كشفت دراسة أجراها باحثون من قسم بحوث السرطان في "معهد السرطان" في "نيو ساوث ويلز" أن "أستراليا ستصبح أول دولة في العالم تقضي على سرطان عنق الرحم".

وأظهرت الدراسة، التي نشرتها مجلة "ذي لانسيت" وموَّلها "المجلس الوطني للصحة والبحوث الطبية" في أستراليا، أن "برنامج الوقاية الوطني الذي تتبناه أستراليا في الوقت الحالي يعمل بشكل جيد للغاية، وفي غضون عامين سيصبح سرطان عنق الرحم من السرطانات نادرة الحدوث على الأراضي الأسترالية، وسط توقعات بأن يسجل قريبًا 6 حالات فقط لكل 100 ألف سيدة سنويًّا، مقابل 7 حالات لكل 100 ألف سيدة في الوقت الراهن.

وتشير الدراسة إلى أنه "بحلول عام 2028، سيسجل معدل الإصابة بسرطان عنق الرحم انخفاضًا آخر ليصبح 4 حالات لكل 100 ألف سيدة سنويًّا، وهو الأمر الذي يبشر بإمكانية استئصال هذا النوع من السرطانات تمامًا في المستقبل".

تقول ميجان سميث –الباحثة المشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن أستراليا أصبحت رأس الحربة على الصعيد العالمي في مباراة الوقاية من سرطان عنق الرحم. وإنها تسير على الطريق السليم للتخلُّص من هذا المرض، وبالتالي التخلُّص من إحدى مشكلات الصحة العامة".

وأضافت أنه إذا واصلت أستراليا سياساتها الوقائية، فلن تتجاوز الوفيات بسبب الإصابة بهذا المرض حالة واحدة سنويًّا مع بداية عام 2034، أي في غضون 15 سنة من الآن.

ويكشف اختبار (HPV) عن وجود فيروس الورم الحليمي البشري، وهو فيروس يمكن أن يؤدي إلى ظهور ثآليل الأعضاء التناسلية أو خلايا غير طبيعية في عنق الرحم أو سرطان عنق الرحم.

سيناريوهات التنبؤ

وتستند أرقام الإصابات إلى ما يُعرف بـ"دراسة النمذجة"؛ إذ استخدم الباحثون بياناتٍ حقيقيةً للتنبؤ بحدوث سرطان عنق الرحم في البلاد بين عامي 2015 و2100، واضعين عدة سيناريوهات للتنبؤ بمعدلات الإصابة بالمرض والوفيات التي قد تنجم عنه في المستقبل: الأول أن يتم تعميم التحصين ضد فيروس "الورم الحليمي البشري" مع أخذ مسحات من عنق الرحم بشكل دوري، والهدف هو خفض معدلات الإصابة لتبلغ 0.57 حالة لكل 100 ألف سيدة سنويًّا بحلول عام 2100، أي أقل بنسبة 91% من المعدلات التي كانت موجودة عام 2006 (وهو العام السابق على تعميم التطعيم، والذي كانت معدلات الإصابة فيه تبلغ 6.66 حالات جديدة لكل 100 ألف سيدة)، وأيضًا أقل بنسبة تصل إلى 96% مقارنة بنسب الإصابة في عام 1990 (قبل إدخال الفحص المنظم لعنق الرحم؛ إذ كانت معدلات الإصابة به تبلغ 13.5 حالة لكل 100 ألف امرأة سنويًّا).

أما السيناريو الثاني، فيطرح فكرة حصول النساء على التحصين دون خضوعهن للفحص بشكل دوري، وفي هذه الحالة، سيبلغ معدل الإصابة بسرطان عنق الرحم 2.31 حالة لكل 100 ألف امرأة في عام 2100، وهو أقل بنسبة 65٪ عن معدل حدوثه في عام 2006 وبنسبة 83% عن معدلات الإصابة به في 1990".

وتشير إحصائيات منظمة الصحة العالمية إلى أن سرطان عنق الرحم هو رابع أكثر أنواع السرطان شيوعًا بين النساء، وسط توقعات بأن يبلغ عدد حالات الإصابة الجديدة به نحو 570 ألف حالة في عام 2018، أي ما يمثل 6.6% من إجمالي عدد الإصابة بمختلف أنواع السرطانات بين النساء.

وتكشف بيانات المنظمة عن أن "90% من الوفيات الناجمة عن سرطان عنق الرحم وقعت في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل"، موضحةً أنه "يمكن خفض معدل الوفيات المرتفع من سرطان عنق الرحم على الصعيد العالمي من خلال اتباع نهج شامل يشمل الوقاية والتشخيص المبكر وبرامج الفحص والعلاج الفعال، بالإضافة إلى استخدام اللقاحات المتوافرة حاليًّا، والتي يمكنها حماية الأنواع الشائعة المسببة للسرطان والناتجة عن فيروس "الورم الحليمي البشري"، ما قد يقلل خطر الإصابة بسرطان عنق الرحم إلى حدٍّ كبير".

مفتاح السر

لم يكن نجاح التجربة الأسترالية بمعزل عن الجهود التي بذلتها الحكومات الأسترالية المتعاقبة على مدى أكثر من 27 عامًا من أجل تتبُّع الوسائل التي يمكن من خلالها منع الإصابة بسرطان عنق الرحم من الأساس.

ومن المعروف أن 99% من حالات الإصابة بالمرض تنجم عن الإصابة بفيروس "الورم الحليمي البشري"، الذي تنتقل عدواه "جنسيًّا"، وفق تقديرات "معهد السرطان" في "نيو ساوث ويلز".

ويشير المعهد إلى أن هناك 100 نوع من هذا الفيروس الذي يصيب 80% من الناس في مناطق مختلفة من الجسم على مدار حياتهم.

وبالنسبة لمعظم النساء، يتم التخلص من فيروس الورم الحليمي البشري تلقائيًّا من قِبَل جهاز المناعة في الجسم في غضون عام أو عامين دون أي آثار ضارة. لكن في حالات أخرى نادرة، يمكن أن تؤدي عدوى فيروس الورم الحليمي البشري إلى الإصابة بسرطان عنق الرحم.

لذلك بدأت أستراليا منذ عام 1991 إدخال "البرنامج الوطني لفحص عنق الرحم" (NCSP)، ما أدى إلى انخفاض معدل الإصابة بسرطان عنق الرحم بنسبة تقارب الـ50% لدى النساء الأكبر من 25 عامًا، وشمل البرنامج إجراء فحص للخلايا كل عامين بالنسبة للسيدات من عمر (18-20) عامًا وحتى 69 عامًا. وبلغت نسبة المستفيدات من خدمات البرنامج أكثر من 70.2% من إجمالي عدد الأستراليات في تلك الفئة العمرية خلال الفترة من 2013 وحتى 2015، و83% في الفترة ما بين 2011 و2015، وفق تقرير أصدره المعهد الأسترالي للصحة والرعاية في عام 2017.

وبدايةً من عام 2017، حدث تغيُّر جذري في سياسات المكافحة من خلال تبنِّي برنامج جديد يتضمن فحص فيروس الورم الحليمي البشري الأولي (HPV) كل 5 سنوات للنساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 25 و69 سنة.

كما تُعَد أستراليا أول بلد في العالم يشرع في تنفيذ برنامج تطعيم وطني ضد فيروس الورم الحليمي البشري وتمويله وتوثيق آثاره؛ إذ وفرت منذ عام 2007 لقاحًا رباعيًّا (مجانيًّا) يتم إعطاؤه على ثلاث جرعات للتحصين من أربعة أنواع من هذا الفيروس، هي: (6- 11- 16-18)، ويُعَدُّ النوعان الأخيران مسئولَين عن 70% من حالات الإصابة بسرطان عنق الرحم بأستراليا. واستمر تحصين الفتيات في أعمار (13-14 عامًا) بالتزامن مع برنامج آخر عُرف باسم "اللحاق بالركب"، ويختص بالنساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 14 و26 عامًا ولم يسبق لهن الحصول على التطعيم، واستمر ذلك البرنامج حتى عام 2009.

تحصين الذكور

وبالتوازي مع تلك الحملات التي استهدفت الفتيات والنساء، وضعت أستراليا برنامجًا موازيًا خاصًّا بالذكور؛ إذ بدأت منذ عام 2013 تحصين الذكور في أعمار (12-13 عامًا) ضد فيروس "الورم الحليمي البشري"، كما أطلقت برنامج "اللحاق بالركب" للذكور في أعمار 14 إلى 15 عامًا في 2015.

ويمنع التطعيم ضد جرثومة الورم الحليمي (بابيلوما) الإصابة بأنواع عديدة من السرطان، كسرطان عنق الرحم، والسرطان الفرجي والمهبلي لدى النساء، وسرطان القضيب لدى الرجال، وكذلك السرطان الشرجي وسرطان الفم لدى الرجال والنساء.

تقول "سميث": هناك العديد من الأدبيات الطبية التي توثق التأثيرات الكبيرة التي حققها البرنامج الوطني الأسترالي للتطعيم ضد فيروس "الورم الحليمي البشري" على خفض انتشار أنواع الفيروس المشمولة باللقاح، و"الثآليل الشرجية التناسلية" (مجموعة بثور وأورام جلدية صغيرة ومتوسطة الحجم تظهر في مناطق مختلفة من الجسم ومنها المناطق التناسلية)، وقد حصل أكثر من 78.6% من البنات و72.9% من الذكور على جرعات اللقاح الرباعي حتى عام 2016.

لم تتوقف الجهود الأسترالية عند هذا الحد؛ فمع بداية العام الحالي، استُبدل باللقاح الرباعي لقاحٌ جديد أكثر فاعلية، يستهدف 9 أنواع من فيروس "الورم الحليمي البشري"، المسؤول عن 90% من حالات سرطان عنق الرحم، ومن المتوقع أن يحقق اللقاح الجديد خفضًا إضافيًّا يبلغ 10% فيما يتعلق بخطر الإصابة بسرطان عنق الرحم مقارنةً باللقاح الرباعي، وبحوالي 52% مقارنةً بالنساء اللاتي لم يحصلن علي أى تحصين.

مستويات الوقاية

يقول عمرو نديم -أستاذ أمراض النساء والتوليد بكلية الطب في جامعة عين شمس- في تصريحات لـ"للعلم": "إن هناك ثلاثة مستويات للوقاية من المرض، الأول يعمل على إعطاء تحصين للوقاية من المرض، والثاني يتم من خلال التعامل مع الآثار الناجمة عن الإصابة بالفيروس قبل تمحورها لمرض خبيث، أما الثالث فهو المستوى الجراحي المبكر لاستئصال الورم في حالة حدوثه، وما يميز البرنامج "الأسترالي" أنه يتعامل مع المرض من منطلق الحفاظ على الصحة العامة، ويركز على المستوى الأول بهدف اقتلاع مسبِّبات المرض قبل حدوثها، وهو ما نجحت فيه أستراليا بالفعل من خلال الوصول إلى انخفاض كبير في معدلات الإصابة بالمرض".

كما صممت الدراسة نموذجًا لقراءة ما سيحدث في المستقبل، ولم يقتصر الأمر عند حدود الوقاية من سرطان عنق الرحم، بل امتد إلى ما هو أبعد؛ إذ يوفر اللقاح نوعًا من الوقاية من الثآليل التناسلية التي تُعد من الأمراض شديدة التعقيد في علاجها، وفق نديم.

ويضيف أنه "بالنسبة للذكور سيوفر هذا التحصين نوعًا من الحماية ضد سرطان فتحة الشرج وسرطان العضو الذكري، اللذَين قد يكونان من النتائج المترتبة على الإصابة بفيروس الورم الحليمي البشري".

تطعيم مجاني

ويشدد "نديم "على أهمية ما فعلته أستراليا من توفير التطعيم ضد الفيروس بشكل مجاني، ما ساعد على وصوله إلى أكبر عدد من المواطنين، مضيفًا أن "التكلفة الإجمالية لهذا التطعيم، ومنها "جارداسيل" (Gardasil)، تُقدر في الولايات المتحدة الأمريكية بـ450 دولارًا أمريكيًّا، وتتكلف الجرعة الواحدة منها في مصر 750 جنيهًا مصريًّا، ويحتاج الفرد إلى ثلاث جرعات، ويكفي أن بعض الدول العربية -مثل ليبيا على سبيل المثال- أدرجت هذا التحصين ضمن برنامج التحصينات الإجبارية في البلاد رغم ما تعانيه من اضطرابات أمنية و اقتصادية".

وتشير دراسة تُعَد أول دراسة عشوائية في العالم أجراها فريق بحثي في جامعة "أوبسالا" السويدية ونشرتها دورية "بريتيش جورنال أوف كانسر" (British Journal of Cancer) إلى أن إجراء فحص فيروس "الورم الحليمي البشري" يمكنه تحديد أكثر من ضعف عدد النساء اللائي يواجهن خطر الإصابة بسرطان عنق الرحم وتقديم العلاج الوقائي لهن بصورة أفضل من الفحص السيتولوجي.

اعتمدت الدراسة السويدية على عينة بحثية بلغت 36 ألفًا و390 سيدةً في الشريحة العمرية (30-49 عامًا) في الفترة (2013-2015). وتم تقسيم هؤلاء النساء إلى مجموعتين، الأولى أُخِذت منها عينات لاختبار فيروس "الورم الحليمي البشري"، في حين خضعت المجموعة الأخرى للفحص السيتولوجي.

تقول "سميث": كل تغيُّر يحدث في البرنامج الأسترالي لمكافحة سرطان عنق الرحم يأتي بشكل مدروس ليجعلها تمضي خطوةً للأمام، ومن المتوقع أن تكون أستراليا أول دولة تقتلع سرطان عنق الرحم في ضوء برامج الوقاية القوية التي بتنا نمتلكها.