في عام 2012، اجتمع عدد من الباحثين من المراكز البحثية المختصة بمشروعات بيانات تسلسل الجينوم وبيانات تسلسل الإكسوم –وهو جزء من الشريط الوراثي المتعلق بتشفير البروتينات- حول العالم. الهدف: تجميع البيانات وترتيبها، وإتاحتها للمجتمع العلمي من أجل الاستفادة منها. ومن هنا، انطلق الاتحاد الدولي لـ«قاعدة بيانات تجميعات الجينوم» genome aggregation database، المعروف اختصارًا بـ«نوماد» gnomAD، والذي يُعد أكبر قاعدة لبيانات الجينوم البشري متاحة للباحثين.

وقد شهد شهر مايو الماضي نشر مجموعة تضم سبع أوراق بحثية نُشرت في دوريات Nature، و«نيتشر كوميونيكيشنز» Nature Communications، و«نيتشر ميديسين» Nature Medicine، واعتمدت تلك الأوراق على البيانات المتوافرة على اتحاد «نوماد» الدولي.

وتشرح تلك الدراسات العديد من الاكتشافات الجديدة التي ستساعد علماء الوراثة في أبحاثهم الخاصة بتطوير طرق جديدة لتشخيص الأمراض الوراثية بسهولة ودقة أكبر، ومن ثَمَّ اختيار العلاج الأكثر مناسَبةً والأفضل لكل مريض.

بيانات مهمة لعلماء الوراثة

ترى منة الله الصيرفي، أستاذ مساعد بمركز علوم الجينوم في مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، أن "التحسين المستمر لمعرفتنا بالجينوم البشري وتنوعاته من خلال سهولة الوصول إلى المعلومات واستخدامها بشكل أفضل، هو أساس تحسين الطب الوراثي في ​​علاج الأمراض، الذي كان يعتمد قديمًا على إسكات الأعراض دون التعامل مع أسبابها".

قدم كونراد كارشيفسكي، عالِم الأحياء الحوسبية في معهد برود التابع لمعهد ماستشوستس وجامعة هارفارد، ودانيال ماك آرثر، القيادي العلمي لمشروع «نوماد»، وهو مؤلف كبير في ست من الدراسات المنشورة، وهو الآن مدير مركز الجينوم السكاني في معهد جارفان للبحوث الطبية ومعهد مردوخ لأبحاث الأطفال في أستراليا، وزملاؤهما في الدراسة الرئيسية لهذه المجموعة والتي نُشرت في دورية Nature، قائمةً مكونة من 443,769 متغيرًا جينيًّا معروفًا باسم متغيرات "فقدان الوظيفة المتوقع" أو متغيرات pLoF)) -وهي عبارة عن تغيرات تحدث في الجين قد تتسبب في الحد من وظيفة بروتين معين أو إلغائها، مما يؤدي إلى حدوث أمراض معينة.

ويقول ماك آرثر إن الباحثين يعتمدون على تلك القائمة في البحث عن هذه المتغيرات الموجودة بشكل طبيعي لدراستها والكشف عن آثار تعطيل جين معين. ويضيف آرثر: "يمنحنا ذلك بعض الفهم لما قد يحدث إذا قمنا بتصميم دواء لتعطيل الجين نفسه. قد تساعد هذه المعرفة على تقليل احتمالية فشل الأدوية الجديدة في التجارب الإكلينيكية، وهو للأسف المصير الأكثر شيوعًا لمعظم العلاجات المطورة حديثًا".

وهو ما طبقته نيكولا وايفين، من جامعة إمبريال كوليدج لندن، وزملاؤها، في دراستهم المنشورة في «نيتشر ميديسين»، إذ عملوا على تحليل المتغيرات في جين يدعى LRRK2، مسؤول عن إنتاج بروتين الدردارين. ويشرح ماك آرثر قائلًا: "نعلم أن التغيُّرات الجينية التي تزيد من وظيفة الجين LRRK2، تزيد من خطر الإصابة بمرض «باركنسون»، مما يدفع عددًا من الشركات إلى تطوير عقاقير جديدة تثبط وظيفة ذلك البروتين".

إلا أن الباحثين لا يعرفون إلى الآن، الآثار الجانبية لهذه المثبطات على البشر. ويوضح ماك آرثر: "إن نتائج دراسات سابقة على الفئران كانت مقلقة. فخفض مستويات بروتين الدردارين بدا ضارًّا لوظائف الرئة والكلى". نُشرت إحدى تلك الدراسات عام 2013 في دورية «بلوس وان» PLOS ONE، واستعرضت عددًا من مضاعفات استخدام تلك المثبطات من خلل في وظائف الكلى والأيض وكذلك المناعة.

وحين بدأ الباحثون العمل بالاعتماد على بيانات مشروع «نوماد»» وشركة «23 أند مي» 23 and Me، و«بيو بانك» BioBank في المملكة المتحدة، تمكنوا من العثور على أكثر من 1000 شخص لديهم نسخة واحدة من جين LRRK2، ولاحظوا انخفاض مستويات بروتين الدردارين لديهم بنسبة 50٪، ولم يؤدِّ إلى أي مرض من المُبلغ عنها في الدراسات على الفئران. مما يشير إلى أن مثبطات LRRK2 قد تكون أكثر أمانًا، حتى عندما توصف على مدى فترات طويلة للأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بمرض باركنسون، على حد قول ماك آرثر.

ويوضح البحث الأخير إمكانية استخدام قواعد البيانات الوراثية المتنوعة على نطاق السكان مثل «نوماد»، في مساعدة الباحثين على تقييم واختيار أفضل الطرق لاستهداف مرضٍ ما، وتطوير علاج خاص به.

ويعتقد ماك آرثر أنه يمكن تطبيق النهج العلمي المتبع في البحث الأخير -من تحليل لقائمة المتغيرات- على العديد من الجينات الأخرى. ويرى أن هذا المشروع يمثل خطوة مهمة نحو بناء قاموس وصفي شامل لمتغيرات pLoF في العديد من المجتمعات، ومن ثَمَّ فهم تأثيرها على الجينات البشرية.

بيانات جديدة في دائرة الضوء

وفي دراسة أخرى من المجموعة نشرتها دورية Nature، رسم الباحثون خريطةً لمجموعة من المتغيرات الجينية المهمة التي لم تتم دراستها جيدًا في السابق، وتسمى بالمتغيرات البنيوية، وهي عبارة عن تغير في شكل الجينوم، يغير بدوره التعبير الجيني فتحدث الأمراض.

ووجد الباحثون أن 25% من جميع متغيرات فقدان الوظيفة النادرة في متوسط الجينوم الفردي ​​هي في الواقع متغيرات بنيوية، وأن العديد من الناس يحملون متغيرات بنيوية ضارة تؤدي إلى حدوث مرضٍ ما، ولكن من دون ظهور الأعراض.

وتوضح "الصيرفي" أن رسم خريطة للمتغيرات البنيوية سيوفر البيانات للباحثين، ويساعدهم على تشخيص الأمراض بصورة دقيقة وتحديد العلاج الأكثر مناسَبةً للمرضى.

فمرض السرطان مثلًا من الأمراض التي قد تتسبب فيها المتغيرات البنيوية الموجودة في جينوم المريض. وتشرح الصيرفي: "إن وجود ذلك التغير البنيوي يُفقد بعض الجينات وظيفتها، ما قد يؤثر على استجابة المريض لعلاج معين بالسلب أو الإيجاب". وتضيف: "إن تحديد تلك المتغيرات لدى مريض السرطان وأخذها في الاعتبار، سيمكِّن الأطباء من التشخيص الدقيق والعلاج بشكل أفضل".

مصدر بيانات مفتوح للباحثين

ويوضح ماك آرثر أن البيانات الأساسية التي ناقشتها الدراسات البحثية المنشورة متوافرة للجمهور منذ أواخر عام 2016 على موقع المشروع، وتخص أكثر من 140,000 فرد إجمالًا. وتشير "الصيرفي" إلى أن البيانات المستخدمة في نشر الدراسات الموضحة تتبع الإصدار الثاني من مشروع «نوماد»، وتضيف: "قدمت تلك النسخة فهمًا عميقًا للاختلافات الفردية؛ إذ تم جمع البيانات من سبع مجموعات سكانية بالإضافة إلى أفراد آخرين دون تحديد المجموعة السكانية". وتضم بيانات الجينوم والإكسوم للسكان الأوروبيين، وسكان جنوب آسيا، وسكان شرق آسيا، واللاتينيين، والأفارقة الأمريكيين، واليهود الأشكيناز، والفنلنديين.

وترى الصيرفي أن إتاحة الوصول إلى بيانات «نوماد» تجعل المشروع داعمًا للثقافة المفتوحة للعلماء الذين يناضلون من أجل العالم، وتقول: "إذا ألقينا نظرة على أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، فسوف نجد أن الصحة الجيدة والرفاهية على رأس القائمة. ومن أجل تحقيق هذا الهدف العالمي، يجب أن يتمكن الباحثون في كل الدول -متقدمةً كانت أو نامية- من الوصول إلى البيانات التي تساعدهم على فهم الطفرات المسببة للأمراض؛ لأن هذا سينعكس على التشخيص والعلاج".

ويساعد «نوماد» الباحثين في جميع المجالات على إيجاد حل لجائحة فيروس كورونا المستجد، التي اجتاحت العالم منذ ديسمبر 2019. وتوضح الصيرفي: "تتضمن دراسة حديثة كنت أعمل عليها تحليل تأثير الاختلافات في جين ACE2، الذي يرمز إلى البروتين المطلوب للدخول الخلوي لفيروس «سارس- كوف-2 » SARS-CoV-2، وقابلية الأفراد من مجموعات سكانية مختلفة للإصابة بالفيروس"، وتضيف: "منذ البداية، كان مرجعي الرئيسي للتحقق من الاختلافات في ACE2 في مجموعات سكانية مختلفة هو قاعدة بيانات «نوماد». إن التركيز على جين واحد فقط، جعل استخدام متصفح «نوماد» سهلًا للغاية. واستطعت الحصول بكل سهولة على معلومات حول جميع الاختلافات التي اكتُشفت في هذا الجين لدى مجموعات سكانية مختلفة".