"مَن قال إن الفقر ليس عيبًا كان يريد أن يكملها ويقول: بل جريمة!! لكن الأغنياء قاطعوه بالتصفيق الحار"، عبارة لخص بها "تشي جيفارا" حال الفقراء الذين يتحولون بفعل ضغوط الحياة إلى "خيول" مطالبة بالجري بحثًا عن مواصلة العيش مهما أرهقتها أزمنة الجوائح والأوبئة.

ربما ابتسم الفقراء حينًا للمِحَن وكأنها وسيلتهم المُثلى للسخرية من البؤس، وربما غنوا لشدةٍ اعتادوا جلداتها، وربما صفقوا أحيانًا أخرى لقرارات رسمية تُشعرهم –ولو لحين من الدهر- بأن لهم حقوقًا تكافئ واجباتهم، لكنهم في النهاية يجدون أنفسهم مطالَبين بتحمُّل فاتورة تلك القرارات، وفق ما كشفته نتائج مسح أجراه باحثون في كلية الطب بجامعة "فيرمونت" الأمريكية.

تشير النتائج إلى أنه "بالرغم من أن الفقراء ومحدودي الدخل أيدوا بشدة الإجراءات الاحترازية التي فرضها فيروس كورونا المستجد، إلا أنهم كانوا الأكثر تأثرًا من تلك الإجراءات".

وأوضحت نتائج المسح، الذي أُجري في الفترة ما بين 30 إبريل وحتى 13 مايو الماضيين، أن 91% من الفقراء وذوي الدخل المنخفض أيدوا إغلاق المدارس والمطاعم والحانات والحد من التنقل خارج المنزل، و95.4% دعموا منع التجمعات الاجتماعية، و85% أيدوا ارتداء أقنعة الوجه خارج المنزل.

لكن التزام الفقراء ومحدودي الدخل بالتدابير التي وضعتها الدولة استجابةً للجائحة، ألحق بهم خسائر اقتصادية كبيرة بتكلفة اقتصادية كبيرة جعلتهم أشبه بالخيول المتعبة على حد وصف الشاعر السوداني الراحل محمد الفيتوري.

تقول "إيلين فان دين برويك-ألتنبيرج" –من قسم الأشعة في كلية لارنر للطب، والباحثة الرئيسية في المسح- في البيان الصحفي المصاحب للدراسة: "إن الجائحة تمثل خطرًا صحيًّا أكثر بكثير على الفقراء، مقارنةً بالفئات الأكثر ثراءً".

وفق النتائج، أدت إجراءات التباعد الاجتماعي دورًا في انخفاض معدل الإصابة بـ"كوفيد-19" نسبيًّا في "فيرمونت"، لكن خسائرها الاقتصادية كانت فادحة؛ إذ فقد 10% من ذوي الدخل المنخفض والفقراء في فيرمونت وظائفهم، وعانى 28% من انخفاض دخلهم بعد وضع المبادئ التوجيهية للتباعد الاجتماعي، وأعرب 16% من المشاركين في استطلاع الرأي عن قلقهم من العجز عن شراء الضروريات الأساسية للحياة مثل الطعام أو دفع إيجار السكن، وأن 19% ذكروا أنهم اضطروا إلى الاستعانة بمدخراتهم لتغطية نفقاتهم الشهرية، وأن 10% اضطروا إلى تقليل مشترياتهم من الفاكهة والخضراوات الطازجة.

تقول "برويك-ألتنبيرج": لم يكن التأثير الاقتصادي متساويًا بالنسبة لمَن ينتمون إلى فئات طبقية مختلفة، إذ زادت معاناة القرويين ذوي الدخل المنخفض إلى حدٍّ كبير بسبب فقدان عملهم، بينما كان بوسع أبناء الفئات ذات الدخل المرتفع العمل عن بُعد من منازلهم، وهو الخيار الذي لم يكن متاحًا لمعظم العمال ذوي الدخل المنخفض؛ إذ فقد كثيرٌ منهم وظائفهم ومصادر دخلهم.

وأوضح المسح أن ذوي الدخل المنخفض كانوا أكثر عرضةً لتأجيل احتياجاتهم من الرعاية الطبية بسبب الجائحة، وأن نحو نصف السكان يؤجلون الرعاية، وما يقرب من الثلث قلقون بشأن الآثار الصحية المترتبة على ذلك. وتمثلت مجالات رعاية المرضى المؤجلة في الغالب في خدمات طب الأسنان (27٪) والرعاية الأولية (23%).

تتابع "برويك-ألتنبيرج": كانت الفئات السكانية المحرومة هي الأكثر تضررًا عندما يتعلق الأمر بالضرورة باحتياجات الرعاية الصحية أو الحالات المزمنة؛ فقد يوفر العلاج عن بُعد حلًّا للبعض، لكن هذا الحل ليس متاحًا بشكل كبير بالنسبة لتلك الفئات، ونحتاج في المستقبل إلى سياسات مختلفة وأكثر استهدافًا لفئات عمرية معينة، ولا سيما فئات دخل محددة ومهن معينة". "لا يوجد حل واحد يناسب الجميع".

وفي السياق، حذر تقرير أعدته منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) ومؤسسة إنقاذ الطفل من احتمالية أن تدفع التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا المستجد حوالي 86 مليون طفل إضافي إلى هوة الفقر بحلول نهاية 2020، وهو ارتفاع يقدر بنسبة 15%. وقد يصل عدد الأطفال الإجمالي ممن يعيشون تحت خط الفقر في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل إلى 672 مليونًا مع نهاية العام الحالي (نحو ثلثي هؤلاء الأطفال يعيش في جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا).

وفيا يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أوضح التقرير أن "تلك المنطقة تضم أكبر عدد من الأطفال المحتاجين؛ بسبب تنامي النزاعات المسلحة، ولديها أعلى معدل بطالة بين الشباب، في حين أن نحو نصف الأطفال في المنطقة يعيشون في فقر متعدد الأبعاد، أي أنهم لا يحصلون على الرعاية الصحية والتعليم أو التغذية المناسبة أو السكن اللائق، وبالنسبة للأطفال الذين يعيشون في البلدان التي تأثرت بالفعل بالنزاعات والعنف، فإن تأثير هذه الأزمة سيزيد من خطر عدم الاستقرار ووقوع الأسر في الفقر المدقع".

وأوضح التقرير أن "خسارة الدخل المباشر يعني أن الأُسَر غير قادرة على تحمُّل تكاليف الأساسيات، من بينها شراء الطعام والماء، وأن تقل قدرة حصول الأسر على الرعاية الصحية أو التعليم، وأن تتنامى ظواهر زواج الأطفال والعنف والاستغلال والإساءة".

وعلى الصعيد العربي، حذرت "لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا" (الإسكوا) من ارتفاع عدد الفقراء في المنطقة العربية من 93 مليون مواطن إلى 101 مليون مواطن، بزيادة قدرها نحو 8 ملايين عربي بسبب فيروس كورونا المستجد، وأن يخسر سكان المنطقة العربية حوالي 1.7 مليون وظيفة على الأقل.