يبدو أن مصطلح "العدالة الاجتماعية"، وما يتضمنه من تحقيق المساواة بين الناس وضمان حياة كريمة لهم، بعيدًا عن الإحساس بالظلم والقهر، سيبقى حلمًا أسيرًا لخيالات القصص والروايات.

فعلى طريقة "عض قلبي ولا تعض رغيفي"، كشفت دراسة أجراها فريق مشترك من الباحثين من عدة جامعات دولية أن الأغنياء لا يهتمون كثيرًا بإعادة توزيع الدخل لتحقيق العدالة الاجتماعية، وأن صانعي السياسة في كثير من الدول –متضمنةً الديمقراطيات الكبرى- يتجنبون الحديث عن إعادة توزيع الدخل؛ لقناعتهم بصعوبة استجابة الناخبين لفكرة توزيع جزء من ثرواتهم على مَن هم أقل منهم دخلًا.

وتشير الدراسة، التي نشرتها دورية "بروسيدنجز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينس"، إلى أن "الناخبين في بعض الديمقراطيات الكبرى لا يؤيدون إجراء تحويلات كبيرة من ثرواتهم إلى الفقراء من خلال وضع سياسات عامة أو ضريبية أو اقتصادية، وأن الحد الأقصى الذي يسمحون به لإعادة توزيع الثروة لسد الهوة الاقتصادية والاجتماعية بينهم وبين الطبقات الفقيرة لا يتجاوز حوالي 12% فقط من الأموال التي يمتلكونها".

ويرى الباحثون أن افتراض رضا الناخبين أو الجمهور عن السياسات الضريبية الهادفة إلى إعادة توزيع الدخل يحتاج إلى إعادة النظر، مشيرين إلى أنه "عادةً ما يتوافق الناخبون ودافعو الضرائب على درجة معينة من إعادة توزيع الثروات لتحقيق عدالة اجتماعية أكثر إنصافًا.

ويتسق هذا مع مجموعة واسعة من الأبحاث القائمة على التجارب العملية التي تثبت أن الأفراد يفضلون توزيعات أكثر عدالة نسبيًّا على التوزيعات غير المتكافئة، لكن الزيادة الهائلة في عدم المساواة التي عانت منها بلدان كثيرة على مدى العقود القليلة الماضية، تجاوزت إلى حدٍّ بعيد ما يمكن أن تحققه جهود إعادة التوزيع، والعجيب أن هذا يحدث في وقت لا تزال فيه الديمقراطيات الكبرى تعوِّل على المواطنين في التصويت من أجل المزيد من إعادة توزيع الدخل.

وتكتسب الدراسة أهميةً كبيرة، إذ إنها من أوائل الدراسات التي تبحث كيفية استجابة الأفراد لمسألة توزيع الثروة عند مواجهة حالات واضحة من سيناريوهات مختلفة من عدم المساواة الاقتصادية.

السلوك البشري المراوغ

جرى اختيار عينة الدراسة (حوالي 5000 شخص بالغ في كلٍّ من ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية) بصورة عشوائية، وشاركوا جميعًا في عملية قرعة للحصول على زوج من بطاقات الهدايا من موقع "أمازون" ، ثم عُرِض على المشاركين استبدال البطاقات التي حصلوا عليها عن طريق القرعة مع أشخاص آخرين لقياس مدى قبولهم لفكرة "الأخذ والعطاء" give-or-take game.

أخذت بطاقات الهدايا ثلاث قيم، هي 25 أو 50 أو 75 دولارًا، كلٌّ منها يقابل نوعًا مختلفًا من سيناريوهات عدم المساواة.

في سيناريو "الأكثر فقرًا" أو (عدم المساواة غير المواتية)، كانت القيم هي (25 يورو في حالة أفراد العينة الألمان و25 دولارًا في حالة الأمريكان) كقيمة هدية تعطى للشخص الأكثر غِنًى نسبيًّا في هذا السيناريو، وهو أحد أفراد عينة البحث مقابل إعطاء هدية قيمتها 75 (يورو/ دولارًا) للطرف الآخر المفترض، أي أن الأخذ هنا قيمته أقل من العطاء.

في سيناريو "أكثر ثراءً" (عدم المساواة المواتية)، تم عكس السيناريو بقيمة بطاقات الهدايا ($/€ 75، $/€ 25). وفي حالة "المساواة"، كانت قيمة بطاقات الهدايا تبلغ 50 دولارًا/ يورو لكلٍّ منها.

 تم توزيع السيناريوهات الثلاثة بشكل عشوائي على الأفراد محل عينة البحث، ثم تم تخيير كل فرد من العينة بين خيارات العطاء أو الأخذ من الفائز الآخر أو عدم فعل أي شيء.

وكان على الأفراد الذين قرروا إعطاء أو تمرير شريط متحرك يمكنهم سحبه للإشارة إلى مقدار ما يريدون إعطاءه أو أخذه. بناءً على ذلك، فالفرد الذي يفضل المصلحة الذاتية (الأخذ) سيزيد من ربحه النقدي عن طريق أخذ كل تبرعات الفائزين الآخرين في السيناريوهات الثلاثة، والعكس صحيح.

من خلال مقارنة متوسط كمية الأموال التي يُعاد توزيعها في كل حالة، تمكن الباحثون من قياس تأثير عدم المساواة المواتية، وعدم المساواة غير المواتية على سلوك البشر في إعادة توزيع الدخل.

خلص الباحثون إلى أن عدم المساواة في سيناريو (الأكثر غنى) يولِّد مستوى معتبرًا من العطاء بين المستجيبين: في المتوسط، يقدم الأفراد الأغنياء دولارًا/ يورو (12٪ من مداخلاتهم الخاصة) إلى المستجيب الأكثر فقرًا. وفي ظل شروط المساواة، فإن المبلغ المعاد توزيعه لا يمكن تمييزه إحصائيًّا عن الصفر.

وعلى النقيض من ذلك، يؤدي عدم المساواة في سيناريو (الأكثر فقرًا) إلى سلوك مهم، إذ إن الأفراد الأكثر فقرًا حصلوا على 10 دولارات/ يورو (13٪ من هبات الآخرين) من الطرف المانح.

ومن خلال تقديم منهجية لقياس الفروق الفردية في الرغبة في إعادة توزيع الثروة، وفرت الدراسة أداةً لقياس احتمالية دعم الناخبين في دولة معينة وسَن برامج إعادة توزيع الثروة بشكل تدريجي.

 وخلصت إلى أن المشاركين الألمان كانوا أكثر رغبةً في الحد من عدم المساواة المواتية وغير المواتية من الأمريكيين، وهذا الميل يتوافق بشكل جيد مع الاختلافات القائمة في برامج توزيع الثروة القائم الآن في هذه البلدان بالفعل.

ومن دون التحويلات الضريبية وبرامج توزيع الثروة الأخرى، من المرجح أن يكون لدى كلا البلدين مستويات من الفقر مماثلة لما هي عليه الآن (32 في المئة في الولايات المتحدة و36 في المئة في ألمانيا).

لكن تجدر الإشارة هنا إلى أن ألمانيا، باستخدام العديد من البرامج الاجتماعية، قللت من معدل الفقر لديها بنسبة 20٪، مقارنةً بتخفيض يبلغ 8٪ فقط في البرامج المماثلة في الولايات المتحدة.

يقول "مايكل بكتل" -أستاذ الشؤون السياسية في جامعة واشنطن، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "لم يكن المشاركون في تجربتنا على استعداد لتحمُّل درجة كبيرة من تكلفة عدم المساواة حتى في ظروف يمتلكون فيها سيطرةً كاملةً على التوزيع النهائي لثرواتهم، أو حتى في تلك الظروف التي لا يتحملون فيها تكلفةً عاليةً لإعادة توزيع ما يملكونه".

وتشير نتائج الدراسة إلى أن "طبيعة السلوك البشري المراوغ قد تفسر سبب عدم رغبة الناخبين في الديمقراطيات الكبرى في التضحية بأجزاء من أموالهم في سبيل حل معضلة التفاوت الاقتصادي المرتفع الذي بات يغذي الاستقطاب السياسي والتطرف حول العالم".

من جهته، يقول "كينيث سكيف" -أستاذ العلوم السياسية بجامعة ستانفورد، والباحث غير المشارك في الدراسة- لـ"للعلم": "إن النتائج التي توصل الباحثون إليها تُظهِر أنه عندما يتعرض الأفراد لعدم المساواة ويُمنحون فرصةً لتحقيق المساواة في الثروة، فإن كثيرين يصرُّون على الامتناع عن القيام بذلك".

وأضاف: "هذا السلوك يتنبأ باختيارات الأفراد وما إذا كانوا يدعمون فرض ضرائب باهظة على الأغنياء لتوفير الرفاهية للفقراء بطريقة فعالة".

معضلة السلوكيات الفردية

 يعلق "يانيير باريام" -أستاذ الاقتصاد بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا- على الدراسة، غير مشارك بها، قائلًا: "إن هناك مجموعتين أساسيتين من الناس: الأولى تضم أولئك الذين يقبلون إعادة توزيع الثروة من أجل تحقيق المساواة، والثانية تضم مَن لا يهتمون كثيرًا بفكرة عدم المساواة، بالإضافة إلى ذلك، هناك مجموعتان صغيرتان تتكونان من أولئك الذين يمنحون أنفسهم حق الأخذ دون عطاء ومَن يقبلون العطاء للآخرين دون أن يأخذوا شيئًا من غيرهم".

وينتقد "باريام" اعتماد الدراسة على "عينة تمثيلية"، مشيرًا إلى أنه "من الصعب تعميم خيارات العينات التمثيلية على الشعبين الأمريكي والألماني -اللذَين مثَّلا عينة البحث- أو على الشعوب ككل، كما أنه من الصعب أيضًا تعميم السلوكيات الفردية على السلوك الجماعي".

ويستدرك قائلًا: "مع ذلك، فإن الباحثين عملوا عملًا جيدًا بشكل ملحوظ في استخلاص نتائج استبانتهم، التي انتهوا فيها إلى أن السلوك الإنساني في لعبة "الأخذ والعطاء" يمكن أن يكون دالًّا كمؤشر على سلوك الناخبين ودافعي الضرائب تجاه سياسات اقتصادية عامة أو سياسات ضريبية تهدف إلى إعادة توزيع الثروة لتحقيق عدالة اقتصادية أو اجتماعية".

وفي تصريحات لـ"للعلم"، يعلق "رانجان راي" -أستاذ الاقتصاد بجامعة موناش الهندية، غير مشارك في الدراسة- قائلًا: "إن الدراسة تقدم تفسيرًا جزئيًّا للسر وراء عدم رغبة صانعي السياسة أو قدرتهم على اقتراح سياسات تستهدف إعادة توزيع الثروات، وذلك على الرغم من الارتفاع الحاد في عدم المساواة بين الدول خلال السنوات الأخيرة".

وأضاف أن "ما توصلت إليه الدراسة صحيح"، وفق رأيه، مشددًا على أن "عدم المساواة يحتاج إلى اهتمام أكبر مما يلقاه حتى الآن، إذ إنه يسهم في نشوء مشكلات أكبر، ومنها زيادة الاستقطاب المجتمعي وتنامي سياسات الهوية التي تضطر الشخص إلى تعريف نفسه على أنه غريب عن مجتمعه أو عن البيئة التي يعيش فيها".

وشدد على أن "نتائج الدراسة تقدم تفسيرًا لغياب التدخلات السياسية التي يمكنها مواجهة التباينات المتزايدة في الثروة"، موضحًا أن "الناخبين ينقسمون بشدة حول تحميلهم مسؤولية مواجهة غياب العدالة الاجتماعية وعدم المساواة بين الطبقات، بطريقة تجعل من الصعب على السياسيين تشكيل أغلبية تكون على استعداد لدعم إعادة توزيع الدخل من أموالهم الخاصة".

معدلات وفاة أعلى

وكانت دراسة سابقة أجراها باحثون بقسم علم الاجتماع بجامعة أوهايو الأمريكية قد انتهت إلى ارتفاع معدلات الوفيات في المناطق الأمريكية التي تعاني فجوةً كبيرةً في توزيع الدخل القومي، مقارنةً بغيرها من المناطق التي لا تشهد تفاوتًا كبيرًا في توزيع الثروة بين سكانها.

واستعرضت الدراسة 11 دراسة علمية أخرى سابقة عليها، استهدفت بحث الآثار الصحية الناجمة عن عدم المساواة في توزيع الدخل القومي على الأشخاص، من بينها 4 دراسات فحصت تأثير غياب العدالة في توزيع الدخل القومي على معدل الوفيات بين السكان في فترات زمنية طويلة نسبية، أما الدراسات الـ7 الأخرى فدرست تأثير عدم المساواة في الدخل القومي على زيادة معدل الوفيات خلال فترات زمنية محدودة.

وانتهوا إلى أن غياب المساواة في توزيع الدخل القومي يعمل على زيادة معدلات الوفيات بعد 5 سنوات من ظهور آثاره داخل تلك المناطق، ويبلغ تأثيره ذروته بعد 7 سنوات من انتشار عدم المساواة في توزيع الدخل.

تقرير المختبر

فيما يخص منطقة الشرق الأوسط فقد صنّفها "تقرير عدم المساواة في العالم 2018" بـ"الرائدة في العالم في عدم المساواة الاقتصادية"، ويدَّعي تقرير المختبر أن حصص الدخل المتراكمة لأغنى 10٪ من السكان في المنطقة تجاوزت 60٪ من إجمالي الدخل الإقليمي في عام 2016، في حين امتلك 1٪ فقط من سكانها على 25٪ للعام ذاته.

وخلال الفترة 1990-2016، أصبح 10٪ من السكان في الشرق الأوسط يتمتعون في المتوسط بـ60- 66٪ من دخل المنطقة، في حين أن 50٪ يحصلون في المتوسط على أقل من 10٪ من الدخل الإقليمي.

بالمقارنة، في عام 2016 حققت أغنى 10٪ في أوروبا 36٪ من الدخل القومي، في حين أن 47٪ من الدخل القومي الأمريكي انتهى به المطاف في جيوب أعلى 10٪ -ولأن أوروبا والولايات المتحدة تتمتعان بثروة وطنية أكبر من معظم دول الشرق الأوسط، فإن عواقب عدم المساواة ليست متطرفةً بالقدر ذاته كما هو الحال في منطقتنا.

وعلى الصعيد المصري، خلصت دراسة قامت عليها الجامعة الأمريكية بالقاهرة إلى أن النظام الضريبي في مصر يعاني من العديد من العيوب التي لا تحد من إسهامه في تعزيز النمو الاقتصادي فحسب، بل تعمِّق أيضًا عدم المساواة، مع تحميل معظم العبء الناتج عن ذلك على ذوي الدخل المنخفض.

ووفقًا لتقارير صحفية عن الدراسة، خلص الباحثون إلى أن الإيرادات الضريبية لا تمثل سوى 12.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي المصري، مقارنةً بنسبة 20 إلى 25 فى المئة في المتوسط في البلدان التي تنتمي إلى مجموعة الدخل نفسها.

وبينما توجَد خمس شرائح ضريبة دخل تتراوح بين 7200 إلى 200000 جنيه سنويًّا، لا يتم تنظيم هذه الشرائح على نحوٍ تدريجي، وينتج عن ذلك معدل ضريبي واحد يبلغ 22.5 في المئة بالنسبة لأولئك الذين يتراوح دخلهم السنوي بين 200 ألف جنيه و621 ألف جنيه، والذين يُعَدُّون الفئة الأعلى دخلًا في مصر. ونتيجةً لذلك، فإن إسهام هؤلاء في الدخل القومي لا يمثل سوى 1.3 في المئة من إجمالي الإيرادات الضريبية.

 في الوقت ذاته، تُسهم الضرائب غير المباشرة، مثل ضرائب الاستهلاك، التي يأتي معظمها من شرائح الدخل المنخفض -وفق الدراسة- بنسبة 40 في المئة من إجمالي الإيرادات الضريبية.