عثر باحثون على أول دليل على السلوك الجنائزي في إفريقيا، الذي يؤرخ لأقدم عملية دفن بشري في القارة داخل كهف في كينيا، يعود تاريخها إلى حوالي 78000 عام.

كانت تلك هي نتائج دراسة جديدة نُشرت في دورية "نيتشر" في الخامس من مايو، وكشفت عن إحدى الحلقات المجهولة في تاريخ تطور سلوك الإنسان في موطنه الأول.

تشير الدراسة التي أعدها فريق بحثي متعدد التخصصات، إلى أن إفريقيا رغم كونها موطنًا لأقدم علامات السلوك البشري الحديث، إلا أن غموضًا كبيرًا شابَ تفسير أصل الممارسات الجنائزية في القارة وتطورها، خاصةً مع ندرة الأدلة المبكرة على هذا السلوك. 

يوشك هذا الغموض أن ينتهي، بعد أن عثر الفريق على عظام متحجرة لطفل مدفون عند سفح كهف "بانجا يا سايدي" الجيري، الذي يبعد حوالي 15 كيلومترًا عن المحيط الهندي، على الساحل الجنوبي الشرقي لكينيا، يعود تاريخ الكهف إلى العصر الحجري الأوسط، الذي امتد في الفترة بين 280٫000 إلى 25٫000 سنة مضت.

يتضمن الكشف الأثري هيكلًا عظميًّا لطفل يُعتقد أن عمره كان 2.5 إلى 3 سنوات عند الدفن الذي حدث قبل 78300 عام، تم وضعه بدقة في وضع مرن، مستلقيًا على جانبه الأيمن، مع ثني ركبتيه باتجاه صدره، ورأسه مستريح على وسادة، والجزء العلوي من جسده ملفوف بعناية في كفن، ومن ثم أُهيلت على الجثة رواسب أُخذت من الكهف. 

أطلق الباحثون على الطفل اسم "متوتو"، وتعني "الطفل" باللغة السواحيلية.  

تقول المؤلفة المشاركة في الدراسة "ماريا مارتينون توريس"، أستاذة الأنثروبولوجي ومديرة مركز بحوث التطور البشري في إسبانيا: إن "متوتو" يُعد أقرب دليل لدينا على إحدى السمات التي تميز المجتمعات البشرية، معاملة الموتى، لذلك أخيرًا يمكننا تقديم بيانات موثوقة في إفريقيا باستخدام مجموعة من التقنيات الحديثة المستخدمة عادةً في علم الحفريات بالاستعانة بالطب الشرعي.

وتوضح الباحثة في تصريح لـ"للعلم" أن نتائج الدراسة "تخبرنا أنه قبل 78.000 سنة على الأقل كان هناك سكان طوروا صلوات وطقوسًا جنائزية تسمح لهم بالحفاظ على الروابط مع أولئك الذين ماتوا وتقديم الوداع اللائق لهم، هذا هو أصل العقل الرمزي الذي يميز الإنسان العاقل".

تم اكتشاف الحفرة التي وُضعت فيها الجثة لأول مرة في عام 2013، وتم الكشف عنها بالكامل في عام 2017، ثم تم نقل كتلة الرواسب إلى المتاحف الوطنية في كينيا، ثم إلى مركز بحوث التطور البشري في إسبانيا.

استخدم الباحثون الحفر اليدوي للرواسب التي تحتوي على العظام، وتم تحليلها في مختبر مركز بحوث التطور البشري في إسبانيا للحفظ والترميم، ثم تم دمجها مع تقنيات التصوير بالأشعة السينية التي تتيح تحديد محتويات كتلة الرواسب بطريقة غير مدمرة تقريبًا؛ حتى يتمكن الفريق من إعادة البناء ثلاثي الأبعاد لها، بعد ذلك أجرى الباحثون إعادة بناء ثلاثية الأبعاد للطفل وموقعه، وحللوا العظام والرواسب مجهريًّا. 

وتلفت "ماريا" إلى أنه من المهم أيضًا أن نتذكر أنه في ذلك الوقت، كان كلٌّ من إنسان نياندرتال والإنسان الحديث يدفن موتاه، لذلك فهو سلوك مشترك بين نوعين مرتبطَين ارتباطًا وثيقًا.

تشير هذه الأدلة -جنبًا إلى جنب مع التقارير السابقة عن المدافن في العصر الحجري الوسيط- إلى أن السلوك الجنائزي للإنسان الحديث في إفريقيا يختلف عن سلوكيات إنسان نياندرتال والإنسان الحديث الأول في أوراسيا، الذين دفنوا موتاهم عادةً في مواقع سكنية منذ حوالي 120 ألف عام. 

تشدد الباحثة على أن هذا هو أقدم دفن بشري في إفريقيا، ولكن خارج إفريقيا في الشرق الأدنى لدينا أدلة على أن الإنسان الحديث والنياندرتال قد دفنوا بالفعل موتاهم منذ حوالي 100٫000 عام. 

وتضيف: "لا نعرف سبب وجود هذه الفجوة التي تبلغ 40 ألف عام بين القارات، ربما نحتاج إلى التنقيب في مناطق أكبر في إفريقيا، ربما بدأ هذا النوع من السلوك الجنائزي خارج إفريقيا، أو ربما كانت الممارسات الجنائزية في إفريقيا مختلفةً عن تلك الموجودة في أوراسيا وتركت آثارًا مختلفة أو كانت أقل حفظًا".