يا لها من مياه كثيرة، إنه يبدو ككرة زرقاء«. كانت تلك كلمات رواد الفضاء الأوائل الذين وصلوا إلى الفضاء عندما نظروا من هناك إلى كوكبنا الأرضي. ليس ثمة نقاش في كون الأرض أكثر كواكب مجموعتنا الشمسية تميزًا؛ فهي الكوكب الوحيد الذي يحوي كميةً كبيرةً من المياه. وإن كانت المياه عاملًا ضروريًّا لنشأة الحياة وتطورها على كوكب الأرض فإن القمر كذلك يؤدي دورًا لا يقل أهميةً في هذا السياق، إذ يمثل السبب الرئيسي في استقرار محور هذا الكوكب، وكل ما يرتبط به من مظاهر الجغرافيا والحياة.

ورغم معرفتنا الكبيرة بكوكبنا، ثمة تساؤل لا يزال يطرح نفسه بقوة على الساحة العلمية دونما جوابٍ كافٍ: ما أصل الماء على الأرض؟ وكيف وصلت هذه الكميات المهولة من الماء إلى هذا الكوكب؟

مؤخرًا أمكن علماء الكواكب بجامعة "مونستر" الألمانية أن يثبتوا للمرة الأولى في دراسة نُشرت حديثًا في مجلة "نيتشر أسترونومي" أن الماء جاء إلى الكوكب الأرضي بالتوازي مع تكوُّن القمر، في حادثة اصطدام الأرض بجسم من النظام الشمسي الخارجي، حدثت قبل ما يقارب 4.4 مليارات سنة.

وحتى وقت قريب، وقبل نشر هذه الدراسة الجديدة، كان العلماء يعتقدون أن القمر كان قد تكوَّن عندما اصطدمت الأرض بجسم بحجم المريخ، أطلقوا عليه اسم "ثيا"، إلا أنهم كانوا يعتقدون أن "ثيا" نشأ في النظام الشمسي الداخلي، أي قرب كوكب الأرض. لكن الدراسة الأخيرة تقدم دلائل وفرضيات جديدة عن حقيقة أن "ثيا" أتى من النظام الشمسي الخارجي، وأن هذا الجسم الكوكبي القديم تسبب في وفرة المياه على كوكبنا.

وفي تصريح خاص لــ"للعلم"، يوضح جيريت بودي، الباحث في معهد الكواكب بجامعة مونستر، والمؤلف الرئيسي للدراسة: نعلم أن الأرض تشكلت في الجزء الداخلي من النظام الشمسي، ونعلم أيضًا أنه جزء جاف جدًّا، لذلك فإن وجود المياه على كوكبنا "كان لغزًا محيرًا"، ولكننا تمكنَّا أخيرًا من حله عبر فهم أكبر للنظام الشمسي.

النظام الشمسي

من أجل فهم أكبر لنتائج هذه الدراسة ينبغي أن نبحر في ثنايا مجرتنا الكبيرة، وتحديدًا داخل مجموعتنا الشمسية؛ لنعرف طبيعة هذا الفضاء المبهم. النظام الشمسي أو مجموعتنا الشمسية هو ذلك النظام الكوكبي الذي يتكون من الشمس وتلك الأجرام السماوية التي تطوف حولها من كواكب ومذنبات ونيازك وغيرها، كما يشمل أيضًا جيران الكواكب أو ما نسميه بالأقمار. على مستوى الكواكب، يضم النظام الشمسي ثمانية كواكب، هي بالترتيب وفق البُعد عن الشمس: عطارد والزهرة والأرض والمريخ (الكواكب الصخرية)، والمشتري وزحل وأورانوس ونبتون (العمالقة الغازية).

ينقسم ذلك النظام الشمسي إلى شقين رئيسيين هما:

  1. النظام الشمسي الداخلي:

ويشمل مجموعة الكواكب التي تقع بين الشمس وحزام الكويكبات، وهي بترتيب قربها من الشمس: عطارد، الزهرة، الأرض، المريخ. وتتميز الكواكب الداخلية بكونها كواكب صخرية، ما يعني أنها تتكون بصورة أساسية من السيليكا والمعادن، كما تتميز أيضًا بقربها من الشمس ومن بعضها البعض. لك أن تتخيل أن نصف قطر النظام الشمسي الداخلي بأكمله هو أقل من المسافة بين كوكبي المشتري وزحل . كما يُعرف عن الكواكب الداخلية أنها قليلة الأقمار، (فلا يوجد في النظام الشمسي الداخلي سوى ثلاثة أقمار: واحد للأرض واثنان للمريخ).

أبرز الكواكب الداخلية هو كوكبنا، الأرض، ثالث الكواكب بُعدًا عن الشمس، وأكبر الكواكب الداخلية حجمًا. تملك الأرض قمرًا واحدًا فقط، ويَبلغ قطره ربع قطر الأرض. تملك الأرض غلافًا جويًّا، توجد فيه سحب ورياح وبرق، إضافة إلى غيرها من الظواهر الجوية الأخرى. كما أن الأرض تتميز بين الكواكب الصخرية بامتلاكها لغلاف مغناطيسي يَحمي غلافها الجوي من جسيمات الرياح الشمسية.

تنتهي الكواكب الداخلية التي تضم الأرض بحدود حزام الكويكبات. الذي يمثل المنطقة التي تقع بين كوكبي المريخ والمشتري، ويتكون من آلاف الكويكبات مختلفة الأحجام، إذ يصل قطر بعضها إلى قرابة الألف كيلومتر، في حين أن البعض الآخر لا يتعدى قُطره قُطر حبة الرمل. ويُعتبر هذا الحزام هو الفاصل بين القسمين الداخلي والخارجي من النظام الشمسي.

  1. النظام الشمسي الخارجي

النظام الشمسي الخارجي هو الجزء الذي يَقع خارج حزام الكويكبات من النظام الشمسي. ويسمى جميع كواكب هذه المنطقة من النظام الشمسي بالعمالقة الغازية، وهي (المشتري- زحل- أورانوس- نبتون)، وتتميز بأنها تتألف أساسًا من الغاز ولديها نوى صخرية تتكون من معادن ثقيلة سائلة، كما أن حولها حلقات كبيرة جدًّا. بالإضافة إلى أن الكواكب الخارجية أكبر بكثير من قرينتها الداخلية، وتشكل كتلتها 99% من الأجرام التي تدور حول الشمس. وبالنسبة للأقمار فإن الكواكب الخارجية تتميز بكثرة أقمارها، فعلى سبيل المثال يمتلك المشتري وحده أكثر من 60 قمرًا.

ويوضح "بودي": النظام الشمسي الداخلي والخارجي تم فصلهما بشكل صارم خلال ملايين السنين الأولى من تكوُّن المجموعة الشمسية، من خلال تشكيل كوكب المشتري الذي كان بمنزلة حاجز صد ضد تبادل المواد بين النظامين الشمسيين الداخلي والخارجي.

ويُعَد المشتري أبرز الكواكب في النظام الشمسي الخارجي؛ لأنه أكبرها حجمًا، إذ يبلغ قطره أكثر من عشرة أضعاف قطر كوكبنا، كما أنه يُعد ثاني أكثر الكواكب لمعانًا بعد الزهرة وأسرعها بالدوران حول نفسه.

كيف تكوَّن القمر

هناك العديد من التفاصيل المتنازع عليها بين العلماء حول كيفية تشكّل القمر، لكن أقوى الافتراضات، ويُعرف بـ"نظرية الاصطدام العملاق"، هو أن جسمًا بحجم المريخ اصطدم بالأرض منذ نحو 4.5 مليارات سنة، يُدعى هذا الجسم بـ"ثيا" (Theia) تيمُّنًا بالعملاقة "ثيا" في الميثولوجيا الإغريقية، التي أنجبت إلهة القمر "سيلين". كان ذلك الاصطدام العملاق سبب تكوُّن القمر ووفرة المياه على كوكبنا.

كان "ثيا" في حجم كوكب المريخ، اصطدم بالأرض قاذفًا أجزاءً مُبخَّرة من الكوكب في الفضاء، قامت الجاذبية بطي الأجزاء المبعثرة معًا، مكونةً أكبر قمر في المجموعة الشمسية (مقارنةً بحجم كوكبه)، قمر كوكب الأرض.

ولفهم حقيقة ما حدث، كان على علماء هذه الدراسة العودة بالزمن إلى الوقت الذي تكوَّن فيه النظام الشمسي، أي قبل حوالي 4.6 مليارات سنة. يتفق العلماء على أن تأثير ذلك الاصطدام كان ملحميًّا بصورة لا تُعقل، لدرجة أنه سبَّب تبخُّر كوكب الأرض. وقد انحصر بعض من سحاب هذا الغاز في القمر بينما انهار بعضها الآخر بفعل قوة جاذبيتها لإعادة تشكيل كوكب الأرض. ويُقال إن ذلك التصادم أدى أيضًا إلى نقل كميات كبيرة من الماء بين "ثيا" والأرض"، لتتشكل المحيطات التي نعرفها اليوم. يعلق عالِم الكواكب الشهير "فرانشيس نيمو" -الباحث غير المشارك في الدراسة- على هذه النتائج متحدثًا لـ"للعلم": هذه الدراسة فريدة من نوعها؛ فهي تنهي نزاعًا طويلًا حول أصل المياه على كوكبنا".

ويضيف "نيمو" في شرحه لنظرية الاصطدام العملاق: نعلم أن النظام الشمسي تمايز قبل مليارات السنين، إذ تم فصل المواد الجافة -ومصدرها النظام الشمسي الداخلي، وتُعرف باسم "النيازك غير الكربونية"- عن المواد الرطبة أو ما نعرفه باسم "النيازك الكربونية"، التي تتميز بأنها غنية بنسبة كبيرة من الماء، ومصدرها النظام الشمسي الخارجي.

بصمة الموليبدنوم

استخدم الباحثون قياسات جديدة جرى تطويرها للوقوف على السيناريو الأكثر احتمالًا لتاريخ الماء في الأرض، ومن ثَم تمكن هؤلاء من الوصول إلى هذه النتائج من خلال دراستهم لنظائر عنصر الموليبدنوم. عن تلك الطريقة التي قادت الباحثين إلى نتائجهم، تحدث لـ"للعلم" "ثورستين كلاين" -الباحث في معهد الكواكب في جامعة مونستر، والمشارك في الدراسة- قائلًا: نظائر الموليبدنوم أتاحت لنا أن نميز بوضوح بين المواد الكربونية وغير الكربونية، والتي تمثل بصمة وراثية ثابتة لمواد النظام الشمسي الداخلي والخارجي.

وتمكَّن الباحثون في الدراسة من إجراء بعض القياسات على التركيب النظائري للموليبدنوم في الأرض، التي أوضحت أنه يجمع بين خصائص النيازك الكربونية وغير الكربونية، مما يدل على أن بعض كمية الموليبدنوم الموجودة في كوكب الأرض نشأت في النظام الشمسي الخارجي، وبعضها الآخر نشأ في النظام الشمسي الداخلي. كما تبيِّن الدراسة من هذه القياسات أن الموليبدنوم الموجود اليوم في طبقة الوشاح الأرضية كان قد نشأ في مراحل متأخرة من تكوين الأرض، في حين أن الموليبدنوم الذي تكوَّن في المراحل الأولى من تكوين الأرض يقع في طبقة اللب الأرضية. ويجادل الباحثون بأن التصادم الوحيد الذي يمكن أن يفسر كمية المواد الكربونية على الكوكب، هو تأثير "ثيا" الذي يُعتقد أنه أسهم في تشكّل القمر أيضًا.