يقول الشاعر الفلسطيني الراحل "محمود درويش": أريد رائحة القهوة.. لا أريد غير رائحة القهوة.. ولا أريد من الأيام كلها غير رائحة القهوة!!

كلمات "درويش" السابقة يبدو أنها عبرت حواجز الزمان والمكان ليتردد صداها في أرجاء مختبرات "معهد ستيفنز للتكنولوجيا" بالولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ كشفت دراسة حديثة أجراها فريق بالمعهد أن "تأثير القهوة ليس قاصرًا على مذاقها، بل قد يكون في رائحتها قوى أخرى خفية".

وتشير الدراسة التي نشرتها دورية "جورنال أوف إنفيرونمنتال سيكولوجي" (Journal of Environmental Psychology) إلى أن رائحة القهوة قد تؤدي إلى شحذ بعض وظائف الدماغ، بل قد تجعل الأفراد أكثر قناعةً بأنهم سيؤدون الاختبارات التي يواجهونها بشكل أفضل.

أخضع الباحثون للتجربة 114 طالبًا، طلبوا منهم الإجابة عن اختبار للجبر مكون من عشرة أسئلة، بحيث تم تقسيم أفراد العينة -الذين أجروا الاختبار في معمل للكمبيوتر- إلى مجموعتين.

أجرت المجموعة الأولى الاختبار في معمل معبقٍ برائحة القهوة منزوعة الكافيين وغيره من المنبهات، في حين كانت الصالة الأخرى التي أجرت فيها المجموعة الثانية الاختبار خاليةً من أية روائح. وأقر نحو 70.4% من أفراد المجموعة الأولى بأن رائحة القهوة كانت ملحوظة بدرجة كبيرة.

المفاجأة التي حملتها نتائج الدراسة أن درجات الفريق الأول كانت أفضل -بشكل ملحوظ- من درجات أقرانهم في المجموعة الثانية التي لم يتعرض أفرادها لأية روائح. كما بدا أن شم رائحة القهوة يعزز توقعات الطلاب حول مدى جودة الأداء، وذلك استنادًا إلى إجاباتهم عن الأسئلة التي طُرحت عليهم في أثناء الاختبار.

تأثير وهمي

تقول "أدريانا مادزاروف" -أستاذ إدارة الأعمال بمعهد ستيفنز، والباحث المشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن العطر الشبيه بالقهوة ساعد الطلاب على أداء مهمات تحليلية أفضل، وهو أمر مثير للاهتمام بالفعل؛ والأكثر من ذلك أنهم ظنوا أيضًا أنهم سيؤدون الاختبار بشكل أفضل، وقد أثبتنا أن هذا التوقع كان مسؤولًا -جزئيًّا على الأقل- عن تحسُّن هذا الأداء"، مضيفةً: "وجدنا أن رائحةً شبيهةً بالقهوة، لا تحتوي على مادة الكافيين، لها تأثير مماثل لشرب القهوة، كما تشير نتائج البحث إلى وجود تأثير وهمي لرائحة القهوة قد يكون مسؤولًا عن النتائج الأفضل التي حققها أفراد المجموعة الأولى".

لكن هل رائحة القهوة هي التي أدت بالفعل إلى تنشيط بعض وظائف الدماغ لدى أفراد العينة، أم أن قناعة عينة البحث بما هو معروف عن قدرة مشروب القهوة على زيادة اليقظة والانتباه هي التي أدت إلى تلك النتائج الجيدة؟

للإجابة عن هذا التساؤل، صمم الفريق استبانةً تم إجراؤها على أكثر مجموعة ضابطة ضمت 208 أشخاص لم يشاركوا في البحث السابق. وجرى سؤالهم حول المعتقدات الخاصة بالروائح المختلفة وتأثيراتها المتصورة على الأداء البشري.

وأعرب المشاركون عن أنهم سيشعرون بمزيد من التأهب والنشاط في وجود رائحة قهوة، وذلك مقارنة بتعرُّضهم لرائحة زهور أو عدم تعرُّضهم لأي نوع من الروائح، وأن التعرُّض لرائحة القهوة سيزيد من قدرتهم على أداء المهمات العقلية المنوطة بهم.

وتشير النتائج إلى أن التوقعات حول الأداء يمكن تفسيرها من خلال المعتقدات السائدة بأن رائحة القهوة وحدها تجعل الناس أكثر يقظةً وحيوية.

جذور القهوة

وللقهوة قصص وحكايات فيما يتعلق بمكان نشأتها وخروجها إلى دائرة "التحضير" و"التحميص"، لكن المؤرخين أجمعوا على أن نشأتها كانت على يد أحد رعاة الأغنام، الذي لاحظ أن أغنامه تظل متيقظةً مدةً طويلةً من الليل عند تناولها لنبتة حمراء اللون، ودعاه فضوله لتجريبها بنفسه؛ وبالرغم من اختلاف المؤرخين حول جنسية الراعي وما إذا كان يمنيًّا أم إثيوبيًّا، إلا أن الغلبة في النهاية كانت من نصيب إثيوبيا، إذ ذهب غالبية المؤرخين إلى أن مكتشف القهوة كان من رعاة الأغنام بولاية "هرر" التابعة لإقليم "كافا" الإثيوبي، فيما أرجع المؤرخون الفضل إلى أهل اليمن في الخروج بنبتة القهوة إلى دوائر "التحضير" و"التحميص".

وفي كتابه "عمدة الصفوة في حل القهوة"، يروي "عبد القادر بن محمد الأنصاري"، وهو أحد مؤرخي اليمن في القرن العاشر الهجري، أنه "شاع في اليمن مشروب يُدعى القهوة بين الصفوة على يد أبي عبد الله محمد بن سعيد المعروف بـ"الذبحاني"، الذي عرف هذا المشروب عندما خرج إلى بر أفريقيا (إثيوبيا حاليًّا)؛ وعندما عاد ومرض شرب القهوة فوجد فيها خواصَّ كثيرة، منها قدرتها على مغالبة النعاس والكسل، وأنها تورث البدن خفةً ونشاطًا".

يضيف "الأنصاري" أن "العرب أخذوا احتساء القهوة عن اليمنيين، ومنهم نقلها الأتراك إلى أوروبا بعد أن سمَّوها بلكنتهم "كاهـﭭا".

ورغم اختلاف العلماء حول تحديد تاريخ وصول القهوة إلى أوروبا، من المرجح أن تكون قد وصلت إلى هولندا في أوائل القرن السادس عشر الميلادي قبل أن تعرفها باقي الدول الأوروبية، ثم انتقلت إلى أمريكا عام 1717 ميلاديًّا، حيث عُرفت باسمها العربي "كوفي".

ومنذ ذلك الوقت اكتسبت القهوة شعبيةً على مستوى العالم؛ إذ تُزرع اليوم في أكثر من 70 دولة، حتى إن البن الأخضر أصبح ثاني أكثر السلع تداولًا على سطح الكوكب بعد النفط.

تقول "مادزاروف": وجدنا في دراستنا أن المقاهي هي ثالث مكان قد يقصده الفرد يوميًّا بحثًا عن الراحة وممارسة حياته الاجتماعية، أو حتى للعمل في مكان عادةً ما تَعبَق به رائحة القهوة.

جدلٌ علميٌّ

وتتناقض النتائج التي توصل إليها الباحثون بـ"معهد ستيفنز للتكنولوجيا" مع دراسة بريطانية أجراها باحثون بريطانيون من "مختبر مجلس البحوث الطبية لبيولوجيا الخلايا الجزيئية"، وانتهوا فيها إلى أن احتساء كمية من الكافيين في فنجان "إسبريسو" قبل 3 ساعات من النوم، يمكن أن يؤدي إلى خلل في الساعة البيولوجية للجسم التي تُعَد مسؤولةً عن ضبط تناوب عمليتي النوم والاستيقاظ. فقد تتسبب هذه العادة في تأخير ساعة النوم البيولوجية المعتادة لدى الفرد لـ40 دقيقة على مدار اليوم، وقد يصل هذا الخلل إلى تأخير ساعة النوم البيولوجية بنحو 105 دقائق خلال الأربع والعشرين ساعة، وذلك إذا احتسى الشخص كمية الكافيين نفسها مصحوبةً بالنوم في غرفة بها ضوء ساطع.

لكن على الصعيد الآخر، تثمِّن دراسة بريطانية صدرت في أغسطس من العام الحالي، واستفاد فيها الفريق البحثي من بيانات 498.134 بريطانيًّا مسجلين طوعًا في قاعدة بيانات "البنك الحيوي في المملكة المتحدة"، من دور القهوة.

فقد قام الباحثون بتسجيل حالات الوفاة على مدى 10 سنوات، وانتهوا إلى وجود علاقة بين تناول القهوة والعمر الطويل. إذ سجل مَنْ كانوا يشربون القهوة نسبةً تتراوح ما بين 10 إلى 15% أقل فيما يتعلق بتعرُّضهم للموت مقارنةً بأقرانهم الممتنعين عن تناول القهوة.

واستمر الارتباط العكسي بين تناول مشروب القهوة ومعدل الوفيات حتى احتساء ثمانية أكواب من القهوة يوميًّا، في إشارة إلى أنه لا ينبغي الشعور بالقلق كثيرًا بشأن المبالغة في استهلاك القهوة.

ورغم هذا الجدل، ترى "مادزاروف" أن "أهمية الدراسة الحديثة تكمن في أن هذه هي المرة الأولى التي نجد فيها أن الرائحة الشبيهة بالقهوة يمكن استخدامها كأحد المؤثرات لأداء الاستدلال التحليلي من خلال التوقعات".

وتضيف: "كما أن النتائج التي توصل إليها الباحثون مفيدةٌ لإجراء دراسات مستقبلية حول تأثير الدواء الوهمي، من خلال استخدام بعض الروائح التي يمكن أن يكون لها تأثير مماثل لتناول المواد ذاتها".

وتشدد على إمكانية توسيع دائرة هذه النتائج التي تذهب إلى أن مجرد شم رائحة مرتبطة بالكافيين (دون تناول مادة الكافيين ذاتها) يمكن أن يعزِّز الأداء فيما يتعلق بمهمات التفكير التحليلي، موضحةً أن "حاسة الشم هي إحدى أقوى الحواس لدينا، ويمكن لأصحاب العمل والمهندسين المعماريين ومطوري المباني ومديري مساحات البيع بالتجزئة وغيرهم استخدام الروائح الدقيقة للمساعدة في تنشيط قدرات الموظفين الذهنية".

رد فعل مشروط

من جهته، يقول "لؤي الشرقاوي" -أستاذ جراحة الأنف والأذن والحنجرة بكلية الطب بجامعة القاهرة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن عصب الشم متصل من سقف الأنف بالمخ على مساحة لا تتجاوز سنتيمترًا واحدًا، وهو المسؤول عن استنفار خلايا المخ إزاء المؤثرات الخارجية الخاصة بالروائح".

ويضيف أن "مادة الكافيين لها تأثير كيميائي في تنشيط التركيز، وهذا يحدث عن طريق شرب القهوة التي تصل إلى خلايا المخ عن طريق امتصاص الدم لهذه المادة".

ويستطرد بقوله: أما ما حدث في الدراسة الجديدة فقد يكون رد فعل مشروطًا، كما هو الحال في تجربة "بافلوف" فيما يتعلق بالفعل المنعكس الشرطي؛ إذ لاحظ أن لعاب الكلب بدأ بالسيلان قبل وصول قطعة اللحم إلى فمه، وأن لعاب الكلب يسيل لمجرد رؤية مَن يقدم له الطعام أو لدى سماع خطواته، وقد تحدث النتيجة نفسها مع الأفراد؛ إذ يقترن استنشاق عطر يستخدمه في العادة شخصٌ ما بتذكُّر هذا الشخص إذا ما فاحت هذه الرائحة في عدم وجود هذا الأخير، لكنني أعتقد أن القول بأن شم القهوة، أو حاسة الشم بصورة عامة، قد تساعد الفرد على القيام بمهمات ذهنية معقدة كحل مسائل الجبر أمر يحتاج لمزيد من الأبحاث كي نستطيع قبول ذلك بوصفه حقيقةً علمية.