أن ذلك الحوت يملك عظمة أذن ذات ميزة فريدة من نوعها للحيتان، وعظم الكاحل الذي ربطه بمزدوجات الأصابع، وهي مجموعة كبيرة من الثدييات ذات الحوافر، تشمل أفراس النهر والخنازير والأغنام والأبقار والغزلان والزرافات والظباء وحتى الحوتيات، وهي الكائنات المائية الوحيدة بين مزدوجات الأصابع.

توالت الاكتشافات، وقسّم العلماء الحيتان إلى خمس عائلات، تبدأ بالحوت الباكستاني "الباكيسيتس" وتنتهي بالحيتان الحالية التي تجوب محيطات الأرض؛ فقبل ملايين السنوات، انفصلت أفراس النهر -الكبيرة والمائية هي الأخرى- في المسار التطوري عن مجموعات الحيتان، طورت تلك المجموعات السمات بشكل منفصل بعضها عن بعض، وتقول الدراسات العلمية إنه من المحتمل أن تكون أفراس النهر قد تطورت من مجموعة تسمى الأنثراكوث منذ حوالي 15 مليون سنة، وتطورت الحيتان الأولى منذ أكثر من 50 مليون سنة، وكان سلف هاتين المجموعتين يعيش على اليابسة.

وفي الوقت الذي كانت فيه هذه الحيتان الأولى -مثل باكيسيتس- حيوانات برية نموذجية؛ إذ كان لديها جماجم طويلة وأسنان كبيرة آكلة للحوم، لا تشبه -من الخارج- الحيتان على الإطلاق، إلا أن جماجمها -خاصةً في منطقة الأذن، المحاطة بجدار عظمي- تشبه إلى حدٍّ كبير جماجم الحيتان الحية ولا تشبه جماجم أي حيوان ثديي آخر، وفي كثير من الأحيان، تقدم الميزات التي تبدو ثانويةً دليلًا حاسمًا على ربط الحيوانات المتخصصة للغاية في أنماط حياتها (مثل الحيتان) بأقاربها الأقل تطرفًا.

يقول "جوهر" في تصريحات خاصة لـ"للعلم": إن الحوت المصري المكتشَف حديثًا هو أحد أفراد العائلة الكبيرة الرابعة المعروفة باسم "بروتوستيدي"، تلك العائلة سُميت على اسم أول حوت مصري تم تعريفه منها، وهو الحوت المصري "البروتوسيتس" -الحوت الأوليّ- الذي جرى العثور على حفرياته في جبل المقطم، سبقت تلك العائلة نظيرتها التي تنتمي إليها الحيتان الحالية، وفيها، كانت الحيتان برمائية، لكنها كانت تسبح بمهارة كبيرة، وكانت قادرة على الصيد في البحار موغلة العمق، كما كانت التمهيد الأخير لظهور الحيتان الحالية.

فكيف بدأت قصة الحوت المصري المكتشَف حديثًا؟

يقول مدير إدارة الجيولوجيا والحفريات بقطاع حماية الطبيعة ومدير محميات المنطقة المركزية بوزارة البيئة، الدكتور "محمد سامح"، وهو أيضًا باحث مشارك في الدراسة: إن قصة تلك الحفرية بدأت منذ أكثر من 13 عامًا، ففي أثناء عمليات تنقيب اعتيادية، عثر الفريق الذي يقوده "سامح" على تلك الحفرية، "للوهلة الأولى عرفت أنها حفرية غير اعتيادية وستمثل اكتشافًا كبيرًا"، يقول الرجل في تصريحات خاصة لـ"للعلم"، ومنذ ذلك الحين وحتى عام 2017، احتفظ "سامح" بالحفرية ضمن مقتنيات وزارة البيئة المخصصة للبحث العلمي، "فضلت أن يعمل عليها أحد الطلاب الشغوفين بعلم الحفريات؛ لإعطائه دفعة مُشجعة في بداية حياته العلمية".

بعد سنوات، تحدث "سامح" مع "سلام" عن تلك الحفرية، ليقرر الأخير أن يعمل عليها أحد طلبة الماجستير، "هنا يبرز مبدأ تمرير العلم إلى الطلاب؛ فكل طالب في مجموعتي يجب أن ينشر العديد من الأوراق البحثية قبل حصوله على درجة الماجستير، ولا أقبل في مجموعتي النشر إلا في دوريات علمية دولية كبيرة"، يقول "سلام"، مشيرًا إلى أن الاكتشاف الجديد سجله في التاريخ "ابنٌ من أبناء محافظة الفيوم، كان الحوت يعيش على أرض أجداده قبل ملايين السنوات".

لذا، فضَّل الفريق البحثي تسمية الحوت المصري الجديد على شرف واحة الفيوم، وهو المكان الذي استُخرجت منه حفرياته، في حين جرت تسمية النوع باسم إله فرعوني قديم؛ لإضفاء الطابع المصري القديم على هذا الاسم العلمي.

عاش فيومسيتس وقتما كان قطاع كبير من الأراضي المصرية مغطى ببحر شاسع هو البحر المتوسط القديم "بحر التيتس"، حيث عاشت حيوانات بحرية قديمة، من بينها أسلاف الحيتان التي تعيش اليوم، وكان طوله يبلغ نحو ثلاثة أمتار، ووزنه نحو 600 كجم، وكان برمائي المعيشة؛ إذ كان قادرًا على المشي على اليابسة والسباحة في البحر، كما تميز بقدرات شم وسمع قوية، بما يجعله يشبه الثدييات التي تعيش على اليابسة.

يقول "جوهر": إن ذلك الحوت "كان ملك الموت بالنسبة للكائنات التي تعيش في تلك المنطقة، ومن هنا فضلنا دمج اسمه مع اسم "أنوبيس" إله الموت عند المصري القديم"؛ فالتحليل التشريحي لتلك الحفرية أثبت أن لذلك الحوت "عضة قوية للغاية"، ربما تفوق في قوتها عضة التمساح القاتلة.

تشمل الحفرية المستخرجة لذلك الحوت جزءًا كبيرًا من الجمجمة، وعظامًا من القفص الصدري، وأجزاءً من الفك السفلي، وتبيَّن من الدراسة التشريحية المفصلة للأجزاء التي عُثر عليها أن ذلك الحوت الجديد يختلف تمامًا عن كل أقرانه من الحيتان المعروفة من قبل، كما أوضحت خصائصه التشريحية أنه كان يتميز بمهارات افتراس كبيرة، وعضلات فكين قوية وضخمة، مكنته من الهيمنة على البيئة التي عاش فيها آنذاك، كما يُهيمن حوت "الأوركا" القاتل على البيئات البحرية اليوم.

كما وجد الفريق البحثي أن ضلوع حوت "فيوميسيتس" تُظهر علامات عض وآثار أسنان، ويعتقد الباحثون أن تلك العلامات تسببت فيها أسماك القرش الصغيرة، يقول "سلام": من المحتمل أن أسماك القرش لم تكن كبيرةً بما يكفي لافتراس فيوميسيتس، ولكنها تغذت على جيفته بعد مماته.

في عام 2011، وبينما كانت الثورة المصرية في أوجها، شهد "وادي طرفة" في المنيا ثورة جيولوجية، بعد أن عثر العلماء على حوت في رخام تلك المنطقة يُعرف باسم "إيجيبتوسيتس- طرفة"، كان ذلك الحوت من العائلة الرابعة نفسها، ويتميز بكونه برمائيًّا، بعد ذلك تم اكتشاف الحوت المصري المعروف باسم "الأجيستيس" عام 2019، وهو من العائلة نفسها أيضًا، لكنه "مائي بالكامل"، على حد ما يقول "جوهر".

تمثل عائلات الحيتان مراحل في تطور تلك الكائنات؛ إذ تمثل كل عائلة منها خطوةً مهمةً في التطور من اليابسة إلى الماء، "نجد أن العائلة التي تضم الباكيسيتس أقلها ارتباطًا بالماء وأكثرها ارتباطًا باليابسة.. وشيئًا فشيئًا وصلنا إلى العائلة الخامسة التي تعيش بشكل كُلي في الماء".

تنقسم العائلة الرابعة -التي ينحدر منها الحوت المصري الجديد فيوميسيتس- إلى 3 أقسام، يمثل كل قسم منها مراحل مختلفة، "ولأنها العائلة الكبرى، نشهد فيها تحورات كثيرة للغاية"، يقول "جوهر".

القسم الأول من تلك العائلة لحيتان "برمائية" بالكامل، "نصف في الماء ونصف في اليابسة"، أما القسم الثالث -كحوت الأجيسيتس- فهو مائي بالكامل ولا يعيش على اليابسة"، يقول "جوهر": إن فيوميستيس يقع في القسم الأول، وهو أكثر الحيتان بدائيةً من هذه العائلة وتم اكتشافه في أفريقيا.

كان "فيوميسيتس" سباحًا ماهرًا، له أطراف قوية قادرة على دعمه على اليابسة، "ربما كان يمشى في ذلك الزمان بطريقة تُشبه التمساح"، على حد قول "جوهر"، الذي يُشير إلى أن الصفات التشريحية "تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن فيوميسيتس مشى على الأرض".

لم يعثر الباحثون على أي أطراف سفلية للحوت.. فمن أين لهم ذلك التأكيد؟

يقول "جوهر": إن الأمر ليس بسيطًا كما يبدو؛ إذ استغرقت عملية التأكد 4 أعوام كاملة، "حين وجدنا الجمجمة بشكل شبه كامل، علاوةً على الفقرة العنقية الخامسة والفقرة الصدرية السادسة، بالإضافة إلى ضلوع من منطقة الصدر والفكين السفليين، عرفنا أن تلك الكمية من الحفريات قادرة على توفير الكثير من المعلومات".

الصفات التشريحية وجهت الباحثين في تلك الدراسة إلى أن الحوت ينتمي إلى العائلة الرابعة في القسم الأول، لكن إثبات أن الحوت الجديد برمائي كان أمرًا مختلفًا.

كان مفتاح اللغز هو الفقرة الصدرية السادسة؛ "فالزائدة الشوكية التي يمر من خلالها النخاع الشوكي تميل بزاوية الميل نفسها الموجودة في الثدييات التي تعيش على اليابسة، على عكس الأنواع التي تعيش في المياه، والتي تكون الزاوية فيها قائمةً بصورة أكبر"، يقول "جوهر" في تصريحاته لـ"للعلم".

بإجراء دراسات مقارنة على أقربائه، وجد الباحثون في تلك الدراسة أن أقرب أقرباء ذلك الحوت هو "الرودوسيتس" الذي عُثر عليه في الهند، وهناك دلائل كثيرة على أن ذلك الحوت برمائي.

الحفرة الصدغية على جانبي الجمجمة أكبر مما هي لدى باقي أقرانه في العائلة، وتمثل 30٪ من طول الجمجمة، هذا يعني أن حجم العضلات في تلك المنطقة كبير، ويعني أن عضته قوية للغاية، كما لاحظ الباحثون وجود استطالة في عظام الجمجمة، واستثناء كبير في القواطع؛ ففي كل العائلات القاطع رقم اثنين هو القاطع الأكبر، إلا أن فيوميسيتس لديه قاطع ثالث -واقع بعد الناب مباشرة- هو أكبر القواطع.

كما أن منطقة اتصال الفكين معًا كبيرة للغاية وأكبر مما هي لدى كل أقرانه، وتمثل نحو 50٪ من حجم الفك السفلي، "وهو ما يؤكد أن ذلك الحوت بدائي للغاية، وأقدم من كل الحيتان الأفريقية التي عُثر عليها حتى الآن".

يقول "سلام": إن الحوت الجديد لم يضف فقط إلى معرفتنا بأشكال الحيتان الانتقالية المبكرة، ولكنه أثار أيضًا تساؤلاتٍ جديدةً حول النظم البيئية التي عاشت فيها تلك الحيوانات القديمة، "كما وجهت رؤيتنا البحثية الجديدة نحو إيجاد إجابات لأسئلة كبيرة عن أصل الحيتان القديمة وتعايش بعضها مع بعض في مصر".

كان الأجانب هم القادة في تسمية الحيتان القديمة؛ إذ كان ذلك العلم حكرًا على علماء الغرب، ولكن لأول مرة في التاريخ، يقود فريق مصري تسمية جنس ونوع جديد من أسلاف الحيتان وتوصيفه، وهو أمرٌ يصفه "سلام" بـ"الأمر المهم".