المتميزون في مجالاتهم -مثل ليبرون جيمس وأوبرا وينفري وبل جيتس- يبدون وكأنهم يملكون كل شيء. فبفضل مزيج من الموهبة والحماس والكد في العمل، نجحوا في الارتقاء بمؤسساتهم لمستويات أعلى من التميز. في واقع الأمر، وفقًا لتقدير حديث، ينتج المتميزون بمعدل يتراوح بين 20 إلى 30 ضعف إنتاج الموظف المتوسط.

يطمح العديد منا إلى حصد الجوائز والأوسمة فضلًا عن الاحترام والتأثير، وهي المزايا التي تقترن بتصنيف المرء كواحد من المتميزين. غير أن دراسة حديثة أوضحت أن الأداء بمستويات راقية قد تكون له أيضًا تكلفة باهظة؛ إذ قد يجعل الزملاء ينقمون علينا ويحاولون تقويض جهدنا المتميز. بل هناك ما هو أسوأ؛ "فالعقوبة الاجتماعية" التي يعاني منها المتفوقون أفدح في واقع الأمر في أماكن العمل التي تعتمد على التعاوُن بين الزملاء.

تقدم لنا إحدى قصص هوليوود توضيحًا مناسبًا؛ فقد فاز الممثل توم هانكس بجائزة الأوسكار كأحسن ممثل مرتين متتابعتين في عامي 1993 و1994 عن دوره في فيلمي "فيلادلفيا" و"فورست جامب". يرى العديد من النقاد أن أداء هانكس لم يقل براعة في الأفلام التالية مثل "أبوللو 13" و"إنقاذ الجندي رايان" و"منبوذ". ولكن هانكس لم يحصل على أصوات كافية من زملائه من الممثلين ليترشح لجائزة الأوسكار عن أيٍّ من هذه الأفلام. ويبدو أن نقص الترشيحات -كما أجمع العديد من النقاد وأفراد الجمهور- كان عقوبة مقصودة حرمت هانكس من جوائز كان يستحقها. وربما يُعزى عدم رغبة زملاء هانكس في ترشيحه لجائزة أوسكار ثالثة إلى مشاعر الحسد والاستياء التي كانوا يعلمون أنهم سيشعرون بها إذا فاز بجائزة أوسكار ثالثة.

قد يبدو هذا الافتراض مستبعدًا، ولكن من الشائع حقًّا بين النظراء أن يعاقبوا المتميزين منهم. فعلى سبيل المثال، هناك تاريخ طويل لعقاب عمال المصانع زملاءهم لأنهم ينجزون عملهم "بسرعة أكبر مما ينبغي". يميل النظراء إلى النفور من زملائهم الذين "يتجاوزون معدلات الأداء القياسية"، لأن ذلك قد يرفع توقعات الإدارة بشأن ما يمكن إنجازه خلال فترة معينة من الوقت، أو مقابل أجر معين. فالمتميزون قد يمثلون تهديدًا لزملائهم.

توضح الدراسات على المقارنات الاجتماعية والتي أُجريت على مدار عدة عقود أننا عندما نقارن أنفسنا بآخرين يتفوقون علينا (أو يماثلوننا) في جانب معين، فمن المرجح أن نشعر بالانزعاج أو الحسد أو الخوف. وهذه المشاعر بدورها تؤثر على قراراتنا وتفاعُلنا مع الآخرين.

وأبرز جوانب المقارنات الاجتماعية هو الثروة. استخدمت كاتبة هذه السطور بالتعاون مع لامار بيرس (من كلية أولين للأعمال) بيانات من قطاع اختبار انبعاثات عوادم السيارات لدراسة تأثير تصورات المفتشين عن ثروة أصحاب السيارات على أخلاقياتهم. درسنا معًا الحالات التي كان فيها المفتشون يجيزون سيارات كان ينبغي أن تفشل في اجتياز اختبار انبعاثات العادم، وهو سلوك غير أخلاقي وغير قانوني، لكن ربما عَدَّه المفتشون صورةً من صور المساعدة. تنبأنا بأن المفتشين، الذين يحصلون على دخل وراتب متوسط، سيشعرون بالتعاطف مع العملاء المماثلين لهم في قيمة الدخل (أي الذين يقودون سيارات عادية) وسيشعرون بالحسد تجاه العملاء الذين تبدو عليهم علامات الثراء (أي الذين يقودون سيارات فارهة). وفي المقابل، توقعنا أن تقود هذه المشاعر إلى صورة من صور المساعدة المحظورة للفئة الأولى والإيذاء للفئة الثانية.

وبالفعل وجدنا أن مستويات التحايُل لدى عدد كبير من المفتشين أعلى بكثير دعمًا للأفراد الذين يمتلكون سيارات زهيدة الثمن. وفي تجارب متابعة مختبرية، فحصنا الدوافع النفسية لهذا السلوك، ووجدنا أن الناس يميلون لمساعدة نظرائهم بطريقة محظورة إذا كانوا يقودون سيارات عادية وليست فارهة، وأن التعاطف والحسد هما اللذان يفسران هذا السلوك.

كيف يؤثر شعورك بالحسد تجاه زملائك المتميزين على سلوكك في العمل؟ حاولت إليزابيث كامبل -من جامعة مينيسوتا- وزملاؤها الإجابة عن هذا السؤال في دراسة جديدة شملت 350 مصففًا للشعر يعملون في 105 صالونات في تايوان. تشترك الصالونات في العديد من سمات فرق العمل في المؤسسات التنظيمية الأخرى؛ فهي بيئة مفتوحة يسودها التفاعل الاجتماعي، ويجب أن يعمل فيها الزملاء بصورة فردية أو بالتنسيق بين بعضهم وبعض من أجل تحقيق النجاح. وكشفت نتائج الدراسة أن النظراء يميلون إلى التحقير من شأن زملائهم المتفوقين عليهم وإهانتهم والإضرار بسمعتهم، ولا يفعلون ذلك مع الزملاء الأقل منهم. وعلاوة على ذلك، فكلما كانت طبيعة عمل الفريق تحتِّم التعاون، زاد سوء معاملة الزملاء لأصحاب الأداء المتميز.

لدراسة ردود أفعال أعضاء الفريق الواحد تجاه المتميزين، أجرى فريق البحث تجربةً منضبطة على 284 طالبًا جامعيًّا في تخصص إدارة الأعمال في الولايات المتحدة، وكلفوا الطلاب عشوائيًّا بالعمل بصورة افتراضية ضمن فريق تعاوني أو فريق تنافسي. أنجز الطلاب المهمات المختلفة التي اختبرت تفكيرهم النقدي ومهارات التفكير التحليلي المنطقي. أحد الأعضاء في كل فريق (في حقيقة الأمر كان عبارة عن برنامج كمبيوتر وليس طالبًا حقيقيًّا) كان أداؤه إما مماثلًا لزملائه أو أفضل منهم بكثير.

كشفت النتائج أن الطلاب المتميزين استثاروا استجابات متباينة لدى أقرانهم وفق الموارد المتوفرة للفريق. فحين كانت الموارد محدودة، شعر الأقران بالتهديد والتنافسية تجاه زملائهم الأفضل منهم، ومن ثَم حاولوا الإضرار بهم وتقويض جهودهم. وحين كانت الموارد مشتركة، استفاد الطلاب من العمل مع المتميزين منهم، ودعموهم اجتماعيًّا.

تَبيَّن لنا أننا عندما نقارن أنفسنا بالآخرين ونجد أنفسنا أدنى منهم، فإن الحسد يقودنا إلى التقليل من شأنهم. لكن دراسة كامبل وزملائها تكشف أبعادًا أكثر شرًّا؛ فالأقران ينقمون على زملائهم المتميزين وينتقدونهم على نحو نفعي استراتيجي؛ أي أنهم يفعلون ذلك فقط عندما لا يكون من مصلحتهم دعم المتميزين.

المتفوقون الذين يقدمون مستويات أداء مرتفعة بصورة منتظمة يحظون بقيمة كبرى. وكثيرًا ما يكون من الصعب العثور عليهم، ومن العسير اجتذابهم والاحتفاظ بهم، ومن المكلف جدًّا الاستبدال بهم. لذا ينبغي على قادتهم أو مديريهم أن يتحلوا باليقظة، وعليهم الانتباه لعلامات العزلة والسخط والانفصال، والتدخل مبكرًا للتأكد من أن استثماراتهم تؤتي ثمارها. وتشير دراسة كامبل وزملائها إلى أن الانتباه لمثل هذه الأمور في غاية الأهمية في أماكن العمل التي تقدر التعاون أكثر من المنافسة. وعن طريق مساعدة الموظفين على إدراك أن مزايا التعاون مع زملائهم المتميزين تفوق أي تهديدات محتملة، يستطيع المديرون أن يضمنوا احتضان المتميزين بدلًا من تدميرهم.