إذا تأملت خلايا النحل وخطوط النمل وأسراب الطيور ومجموعات الأسماك والدلافين فستتيقن بما لا يدع مجالًا للشك أن عالم الحيوانات يمتاز بسلوك اجتماعي منظم وراقٍ. فعلى العكس من الصورة الذهنية السائدة عن عالم الحيوانات بأنّه عالم وحشي همجي، يأكل فيه الأقوى الضعيف، ويظل فيه البقاء للأقوى، تفاجئنا بعض أنواع الحيوانات، بسلوك اجتماعي تسود فيه قيم الحب والتعاون، بل وقيم المساواة والحفاظ على أفراد العائلة. بعض الأنواع من الحيوانات تعيش في مجموعات يسودها نظام اجتماعي تعاوني هائل لا مثيل له حتى بين البشر، فكل فرد في المجموعة يعرف ما له وما عليه، يعمل بإتقان وتفانٍ في سبيل الحفاظ على النوع. ولكن هل هذه الإستراتيجيات الجماعية عند الحيوانات حديثة النشأة؟ أم أنها فطرة وظاهرة وُجدت فى الحيوانات منذ القدم؟

تقدم لنا دراسة حديثة، نُشرت في دورية ساينتفك ريبورتس، وشارك فيها علماء مغاربة وآخرون من جنسيات مختلفة، ضمن فريق دولي متخصص من علماء الحفريات، بعضًا من إجابة عن هذه التساؤلات. عثر الفريق البحثي على دليلٍ يفيد بأن نوعًا من الحيوانات القديمة يُعرف باسم "ثلاثية الفصوص" سار عبر قاع المحيط في عصور ما قبل التاريخ، قبل نحو 480 مليون سنة، في صفوفٍ منتظمة خلّفت خطوطًا تبدو وكأنها تصوِّر حركات مَن يؤدون رقصةً كوبيةً معروفة باسم "الكونغا".

وتبدو الحفريات التي اكتشفها الفريق البحثي في منطقة فزواتة الواقعة في إقليم زاكورة بالمغرب، لافتةً للنظر؛ ليس فقط لوفرتها، ولكن كذلك للأشكال التي تُكوّنها، فهي تُظهر أحد أنواع "ثلاثيات الفصوص" وهي تنتظم في صفوفٍ، بحيث تشكِّل نقاط الاتصال رأس الأول بذيل التالي له في الصف، وهكذا، حتى يكتمل الصف من بدايته إلى نهايته دون انقطاع.

وعلى نحو يبدو خارقًا للطبيعة، تشبه هذه الخطوط التي تركت آثارها في الصخور تلك السلاسل المهاجرة التي تشكلها اليوم بعض أنواع سرطان البحر في هجراتها عبر قيعان البحار. وتشير تلك الحفريات إلى أن السلوك الجماعي وممارسة تكوين خطوط منتظمة، هو سلوك قديم في تاريخ الحيوانات ورافقها منذ نشأتها، كما يمكن أن يكون ذلك السلوك ذا مزايا تطورية للحيوانات أسهَمَ في بقائها. 

وفي حديثه لـ"للعلم" قال جون فانييه: "هذا الاكتشاف يميط اللثام عن أقدم تنظيم جماعي واجتماعي يعود تاريخه إلى 480 مليون سنة"، مضيفًا أن هذا الاكتشاف يؤكد أن هذه الحيوانات المنقرضة اكتسبت -خلال تطورها، ومنذ 480 مليون سنة- سلوكيات جماعية مذهلة، من بينها السلوك النظامي الذي يعتبر لا غنى عنه لاستمرار النوع.

صراصير البحر

يهوى العديد من صيادي الحفريات العثور على "ثلاثيات الفصوص"، وهي حيوانات تتبع مفصليات الأرجل عاشت في غابر الأزمان، وقد كانت من المخلوقات الشائعة في المحيطات، في الفترة ما بين 520 و250 مليون عام مضت. بعض أجناس "ثلاثيات الفصوص" كانت صغيرة الحجم للغاية؛ إذ يمكن أن يصل حجمها إلى ملليمتر واحد، ومنها ما كان كبير الحجم ويبلغ 70 سنتيمترًا. وكان البعض من هذه الأجناس يسبح في الماء، أما البعض الآخر فيعيش في الجحور. كما تفاوتت أجناس هذا النوع، فيما يتعلق بالقدرة على الإبصار؛ فبعضها كان مُبصرًا، في حين لم تتمتع أجناسٌ أخرى منها بذلك.

وفي حديثها لـ"للعلم" تقول خديجة الحريري، أستاذة الحفريات بجامعة القاضي عياض بالمغرب والباحثة المشاركة في الدراسة: إن هذه الحفريات تشكل أحد أكثر الأدلة الدامغة التي عُثر عليها حتى الآن، وتثبت أن الكائنات مفصليات الأرجل التي عاشت قديمًا، كانت تحتشد معًا بشكل متعمد، لتشكيل سلسلة طويلة تزحف في إطارها مُجتمعةً عبر قاع البحر. وتضيف "الحريري": نفترض أن هذه الحيوانات كانت ذاهبةً أو آيبةً من مكان تجتمع فيه للتكاثر أو للهجرة، فهذه الصفوف أو السلاسل ربما تشير إلى أن تلك المخلوقات كانت بصدد عملية هجرة جماعية.

أعمى يقود أعمى

وفي ظل افتقارها إلى القدرة على الإبصار، كان يتعيَّن أن يكون لدى "ثلاثية الفصوص" تلك القدرةُ على البقاء جنبًا إلى جنب خلال مسيرة هجرتها، وربما استخدمت -في هذا الصدد- إشارات كيمياوية للتواصل معًا، أو ربما كان كلٌّ منها يشعر بوجود نظيره الذي يسبقه في الصف عبر قرنَي الاستشعار الموجودَين لديه.

لكن ورغم هذا السلوك النظامي الرائع، يبدو بوضوح أن تلك المفصليات قابلت خلال هجراتها تلك كارثةً ما، إذ أظهر تحليل جيولوجيا التضاريس المجاورة لموقع الاكتشاف والرواسب التي تحتويها الحفريات أن هذه المفصليات ثلاثية الفصوص قد دُفنت في وضعية حياة بفعل رواسب العواصف، كما تشير الحفريات إلى أنها تجمعت وانتقلت جماعةً في قاع البحر.

ويوضح "فانييه": معظم ما له علاقة بالسلوك الجماعي لـ"ثلاثيات الفصوص" كانت تجري دراسته من خلال آثار كانت تُنسب إليها بالاعتقاد والظن، لكننا نسجل هنا بما لا يدع مجالًا للشك حفريات هذه الحيوانات ذاتها وهي تصطف في طابور منتظم، وهي المرة الأولى التي يتسنى لنا فيها ذلك.

الاجتماعية سر البقاء

اللافت أن أجناسًا تنتمي إلى نوع "سرطان البحر" تشكل في الوقت الراهن سلاسل ذات خصائص مماثلة في قيعان البحار، وتهاجر هذه السرطانات في كثيرٍ من الأحيان بعيدًا عن الشواطئ، باتجاه المياه الأكثر عمقًا في الفترة السابقة لحلول الشتاء. وربما يعود ذلك إلى رغبتها في تجنُّب العواصف الشتوية العاتية التي قد تجتاح المواد المترسبة، في المناطق الأقل عمقًا من المسطحات المائية. ولكن لا يزال الغموض يكتنف السبب المحدد الذي يحدو بسرطانات البحر هذه إلى الهجرة في سلاسل جماعية، بدلًا من أن يهاجر كلٌّ منها على حدة.

وهنا يجيب عبد الرزاق الألباني، أستاذ الحفريات بجامعة بواتيي الفرنسية والباحث المشارك في الدراسة: إن الاصطفاف في سلاسل ربما يقلص إمكانية أن يسير الكائن الواحد من تلك الكائنات على غير هدى، بدلًا من أن يتقدم إلى الأمام. ويضيف أن سير تلك المخلوقات بهذه الطريقة قد يساعد على أن يحمي كلٌّ منها الآخر من أي كائناتٍ مفترسة.

من جانبها، تقول خولة قريص، من جامعة القاضي عياض بالمغرب والباحثة المشاركة في الدراسة: إن من النادر نسبيًّا العثور في السجلات الخاصة بالأحافير على "أمثلة لوجود ضربٍ من السلوك التكاملي"، أو للدقة السلوك الاجتماعي بين المخلوقات التي عاشت قديمًا.

وتضيف "قريص": إن هذا النموذج الخاص بالكائنات "ثلاثية الفصوص" يزيد من معارفنا بمثل هذه الوقائع على نحوٍ مفيدٍ للغاية، ويكشف أن السلوك الجماعي له أصل قديم جدًّا، وربما تطور في الفترة ما بين العصر الكامبيري إلى العصر الأوردوفيشي، استجابةً للزيادة في الضغط الانتقائي المرتبط بتعقيد النظم الإيكولوجية، وقد يمثل هذا السلوك لدى الحيوانات الأولية ميزةً تطوريةً للهرب من الإجهاد البيئي وزيادة فرصها في التكاثر.

وتقدم بعض الحيوانات الموجودة حاليًّا أجوبةً عن هذا السلوك، فعلى سبيل المثال يتحرك الكركند الموجود في أمريكا الشمالية في شكل طابور وخط واحد؛ هربًا من الاضطرابات البيئية للعواصف الموسمية، ويتفاعل مع الإشارات الهيدروديناميكية ويحافظ على تماسُك المجموعة من خلال الاتصال باللمس، كما أن هناك لافقاريات ذات مظهر غريب يُطلق عليها اسم "الغلاليات" أو "بَخّاخ البَحْر"، تشكل سلاسل مشابهة من حيث الشكل. رغم ذلك، لا تبدو فرضية الهجرة الجماعية لـ"ثلاثيات الفصوص" مُقنعةً للباحثين كافة.

وممَّن يتبنون رؤى متحفظة بخصوص سبب انتظام هذه الحيوانات، لوسي ماكوب، عالِمة الحفريات في المتحف الوطني بويلز، والتي لم تشارك في الدراسة، تقول "ماكوب": "بكل بساطة فإنه بمقدور أي تيار بحري ضعيف القوة من التيارات الموجودة في المحيطات تشتيت جيف هذه الكائنات وجرف بعضها بعيدًا، ولكن لحسن الحظ أن شيئًا ما ساعد على عدم حدوث ذلك، وبقيت تلك الحيوانات محفوظةً بصورة مذهلة عبر نحو نصف مليار سنة حتى يومنا هذا". وتضيف: إنه من الممكن بالفعل أن تكون حفريات "ثلاثيات الفصوص" التي عُثر عليها في المغرب تمثل هجرات جماعية شهدتها قيعان البحار قديمًا، ولكنها تحرص على الإشارة إلى أن إثبات هذا الأمر غير محسومٍ حتى الآن.