منذ أربعة وعشرين عامًا كانت المرة الأولى التي ألتقي فيها -وجهًا لوجه- ملكًا من هؤلاء الملوك على الطبيعة، في "إيتوشا"، تلك المحمية الطبيعية المترامية في دولة ناميبيا البديعة، وكان ذلك بعد سعي جهيد على متن سيارة دفع رباعي عبر دروب البراري التي تعادل سبعة أضعاف مساحة مدينة القاهرة، ولثلاثة نهارات كاملة. وما إن اقتربت سيارتنا من أجمة أشجار تهجع في ظلالها مجموعة من الأسود، أسرة كبيرة يهيمن عليها واحد من هؤلاء الملوك، حتى شعرت بما يشبه الصدمة: هل هذا ملك؟ ملك يستلقي في إقعاءٍ ساكنٍ بليد ولا يهش عن نفسه حتى الذباب. بل يبدو نائمًا ولا يفتح عينيه أو تندُّ عنه حركة إلا ليزيح صغيرًا من الأسرة جاء يلتمس أن يلاعبه، ثم يعود إلى نومه الذي عرفت أنه يستغرق نحو عشرين ساعةً في اليوم! فكيف اتخذ البشر من أمثاله، وعلى مر العصور، رمزًا ملكيًّا للمهابة والجرأة والشجاعة والنبالة، وغير ذلك مما صار مجازًا شائعًا يلحَق بأسماء زعماء وقادة وأباطرة، ورمزًا لإمبراطوريات وأمم وشعوب، وشعارًا تزهو به الرايات واليافطات والدروع، وأنواع الشاي الفاخر؟!

حيرة قديمة تتجدد

     هذه الحيرة إزاء هذا الكائن لم تكن جديدة، ولا خاصة، بل كانت عامة وقديمة، ويمكن رصدها على مبعدة سبعمئة عام في كتاب "عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات" للعالم العلامة -وقد كان كذلك في زمانه- أبي عبد الله بن زكريا القزويني، الذي بدا حائرًا أيضًا وهو يورد الشيء ونقيضه عن الأسد، فيقول مُستعظمًا إياه: "هو أشد السباع قوة وأكثرها جرأة وأعظمها هيبة وأهولها صورة؛ لأنه لا يهاب شيئًا من الحيوان ولا يوجد حيوان له شدة بطشه، زعموا أنه لا يأكل من صيد غيره البتة، وإذا صاد شيئًا أكل قلبه وترك الباقي لغيره ولا يرجع إليه، ويحب الغناء وصوت الدف والشبابة، وإذا صار ضوء بالليل ذهب إليه ووقف بالبُعد منه وحينئذٍ يسكن غضبه. وزعموا أن مَن ذل له وتواضع ينجو منه. وقَلَّ ما تفارقه الحمى ولذلك يقال للحمى داء الأسد". لكن هذه الفقرة التعظيمية للأسد في ذلك الكتاب تظل تلازمها فقرة تحط من شأنه، إذ تقول: "هذا النوع من الحيوان شديد الشبه بالشياطين؛ لما فيه من الكِبر والغضب وضيق الخلق وكثرة الفساد وقلة الاستئناس... خلق الله لها آلات تُحصِّل بها الأطعمة كالعدو الشديد والقوة والحرارة والأنياب والبراثن والهيئة الهائلة وسعة الفم وغِلظ الرقبة وسعة الصدر ورقة الخصر. ولما كانت كثيرة الفساد رفع الله البركة عنها فترى السباع تلد في كل سنة مرة واحدة أو مرتين، وفي كل بطن ستًّا أو سبعًا ولا يبقى منها إلا القليل في أطراف الأرض".

CC0 Public Domain

      بنظرة قائمة على أسس بيئية، لا شك أن الأسود لا يزالون ملوك السافانا الإفريقية، وهو ما يؤكده "كريج باكر" -عالِم البيئة بجامعة مينيسوتا وخبير الأسود الرائد في العالم- إذ يقول: "الأسود تطورت لتهيمن على السافانا، وليس لتتشارك فيها"، فهم بهذا المعنى ملوك لتلك البرية، مُلكًا مستحقًّا بحقيقة أنهم على رأس السلسلة الغذائية في هذه البيئة، فهم مفترسون ولا مفترس لهم، وقد يبدو هذا -من المنظور البشري- سطوةً مذمومة بما تتضمنه من وحشية قاتلة، خاصة إذا أضفنا إلى هذا القتل -ابتغاء الحصول على الطعام- قتلًا آخر بالغ الشناعة في مظهره، وهو قتل الأشبال الرُضَّع من آباء سابقين؛ حتى يخلو طريق هذه الوحوش لمواقعة الأمهات المأخوذات غصبًا

الفسيولوجيا تضيء الغرائب

    فأي ملوك هؤلاء؟ وأي ممالك تلك؟ سؤال استنكاري ينطوي بداهةً على الامتعاض والرفض، "لكن مهلًا" -نسمع علم سلوك الحيوان القائم على البحث العلمي الميداني والتجريبي يهتف طالبًا التريث، موضحًا أن سلوك الحيوان قائم على أسس بيولوجية وبرامج تصميم تكمن مشروعيتها في تناغمها مع شروط عيش كل حيوان في بيئة نشأته، وتطوره، والتكيفات التي حدثت له عبر آلاف بل ملايين السنين.. فاتخاذ العنف وسيلةً من أسد ذكر للحصول على أنثى بعد قهر زوجها، هو اضطرار مبعثه أن الحصول على الأنثى ليس فقط للتناسل واستمرار النوع، بل لتيسير الحصول على الطعام الذي لا يُجيد الأسد تحصيله، فهو اختيار بين الحياة والموت. أما قتل الأشبال الرضع للأنثى من زوجها السابق على يد زوجها الجديد المنتصر، فهو محض ضرورة لتمرير جيناته عبر هذه الأنثى قبل فوات الآوان، في عالم قائم على الصراع، فالأنثى تظل تُرضع صغارها حتى 18 شهرًا بعد ولادتهم، ويستحيل أن تدخل في "دورة نزوية" Estrous cycle -فترة هياج جنسي تعتري الإناث من الثدييات- تجعلها مهيأَةً للجماع، ما دامت أضراعها تدر حليبًا، وما دام هناك أفواه صغار يرضعون، عندها يندفع الأسد الغالب وبكل عربدة التستوستيرون الهائج في دمه إلى قتل صغارها تباعًا دون أن تجرؤ على منعه، بعدها يجف ضرعها، وتتهيأ تلقائيًّا لاستقبال الذكر الجديد، وهو استقبال يجعلها تتلوى بعد كل مرة من ألم ساحق، ومع ذلك تستمر، فعضو الذكر له نتوء يشبه شوكة معكوسة تخدش بطانة قناتها التناسلية فائقة الحساسية عند انسحابه، ومع ذلك يظل اللقاء يتكرر لما يقارب المئة مرة خلال يومي التناسل اللذين لا يتكرران إلا بعد شهور عِدَّة، مئة مرة من الوطء يحسبها كثير من البشر فحولة أسطورية من الأسد، وهي ليست كذلك مطلقًا (كما ستوضحه الفقرة التالية)، مئة مرة من الألم الساحق للأنثى يتركها كالمذبوحة، تتقلب على ظهرها ضاربةً بأرجلها الهواء لتُبرِّد نيران الألم، وتكون في تلك اللحظات أخطر ما تكون على الذكر نفسه حتى إنه يقف منها حذرًا على مبعدة، ومع ذلك تعود لاستقباله، راقدةً لفرط ثقله الذي يساوي ضعف وزنها، ولأنها تتوقع ألم النهايات، وليس هذا بغصبٍ كما يبدو، ولا نزوة اشتهاء، وإن كان لا يخلو من ذلك، لكنه شرط حدوث الإخصاب ونجاح حمل هذه الأنثى، فمبيض اللبؤة لا يطلق بويضاته إلا بتحفيز شديد فيما يُسمَّى "التبويض المُستحَث" induced ovulation، وهو شائع لدى العائلة القطية التي تنتمي إليها الأسود، وإن كان يأخذ شكلًا أهون من الإيلام في حالات أُخرى، فالتبويض المُستحَث يحدث لدى أنثى الفهد بعد مطاردة عنيفة بسرعة 100 كيلومتر في الساعة، تفر فيها الفهدة من الذكر، وما إن يلحق بها ويعلوها حتى يطلق مبيضها بويضاته، لتُخصَّب على الفور! لكن الأسد لا يمتلك القدرة على طول مثل هذه المطاردة وسرعتها.

ابحث عن الحُمَّى

    عالم مختلف لا يمكن تفسيره إلا بشروط تكوينه وغايات أهدافه، ومن ذلك غرابة أن ذكور "مملكة" الأسود يعتمدون على الإناث بنسبة تفوق 90% في الحصول على الطعام. فلبؤات الأسرة الأسدية هن اللاتي يشكلن فريقًا للصيد الجماعي يكاد يغيب عنه الذكر (أو تحالف ذكر أو اثنين أو ثلاثة في الأسرة كبيرة العدد). وأقصى ما يقدمه الذكر هو قطع الطريق على الفريسة التي تطاردها الإناث عند آخر الشوط، فيقفز مطبقًا فكيه الجبارين على خطمها ولا يتركها إلا مختنقة. وهو لا يكاد يفعل ذلك إلا مع فريسة ضخمة من جاموس الكاب (الإفريقي) الذي تزن الواحدة منه ما يفوق الطن. ومما يدهش أن هذا الجاموس هو القاتل الأول للأسود، برفساته الساحقة وضربات قرونه الشِّداد التي يبلغ طولها مترًا وأكثر، وتكفي تطويحاتها لتطيير الأسد في الهواء بارتفاع عدة أمتار، يهوي بعدها دائخًا على الأرض فتعاجله طعنات أطراف هذه القرون في البطن! وقد يُوحي هذا بأن الخوف هو الذي يُرجِّح تخلُّف الأسد عن مطاردة الفرائس مع حريمه، لكن الحقيقة أن هناك سببًا آخر أهم وأعم، يُفسِّر -مع القليل غيره- كثيرًا من سلوكيات الأسد المُستغرَبة، وقد مر القزويني على هذا السبب دون أن يتوقف عنده في كتابه "غرائب الموجودات" عندما ذكر أن الأسد "قل ما تفارقه الحمى"، وهو ما أثبته العلم حديثًا، ويتمثل في أن درجة حرارة جسم الأسد الطبيعية مرتفعة دائمًا، وبمعدلات تفوق غيره من القطيات الكُبرى كالفهود والنمور، كما تفوق درجة حرارة اللبؤات،  فدرجة حرارة اللبؤة المعتادة 38.05 درجة مئوية، أما حرارة الأسد فهي 39.16 درجة مئوية، ثم إنه لا يتعرَّق، وبرغم أن هناك بحثًا علميًّا كبيرًا وحديثًا أثبت أن "اللبدة" حول رقبة الأسد ووجهه لا تشكِّل حِملًا حراريًّا، إلا أنها -على الأقل- تعوق تبريد جسمه بإشعاع الحرارة وتبريد الهواء عند انخفاض حرارة الجو. ثم إن الكتلة العضلية الكثيفة المُسجلة للأسدRecord weight  -والتي وصل وزنها إلى 272 كيلوجرامًا، أي ضِعف الكتلة العضلية المُسجَّلة للأنثى- تشكل عند تحريكها مولِّدا حراريًّا يفاقم حرارة جسم الأسد المرتفعة أصلًا، لهذا وحتى لا يصاب سريعًا بصدمة حرارية تتلف تركيب البروتينات في خلاياه الحساسة، خاصةً في الدماغ، يتحاشى الأسد -بشكل غريزي- بذل أي مجهود كبير في وقت طويل، ويُضيف إلى ذلك آليات آخرى لتبريد جسمه الساخن في بيئة إفريقيا الحارة.

قلب صغير في جسد كبير يغلي

     هذا العبء الحراري الذي يعانيه الأسد، والذي يتقي عواقب تفاقمه بالغريزة، يجعله لا يصطاد إلا ليلًا حيث تهبط درجة الحرارة، وحيث يمتلك عيونًا لها خلايا في الشبكية تكثف ضوء النجوم والقمر، فيرى بقوة تعادل 6 أضعاف قوة الإبصار البشري في الظلمة (ومع ذلك لا ينجح في محاولات الصيد إلا بنسبة 50%). وفي الموسم الذي تنخفض فيه درجة حرارة الجو في النهار عن حرارة جسمه، يستلقي على ظهره في ظلال الأشجار مُعرِّضا بطنه رقيق الجلد لما يهب من نسائم تمتص حرارة جسمه الزائدة. وعوضًا عن التعرق الذي لا يمتلك غددًا له إلا بين البراثن، يعمد إلى تخفيف العبء الحراري عن جسمه بإطلاق الكثير من بخار الماء عبر اللهاث المستمر (كما تفعل الكلاب في الطقس الحار)، وقدَّر الباحثون أن الأسد يستهلك من الماء ضِعف ما تستهلكه الأنثى، ومن ثم ربطوا بينه وبين تفضيل البقاء على مقربة من مورد الماء، نهرًا كان أو بحيرة أو حفرة،  وهو يُكثِر من لعق فرائه حتى يتبخر ماء لعابه ويجلب له شيئًا من التبريد. ومع ذلك، تظل كل هذه المنظومة من وسائل التكييف قاصرة عن تشتيت عبء "الحُمى" عن جسد الأسد، فيضيف تكتيكات أخرى تقوم كلها على قاعدة تجزئة بذل الجهد المكثف على فترات زمنية قصيرة، وهذا يفسر تكرار وطء أنثاه عند التزاوج لمئة مرة في يومين، لكن المرَّة لا تستغرق إلَّا ثوانيَ. وهو لا يشارك في الصيد إلا بمطاردة لا تتجاوز مسافة 200 متر كحد أقصى، وإن كان يمكنه الانطلاق بسرعته القصوى البالغة 60 كيلومترًا في الساعة، لكن لمسافة 100 متر فقط، وفي خط مستقيم، فكثافة عضلات جسمه غير المرن لا تسمح له بالمناورات التي تجيدها اللبؤات الأخف وزنًا والأكثر رشاقة، والأمتن قلوبًا! نعم، فحجم قلبه لا يشكل إلا 45.% من وزن جسمه بينما يشكل قلب الأنثى 57.% من وزنها، فقلبها أقوى وأكفأ، وأليَق بالمطاردات الطويلة للفرائس للحصول على طعام للعائلة، لكنها تظل تهاب زوجها، وتتنحى ليكون أول مَن يأكل مما اصطادته مع أخواتها! فهي وهُنَّ في حاجة ماسة إلى قوته المرهوبة في السافانا المسكونة بالوحوش والبراري الملغومة بالمنافسين، فزئيره يصل مداه إلى ثمانية كيلومترات، ليردع الضواري عن الاقتراب وخطف الصغار، ويحذر الأسود الشريدة من الاقتراب، كما أن قوته الغاشمة تهيئه لمصارعة أي أسد دخيل يمكن أن يكرر مأساة الاقتران بها عنوة، وقتل صغارها وتكرار دورة شقائها، فكأنما صوتها الداخلي يردد على نسق ما تردده بعض إناث البشر المغلوبات على أمرهن "ظل أسد ولا ظل شجرة"، فتتقبله غريزيًّا بمنطق "الاستثمار البيولوجي"، إذ تتنازل عن شيء لتربح شيئًا تراه أهم، ومَن يعرف أمومة اللبؤة يذهل لقوة هذه الغريزة التي تجعلها تحتمل -في صبر أسطوري- أن تنتبذ ركنًا قصيًّا مخفيًّا لتلد وترضع، صائمةً منفردة، ثم تكابد أشق العيش في كسب قوتها حتى يظل ضرعها يسخو بما تغذي به صغارها، حتى يشتد عودهم ويتمكنوا من الجري، فتعود بهم إلى عرين الأسرة، وكنف الأب والخالات.

مَن يُخسِر الميزان

     ثم، تتبقى لمحة مما يثير الدهشة فيما سطَّره القزويني منذ سبعمئة عام عن الأسود، إذ قال: "ولما كانت كثيرة الفساد رفع الله البركة عنها، فتراها تلد في كل سنة مرة واحدة أو مرتين، وفي كل بطن ستًّا أو سبعًا، ولا يبقى منها إلا القليل في أطراف الأرض"، فملحوظة قلة عدد الأسود الذكور نتيجة كثرة هلاكها هي ملحوظة سديدة تشهد بأن ملحوظات علماء ذلك الزمان كانت صافية ونبيهة، وإن جانَب التفسير منطق العلم في ظل محدودية أدوات البحث والتقصي حينها، أما الآن، فالعلم يخبرنا بصحة ما كتبه القزويني عن قلة عيش نسل الأسود الذكور، فمن كل ثمانية مواليد لا يكمل العيش واليفاع غير أسد واحد، وهي نسبة مؤلمة تفسرها صعوبة عيش الذكور الذين يُطردون من أسرهم فور وصولهم إلى سن البلوغ (بين الثانية والثالثة من العمر)، دون تمرُّس بمهارات العيش في البرية، وهي نسبة تكاد تصب في معنى ذكاء المنظومة البيئية الفطرية في تنظيم نفسها بنفسه، فكثرة الأسود الذكور تعني استهلاك الكثير من الفرائس، فالذكر الواحد يحتاج إلى ثمانية عشر رطلًا من اللحم -الذي لا يأكل سواه- يوميًّا، وغلبة أعدادهم تعني حرمان أنواع أخرى من مقومات العيش في إطار التنوع البيئي الذي يضمن استدامة المنظومة بما فيها من وحوش. لكن هذا التنظيم البيئي الذاتي الحكيم اخترقه وحش آخر ذكي العقل وغبي التبصر، فكان أن بدأت مملكة الأسود انهيارها منذ 12 ألف سنة مع تطوير البشر لأدواتهم في الصيد، فاستولوا على الكثير من حصة الأسود وغير الأسود. وكان أن حدث تنافسٌ دامٍ وغير متكافئ بين الوحش الحيواني والوحش البشري الذي يفتك من بعد، بالحراب، ثم النبال، ثم الرصاص. فمنذ ألفي سنة، كان هناك أكثر من مليون أسد من سلالات مختلفة يجوبون بقاع أوروبا والشرق الأوسط والأدنى وشبه القارة الهندية، وإفريقيا بطبيعة الحال، لكن في أربعينيات القرن العشرين لم يتبق منهم غير 450 ألفًا، واليوم لم يعد هناك إلا أقل من 32 ألف أسد في إفريقيا جنوب الصحراء، بل هناك مَن يهبط بهذا العدد إلى 15 ألفًا. ويُذكَر أن آخر أسد من سلالة الأسود في شمال إفريقيا أطلق عليه الرصاص صياد أوروبي عام 1920. أما سلالة الأسود الآسيوية فلم يعد متبقيًا منها غير 400 أسد فقط يعيشون آخر أيامهم في غابة "جير" الهندية. أرقام تصرخ بنُذر انقراض الأسود، فالتراجع العددي فادح وصارخ، وهو خطر على التوازن البيئي، فغياب مكوِّن من مكونات الحياة الفطرية بحجم الأسود يهدد باضطراب كبير، سيرتد أول ما يرتد على مَن أخل بميزان الطبيعة، بذكائه الغبي وبصيرته العمياء، وتباهيه بقوة وغلبة الأسود التي لا يعرف حقائقها، ولا كوابحها!

وصية الإيثولوجيا الأخيرة

      بإيجاز، هناك ما يصح تسميته "حتمية بيولوجية"، تفسر الكثير من غرائب سلوك الكائنات الفطرية المحكومة بتكوينها العضوي وشروط بيئاتها الطبيعية وتسوِّغ هذا السلوك، ومنه سلوك ملوك السافانا الذين ليسوا ملوكًا للبشر، ولا مجازًا يصلح للاستعارة في عالم البشر، بل كائنات ضمن منظومة حية متكاملة لكل فرد فيها دور ومكان، وحدود دنيا وقصوى تضمن الاستدامة للجميع، وهي تتوازن بتبادل هذه الأدوار مهما بدت لنا قاسية أو حانية، فهي بالنسبة لهم طبيعية وضرورية. لكن أي حتمية يمكن أن تسوِّغ للبشر أن يسلكوا ما يناظر ما نحسبه وحشية الأسود وأنانيتها واستغلالها للغير بالقوة والقهر، أما البشر فيفكرون ويختارون، يتعرقون ويبتردون، وتحملهم طائرات وسفن وسيارات ودراجات، وخيول وحمير. أي تسويغ؟ لقد انهمرت عبر العقود الأخيرة من القرن العشرين دراسات سلوك الحيوانات البرية على قواعد علمية، بعد فتوحات "كونراد لورنتس" و"كارل فون فريش" الحائزين جائزة نوبل 1973 في هذا الشأن، إذ صُك مصطلح الإيثولوجيا Ethology الذي يعني دراسة سلوك الكائنات الحية في بيئاتها الطبيعية، وعلى أسس بيولوجية مُتعددة. وقد نقلتنا الإيثولوجيا من الأحكام الحدية على هؤلاء الملوك، والمتأرجحة بين الانبهار والاحتقار، إلى التعاطفSympathy  ، ثم إلى التفهم Empathy، وأعتقد أن هذه النقلة بالغة الأهمية في جعل أحكامنا "موضوعية"، ليس فقط عند تأملنا لعجائب وغرائب عالم الحيوان، كالأسود -ملوك الحُمَّى، بل هي بالغة الأهمية أيضًا عند تأملنا لغرائب وعجائب عالم الإنسان- المحموم.. بشهوة التملك والملك.

مصادر:

*92 Roaring Lion Fact, By Karin Lehnardt, December 28, 2016

*Sexual selection, temperature, and the lion's mane. Science. 2002 Aug

*Evolutionary biology. Cool cats lose out in the mane event. [Science. 2002]

*Lion ALERT 2019. Site info.

*عجاب المخلوقات وغرائب الموجودات. للإمام العالم زكريا بن محمد القزويني. شركة ومطبعة الحلبي . الطبعة الخامسة 1980

* جولة للكاتب في محمية إيتوشا . ناميبيا .1994