عندما ترغب في تعلُّم شيء جديد، فإنك تتدرب عليه. وبمجرد إجادته، تستطيع أن تمارس ما تعلمت -سواء كان ذلك رَكن السيارة بمحاذاة الرصيف أو القفز والدوران في الهواء إلى الوراء مع النزول واقفًا– في اليوم التالي واليوم الذي يليه. وإذا فشلت، فإنك تعود مرة أخرى إلى نقطة البداية وتتمرن من جديد.

ولكن ثمة طريقًا مختصرًا بالدماغ يساعد على تثبيت ما تعلمت. فبدلًا من أن تتدرب للوصول إلى أداء مقبول في شيء ما ثم تذهب لتأخذ قيلولة، قد يصبح التدرب لمدة أطول قليلًا المسار السريع لصقل مهارة ما. "التعلم الفائق" هو عملية التدرب على مهارة ما حتى وإن لم تعد تلمس تحسنًا بها، ومع أنه قد يبدو أنك تعلمت المهارة بالفعل، فإنك تستمر في التدرب عليها عند نفس المستوى من الصعوبة. وتشير دراسة حديثة إلى أن هذا التدريب الإضافي ربما يكون طريقة يسيرة لتثبيت المهارات التي اكتسبتها بشق الأنفس.

في التجربة، طُلب من المشاركين النظر إلى شاشة والإعلان للقائمين على التجربة عند رؤية نمط خطي. ثم أُضيئت صورتان، واحدة تلو الأخرى، مصحوبتين بضجيج يشبه صوت التشويش في تلفاز قديم، واحتوت واحدة من الصورتين فقط على نمط خطي يصعب رؤيته. استغرق الأمر 20 دقيقة تقريبًا من التدريب كي يستطيع المشاركون في التجربة تمييز الصورة التي تحتوي على خطوط، ثم ظل المشاركون يتدربون لمدة 20 دقيقة أخرى للوصول إلى مرحلة التعلُّم الفائق.

وبعد ذلك، حصل المشاركون على فترة من الراحة قبل أن يقضوا 20 دقيقة أخرى لتعلُّم مهمة ثانية "منافسة" للأولى ومشابهة لها، ولكن هذه المرة كانت الخطوط مائلة بزاوية مختلفة. في الظروف العادية، ستتنافس المهمة الثانية مع الأولى بل إنها في الواقع ستحل محلها، مما يعني أن المشاركين سيكونون قادرين على تمييز النمط الثاني دون القدرة على تمييز النمط الأول. وأراد الباحثون معرفة ما إذا كان التعلُّم المفرط قد حال دون اختفاء المهارة الأولى.

في اليوم التالي، اختبر الباحثون المشاركين لرؤية أي النمطين الخطيين لا يزال بإمكانهم التعرف عليه. ومن اللافت للانتباه، أن المشاركين الذين قضوا 20 دقيقة إضافية في التدرب على النمط الأول لم يتمكنوا من أداء المهمة التي استخدموا فيها أسلوب التعلم الفائق فحسب، بل إنهم أيضًا لم يتمكنوا من أداء المهمة الثانية. بصورة ما، صقلت إطالة فترة التدريب مهارة المهمة الأولى وحجبت تجربة التعلُّم المنافسة بعد ذلك. وكما يقول الباحث كازيوهيسا شيباتا، فإن التعلم الفائق جعل المهارة الأولى "راسخة".

يبدو أن التدرب على شيء جديد ينشِّط فترة من التعلم (وعدم التعلم) مع تغير توازن النواقل العصبية في الدماغ. ويقول الباحث تاكيو واتانابي إن التعلم الفائق يمكن أن يختصر هذه المدة، بمعنى أنه "يجعل الدماغ الساخنة تهدأ".

إن التعلم الفائق على الأرجح مفيد للمتتاليات الحركية السريعة كما في لعبة كرة السلة أو الباليه. أما بالنسبة للأشياء الأخرى التي نعتمد فيها عادة على الذاكرة، مثل تعلم اللغات أو الحقائق، فلم يُختَبَر التعلم الفائق فيها بدقة. ويشير واتانابي إلى أن هذه الوظائف تميل إلى استخدام معالجة معلومات أقل تخصصًا داخل الدماغ. ومقارنة بالإبصار أو الحركة، فإن تأثير المنافسة يزيد عند تعلم شيئين متشابهين. ويعتقد واتانابي أن التعلم الفائق ربما يؤثر بشكل أفضل في هذه الحالة، ويقول: "أعتقد أنه توجد حالات تدخل أكثر في الذاكرة المعرفية العليا، وربما يكون التعلم الفائق في هذه الحالة أكثر فاعلية".

وتشير أعوام من الأبحاث إلى أن النوم ضروري لترسيخ الذكريات. وقد استخدمت إحدى الدراسات النوم لتدعيم التعلم الحركي بنفس الطريقة التي يُستَخدَم بها التعلم الفائق لتحسين التعلم البصري. وقد استطاع المشاركون الذين حصلوا على قيلولة في منتصف النهار تحقيق نتائج مشابهة للتدريب الفائق، على الأقل عند إجراء تقييم لهم في اليوم التالي؛ فقد طُلِبَ من أحدهم النقر بأصابعه بسرعة وبترتيب معين وقد استطاع تجنب محو هذه المهارة عند تعلُّم النقر بترتيب مختلف في حال حصوله على قيلولة مدتها 90 دقيقة بين جلسات التدريب. ولسوء الحظ، لا يستطيع أغلب الناس الحصول على قيلولة 90 دقيقة في كل مرة يتعلمون فيها شيئًا مهمًّا. ومع هذا، فإن النوم ربما يحفظ الذاكرة بصورة أفضل بعد التعلُّم الفائق، لذا فقد يعمل الاثنان معًا كمزيج مفيد.

ولكن ماذا يحدث عندما لا نريد أن نمارس التعلم الفائق؟ في الحياة العملية، نرغب أحيانًا في تعلم أكثر من مهارة متشابهة. وفي هذه الحالة، نفضل تجنب المنافسة بين المهارات كي نستطيع الحفاظ عليها كلها. وجد الباحثون أن المشاركين في التجربة يمكن تدريبهم ليستطيعوا التعرف على النمطين معًا، إلا أن هذه العملية تستلزم المزيد من الوقت. استطاع المشاركون الذين انتظروا عدة ساعات بين جلسات التدريب أن يحتفظوا بقدرتهم على أداء المهمتين معًا وأن يكون أداؤهم جيدًا في اليوم التالي. وكان هذا يحدث سواءٌ استخدموا التعلم الفائق مع المهمة الأولى أم لا، مما يشير إلى أن الفترة "الساخنة" ستهدأ من تلقاء نفسها إذا مُنحت الوقت الكافي لهذا.

في بعض الأحيان، يحتاج الإنسان إلى النسيان أو إلى محو بعض التجارب، وقد يكون هذا هو الحال في اضطراب ما بعد الصدمة، إذ ربما تعيد العلاجات الدوائية أو غير الدوائية يومًا ما فتح الفترة "الساخنة" كطريقة للعلاج. يأمل العلماء أن يستطيعوا فتح خزانة الذاكرة بما يكفي لإعادة كتابة الذكرى المؤلمة دون المساس بالذكريات الأخرى، ولو أن هذا الأمر سيكون بالغ الصعوبة ولم يخضع للتجربة سوى في الفئران. ولكن قد يكون تناول أدوية تسهل النسيان بعد التعرض لحادث أليم أمرًا واعدًا أكثر، على الرغم من أن هذا الأمر له مشكلاته الأخلاقية والقانونية الخاصة. وبوجه عام، فإننا نحتاج إلى النسيان من أجل التأقلم مع البيئة المحيطة، مثل ما يحدث عند زيارتنا لدولة أجنبية نجد أننا نغير الاتجاه الذي ننظر فيه عند عبور الطريق. وحتى عندما يريد الإنسان ممارسة أسلوب التعلم الفائق فإنه لا يستطيع المبالغة في التدريب وإلا فربما يفقد فعليًّا ما اكتسبه. لا يزال أمامنا الكثير لاكتشافه بشأن متى يكون التعلم الفائق مناسبًا، وما مدى الفائدة التي يحققها بالفعل.

ومع ذلك، فإننا عندما نرغب في تعلم شيء بسرعة وإتقان تخبرنا هذه الاكتشافات العلمية بعدم الاستهانة بقيمة المثابرة على التدريب حتى وإن بدا الأمر غير ضروري؛ فيقول شيباتا: "التعلم الفائق ليس عديم الفائدة".

وأضاف شيباتا، مشيرًا إلى مؤخرة رأسه، حيث يحدث التعلم البصري: "على الرغم من أنه لا يُحدث مزيدًا من التحسن، فإن ثمة شيئًا ما يحدث". سواء كنت تتعلم لغة صعبة مثل الإسبرانتو أو كنت تلعب لعبة البحث عن "والدو" البصرية مع أطفالك، ربما يساعد التعلم الفائق في الحفاظ على المهارات التي تحتاج إليها حقًّا.