في منتصف القرن التاسع عشر، كانت العاصمة البريطانية لندن تبدو تمامًا كما يصف أزقَّتها الروائي الإنجليزي الشهير "تشارلز ديكنز"، غارقةً في القذارة، تنقصها الخدمات الصحية المناسبة، وتصطف في جوانب أحيائها الفقيرة حظائر الأبقار والماشية.

في ضاحية "سوهو"، كان الوضع مأسويًّا أكثر، برك من فضلات الحيوانات تتوسطها سوائل متعفنة، وسيلة لإمداد المياه متمثلة في مضخة وهبتها أبرشية "سانت جيمس" للفقراء، "من تلك الظلمات خرج الكابوس.. وباء الكوليرا".

كانت المملكة المتحدة تعاني من سلسلة من حالات تفشِّي الكوليرا، إلا أن الوباء الذي اندلع في شارع "برود" بضاحية "سوهو" كان الأكثر بشاعة، ففي عام 1854 انتشرت الكوليرا التى مات بسببها 616 شخصًا في عشرة أيام. وقتها، كان جون سنو يعمل في مستشفى قريب يستقبل الحالات المُصابة من تلك المنطقة الفقيرة. كان ذلك العالِم ذكيًّا بما يكفي ليبدأ في تتبُّع المرض عبر روايات المُصابين. ليحدد أن السبب وراء التفشِّي هو "يد المضخة" المخصصة للفقراء.. المضخة التي تُعرف الآن بـ"مضخة الكوليرا".

أقنع "سنو" أبرشية "سانت جيمس" بتعطيل المضخة عبر إزالة مقبضها. وبالفعل، أسهم ذلك الإجراء في خفض أعداد الإصابات الناجمة عن الكوليرا.

والآن، يحاول باحثون إقناع حكومة الولايات المتحدة الأمريكية بالحد من عمليات إعادة الفتح، خاصةً في الأحياء والمناطق الفقيرة التي تشهد عددًا أكبر من الإصابات بفيروس كورونا المستجد، بعد أن نشروا نتائج دراستهم التى تتبَّعت حركة نحو 100 مليون شخص في 10 مناطق حضرية كبرى هناك.

يقول أستاذ علوم الكمبيوتر المساعد بجامعة ستانفورد، "جور ليسكوفيتش" -وهو المؤلف المشارك في تلك الدراسة- في تصريحات خاصة لـ"للعلم": إن الورقة المنشورة في دورية "نيتشر" تُقدم "أساسًا تجريبيًّا قويًّا لاختبار خطط إعادة الفتح المختلفة وتأثيرها على انتشار عدوى كورونا المستجد".

غيرت جائحة "كوفيد-19" من أنماط تنقُّل الإنسان بشكل كبير، مما استلزم وضع نماذج وبائية تلتقط آثار التغييرات في التنقُّل على انتشار الفيروس. قدم الباحثون في تلك الدراسة نموذجًا لتنقُّل السكان مستمَدًّا من بيانات الهاتف الخلوي لنحو 98 مليون شخص في 10 من كُبرَيات المناطق الحضرية في الولايات المتحدة الأمريكية.

شملت تلك البيانات تتبُّعًا لهواتف الأشخاص في كل ساعة عبر جميع أحياء تلك المناطق.

المناطق أكثر فاعلية

يتنبأ ذلك النموذج بأن أماكن محددة تحظى باهتمام أقل تُسبِّب نقل العدوى بمستويات قياسية؛ إذ إنها مسؤولة عن الغالبية العظمى من الإصابات. ويقول النموذج أيضًا إن تقييد الحد الأقصى للإشغال في كل نقطة من تلك المناطق أكثر فاعليةً من تقليل معدلات التنقُّل بشكل موحد.

للأسف، يُشير ذلك النموذج إلى أن السكان الفقراء المحرومين من الرعاية الاجتماعية والاقتصادية يُصابون بصورة أكبر بفيروس كورونا المستجد، على حد قول "ليسكوفيتش"؛ إذ أوضحت الدراسة أن هناك معدلات أعلى للإصابة بين مجموعات عرقية بعينها يُعرف عنها السكن في الأماكن المتواضعة، "فهؤلاء لا يستطيعون تقليل التنقُّل والالتزام بالشروط الصحية والتباعد الاجتماعي؛ إذ إن النقاط التي يزورونها أكثر ازدحامًا وأعلى خطرًا وأكثر سخونةً في معدلات انتقال العدوى".

يقدم ذلك النموذج تحليلاتٍ تفصيليةً يُمكن أن تمثِّل معلومات بالغة الأهمية لأصحاب القرار والحكومات المعنية بتقديم سياسات أكثر فاعليةً لاحتواء الوباء الحالي.

طلبت حكومات العديد من البلدان من مواطنيها البقاء في المنزل؛ لتقليل الاتصال بين الأفراد وإبطاء انتشار الفيروس. منذ ذلك الحين، وبسبب الضغوط الاقتصادية الناجمة عن عمليات الإغلاق الشامل، واصل المسؤولون مداولاتهم حول موعد إعادة الفتح، والأماكن الآمنة، ومقدار النشاط المسموح به.

تتطلب الإجابة عن تلك التساؤلات نماذج وبائية يمكنها تقديم معلومات دقيقة تعكس المخاطر غير المتجانسة لإعادة فتح الأماكن المختلفة. فإعادة فتح البنوك تختلف مخاطرها عن إعادة فتح النوادي، وبالمثل تختلف المخاطر بين إعادة فتح المصانع والمدارس والمطاعم.

تقدم تلك الدراسة ذلك النموذج. كما تقدم أيضًا معلومات مهمة حول التباينات المبلغ عنها في معدلات العدوى بين الفئات الاجتماعية المختلفة (من الناحية الاقتصادية).

إعادة الفتح مع إشغال منخفض

تقول الدراسة إنه من دون البقاء في المنزل سيصاب حوالي 30٪ من إجمالي سكان هذه المدن بالعدوى بفيروس كورونا. كما توضح أيضًا أن 10٪ من الأماكن تتسبب في أكثر من 80٪ من الإصابات؛ "فتلك الأماكن أصغر وأكثر ازدحامًا وذات أوقات إقامة أطول"، على حد قول "ليسكوفيتش" في تصريحاته لـ"للعلم".

وتشير الدراسة إلى أن إعادة الفتح الكامل لمواقع مختلفة ستكون لها تأثيرات مختلفة. فمثلًا، ستؤدي إعادة فتح المطاعم بالكامل إلى إصابة 6٪ من السكان في شهر واحد، تليها في النسبة الصالات الرياضية والمقاهي والفنادق.

على سبيل المثال -يقول "ليسكوفيتش"- في شيكاغو ستؤدي إعادة فتح المطاعم بالكامل إلى 596 ألف إصابة جديدة. في حين ستؤدي إعادة فتح الصالات الرياضية إلى 150 ألف إصابة جديدة، "وبالتالي نستطيع أن نقول إن أكثر المناطق خطورةً هي المطاعم والصالات الرياضية والمقاهي والفنادق".

أما إعادة الفتح مع فرض مجموعة من القيود التي تشمل وضع حد أقصى للإشغال، "فستكون فعالةً بشكل خاص مع الأماكن عالية الخطورة"، على حد قول "ليسكوفيتش". فالنموذج يؤكد أن وضع حد أقصى للإشغال بنسبة 20٪ يقلل من العدوى بأكثر من 80٪، رغم أنه يُقلل من عدد زيارات الأماكن بنسبة 40٪ فقط، مقارنةً بإعادة الفتح الكامل مع الإشغال الأقصى المعتاد.

فبشكل عام، هناك "مقايضة صعبة" بين الرغبة في إعادة تشغيل الاقتصاد وتقليل حالات الإصابة الجديدة بفيروس كورونا المستجد، "ولكن ما لا يدرك كله لا يُترك كله" على حد قول "ليسكوفيتش"، الذي يؤكد إمكانية إعادة الفتح "لكن مع الإشغال المنخفض"، مما يسمح بتعافي الاقتصاد دون تكبُّد الخسائر الناجمة عن إصابة كثيرين بالفيروس.

معضلة الفقراء

يُشير النموذج أيضًا إلى أن الأحياء ذات الدخل المنخفض لم يتمكن سكانها من الحد من تنقُّلهم، من المحتمل أن يكون ذلك بسبب مجموعة من العوامل، أهمها كون سكان تلك الأحياء من العمال الأساسيين في مجالات تتطلَّب الحضور في مكان العمل مثل مجال البناء، وبالتالي لا يستطيع هؤلاء العمل من المنزل.

كما تميل الأماكن التي تزورها المجموعات الأقل امتيازًا -من الناحية الاقتصادية- إلى أن تكون أكثر ازدحامًا، مما يزيد من خطر الإصابة. على سبيل المثال -وفق ما يذكر "ليسكوفيتش"- يقول النموذج إن زيارة واحدة لمتجر البقالة أكثر خطورةً بمقدار الضعف بالنسبة للأفراد ذوي الدخل المنخفض مقارنةً بزيارة الأفراد ذوي الدخل المرتفع؛ "وذلك لأن متاجر البقالة التي زارها الأفراد ذوو الدخل المنخفض تشهد زيادةً في عدد الأشخاص بنسبة 59٪ لكل قدم مربع، كما يقضي زوراها مدةً أطول داخلها بنسبة 17٪".

استخدم الباحثون بيانات من تطبيقات الهاتف رصدت أنماط التنقُّل من 1 مارس إلى 2 مايو 2020. راعت تلك البيانات خصوصية الأفراد ولم تكشف عن هوياتهم الشخصية.

غير أن هناك قيودًا في تلك الدراسة، فالبيانات لا تغطي جميع المجموعات السكانية. كما لا تحتوي على تصنيف فرعي لتلك المجموعات (من حيث كل أنواع العرق)، كما لا يمكنها التقاط عدم التجانس بين المجموعات. وبالتالي "لا يمكن وضع تلك الاستنتاجات في سياق التأكيدات؛ لكونها استنتاجات عامة"، حسبما يقول "ليسكوفيتش" في تصريحاته لـ"للعلم".

يقول مدير مختبر الابتكار القائم على البيانات بجامعة سنغافورة، "جيانشي لو"، الذي لم يشارك في الدراسة: إن اللافت للنظر في تلك الدراسة تقديمها "تنبُّؤًا بمَن يصاب في أي مكان في كل ساعة على مدار اليوم". ويشير "لو" -الذي يتفق مع ضرورة تقييد حركة التنقل والإغلاق الجزئي- إلى أن "الجدل الذي يثور نتيجة رغبة الحكومات في إعادة الفتح أمرٌ قد يُعجل من دوران عجلة الاقتصاد، لكنه بالتأكيد سيسهم في زيادة مستويات العدوى بنسب قياسية".

ويرى "لو" أن الدراسة تُقدم "مقترحًا متوازنًا لمَن يهمه الأمر". ففي ضوء الإستراتيجيات التي تنتهجها الحكومات الآن "يجب معرفة أن زيادة عدد ساعات المكوث غير الضرورية في الأماكن العامة تعني زيادةً مهولةً في أعداد الإصابات".