في عام 2000، صدر كتاب "الإنسان خطاء" (To Err is Human)، وهو الكتاب الذي استهدف زيادة الوعي بالأخطاء الطبية الأمريكية والضغط من أجل ضمان "سلامة المرضى"، ومنذ هذا الحين تحولت "سلامة المرضى" إلى أمر يشغل بال صناع السياسات، والجهات التي تقدم الرعاية الصحية، والممارسين لها.

كسر الكتاب -الذي أصدره "معهد الطب" في الولايات المتحدة الأمريكية قبل تسميته بـ"الأكاديمية الوطنية للطب"- "حائط الصمت" المحيط بالأخطاء الطبية وتبعاتها، لم يوجه الكتاب "أصابع الاتهام" إلى العاملين في مجال الرعاية الصحية باعتبارهم "جناة مع سبق الإصرار والترصد"، بل تعامل معهم باعتبارهم "بشرًا" يخطئون ويصيبون، مطالِبًا صناع القرار بـ"وضع سياسات وإستراتيجيات للحد من الأخطاء الطبية وتحسين سلامة المرضى، وتصميم نظام صحي أكثر أمانًا، وإصدار تشريعات تضمن جودة الرعاية المقدمة من منظمات الرعاية الصحية، ومن ثم النظر في تعاملها مع الأخطاء الطبية".

وبالرغم من الجهود التي بُذلت منذ صدور الكتاب قبل 19 عامًا، ظلت نسبة الضرر الناتج عن الأخطاء الطبية وعدم ضمان سلامة المرضى مرتفعةً في جميع أنحاء العالم، ولا يزال أمام قطاع الرعاية الصحية الكثير ليفعله قبل الوصول إلى معدلات السلامة المرجوة؛ إذ تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن 2.6 مليون شخص يلقون حتفهم سنويًّا بسبب عدم مأمونية الرعاية داخل المستشفيات.

ومن هنا تأتي أهمية احتفال منظمة الصحة العالمية في 17 سبتمبر الجاري بـ"أول يوم عالمي" لـ"سلامة المرضى"، جاء بعد أربع قمم وزارية متتالية، ناقشت "سلامة المرضى" باعتبارها أحد أهم التحديات التي تواجه الأنظمة الصحية حول العالم.

عُقدت القمة الأولى في لندن 2016، والثانية في ألمانيا 2017، والثالثة في اليابان 2018، والرابعة في جدة 2019، وأكدت جميعها ضرورة تطوير المناهج والإستراتيجيات للحد من المخاطر التي تهدد "سلامة المرضى"، كما انتهت بصدور قرار الجمعية العمومية لمنظمة الصحة العالمية في مايو 2019 بوجوب تطوير خطة عمل شاملة لسلامة المرضى تحتوي على بند خاص بتحديد يوم 17 سبتمبر من كل عام يومًا عالميًّا لسلامة المرضى، وفق ما أكده "منذر لطيف" –المستشار الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية للجودة وسلامة المرضى بقسم تطوير النظم الصحية- في حوار أجرته معه مجلة "للعلم".

للعلم: ما الأسباب التي دفعت منظمة الصحة العالمية إلى تخصيص يوم لسلامة المرضى؟

لطيف: سلامة المرضى من أولويات المنظمة، خاصةً فى البلدان متوسطة ومنخفضة الدخل، ويرجع اهتمامها بسلامة المرضى إلى تاريخ يسبق القمم الوزارية الأربع التي عُقدت في "لندن وألمانيا واليابان وجدة"؛ ففي عام 2002 وافقت الدول الأعضاء بالمنظمة على قرار بهذا الشأن، وفى عام 2004 تم إطلاق برنامج سلامة المرضى التابع للمنظمة؛ إذ عملت أكثر من 140 دولة على مواجهة تحديات الرعاية غير الآمنة، بهدف تنسيق إجراءات تعزيز سلامة المرضى، وتعميمها وجعلها أكثر سرعة، باعتبارها إحدى أولويات قضايا الرعاية الصحية على مستوى العالم.

  • ما أهم المجالات التي يشملها عمل هذا البرنامج؟

يعمل البرنامج على عدة مجالات، أولها ترسيخ فكرة أن الرعاية النظيفة أكثر مأمونية، من خلال وضع مبادئ توجيهية خاصة بغسيل الأيدي وغيرها من السلوكيات الصحية الشخصية؛ إذ يقلل غسيل الأيدي وتنظيفها من الإصابة بالعدوى بنسبة 50%، والثاني تحت عنوان "الجراحة المأمونة تنقذ الأرواح"، ويركز على المراحل الثلاث للعملية الجراحية، وهي: مرحلة ما قبل التخدير، ومرحلة الجراحة، ومرحلة ما بعد الجراحة، وقد حددتها قائمة التحقق من السلامة في العمليات الجراحية، والثالث خاص بالمرضى ودورهم فى تعزيز السلامة، وذلك من خلال إقامة شبكة عالمية تضم المرضى ومنظمات دعم المرضى ومساعدتهم لنشر الوعي حول أهمية "سلامة المرضى"، والرابع يتعلق بالبحوث والدراسات التي تستهدف تحديد حجم انتشار الأضرار الناتجة عن غياب إجراءات السلامة وتصنيفها، والخامس يخص التصنيف الدولي لسلامة المرضى، وتوحيد المصطلحات المستخدمة في هذا المجال، والسادس يُعنى بالإبلاغ عن الأضرار الناتجة عن غياب الاهتمام بسلامة المرضى؛ للتعلُّم منها وعدم تكرارها، والسابع يحدد الإجراءات التي تضمن عدم تكرار المشكلات التي تمس سلامة المرضى، والثامن يضع دليلًا منهجيًّا لطلاب الطب والتمريض، يحدد آليات ضمان سلامة المرضى.

credit: Nagwa Tantawy منذر لطيف المستشار الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية للجودة وسلامة المرضى بقسم تطوير النظم الصحية
  • ما أكثر الأضرار الشائعة التي يتعرض لها المرضى في أثناء العلاج بالمستشفيات؟

التعفنات التي يتعرض لها المرضى بعد إجراء الجراحة نتيجةً لعدم النظافة، ويمكن تفادي نسبة كبيرة منها بغسيل أيدي الطبيب والفريق الطبي المعاون قبل الجراحة وبعدها، كما توجد أخطاء دوائية نتيجة إساءة الاستخدام، أو أخطاء في التشخيص، وأخطاء في التوليد والتخدير.

  • ما أكثر الفئات عرضةً للأضرار الصحية في أثناء تلقي الرعاية بالمستشفيات؟

كبار السن، الذين يكونون أكثر عرضةً لارتكاب أخطاء تتعلق بتعاطي الدواء أو الوقوع والتعرُّض للكسر، والمصابون بعدة أمراض، وكذلك الذين يتطلب مرضهم التردد بصورة مستمرة على المستشفيات، والأطفال.

  • ما الجهود المبذولة للحد من الأضرار التي تلحق بهؤلاء المرضى؟

أطلقت "منظمة الصحة العالمية-إقليم شرق المتوسط" مبادرة المستشفيات الصديقة لسلامة المرضى، وستكون هذه المبادرة ضمن برنامج الاحتفال باليوم العالمي لسلامة المرضى، وسيتم توزيع منشورات تتضمن معلومات عن المبادرة، التي تستهدف التصدي لعبء الرعاية غير المأمونة في إقليم شرق المتوسط، وتساعد المبادرة المؤسسات على إطلاق برامج شاملة لسلامة المرضى بمساعدة منظمة الصحة العالمية، وتعمل المبادرة على إجراء تقييم منهجي للمستشفيات، باستخدام معايير أفضل الممارسات الدولية من خلال خبراء، ومن خلال الزيارات الميدانية والمقابلات، وتوصي المنظمة بإعادة التقييم كل ثلاث سنوات، وقد انضم إلى المبادرة 160 مستشفى حتى الآن.

  • كيف يتم تنفيذ تلك المبادرة؟

يتم تنفيذ المبادرة من خلال عدة خطوات، تتمثل في البدء بالدعوة إلى المبادرة ونشر الوعي، ثم التحضير من خلال إنشاء لجنة محلية معنية بالمبادرة، وبناء قدرات الموظفين بالنسبة للمعايير والأدوات، والاتفاق على جدول زمنى واقعى للتنفيذ، ثم التقييم من خلال إجراء تقييم ذاتي، والتأكد من توافر الوثائق اللازمة، والمطالبة بعمل تقييم خارجي بمعرفة الخبراء، وإنشاء لجنة وطنية للإشراف على التحسين المستمر لسلامة المرضى، واستخدام بطاقات التقييم، وتحديد الفجوات في مجال سلامة المرضى، ووضع الأولويات، والبدء بالمعايير بالغة الأهمية، مثل توافر الأدوية الأساسية والحيوية، وكذلك ضمان الاسـتمرارية في تنفيذ المبادرة، من خلال إبلاغ الفريق بالتقدم الذي تم إنجازه، ومكافأة الأداء الجيد والاحتفاء بالإنجازات.

  • كيف تستفيد المستشفيات من الانضمام إلى المبادرة؟

تشجع المبادرة على إحداث تحسُّن في مجال سلامة المرضى، كما أن التقييم يحفز الموظفين لتحسين إجراءات سلامة المرضى، وتُعد المبادرة بمنزلة أداة للتعلُّم والاستفادة من خبرات الآخرين، كما تقدم منظمة الصحة العالمية الإرشادات التي تحتاج إليها المستشفيات في مجال سلامة المرضى، من خلال وضع نظم شاملة لسلامة المرضى، وتدريب العاملين بالمستشفيات وبناء قدراتهم لتنفيذ برامج المبادرة.

  • وماذا عن دور الحكومات؟

تقوم الحكومات بإنشاء لجان وطنية معنية بمتابعة تنفيذ المبادرة، وتحديد المستشفيات المقرر انضمامها إلى المبادرة، وتدريب تلك المستشفيات وتقييم أدائها، وتقديم شهادات خاصة بالمبادرة استنادًا إلى تقارير التقييم، وضمان استدامة تحقيق خطوات المبادرة.

  • هل تقع مسؤولية سلامة المرضى على الطبيب فقط؟

هذا هو الاعتقاد السائد، ومن أهم الأخطاء الشائعة ربط سلامة المريض بمهارة الطبيب؛ فالطبيب إنسان قد يصيبه الإجهاد والنسيان، لذلك لا بد من منظومة تسهِّل تفادي الخطأ، كما هو الحال بالنسبة لقائمة التحقق من السلامة في العمليات الجراحية، ووضع المنظومة الصحيحة التي تكفل وضوح الإجراءات اللازم توافرها لضمان سلامة المرضى، وحذف أي إجراء ليس له فائدة؛ إذ تشير النتائج  إلى أن 20% من الأخطاء المتعلقة بسلامة المرضى ترجع إلى أسباب بشرية لا يتسبب فيها المريض فقط، ولكن قد يتسبب فيها أحد أعضاء الفريق الطبي، أما نسبة الـ80% الأخرى فترجع إلى أخطاء بسبب النظم المتبعة داخل المستشفيات.

  • ما العواقب المترتبة على الإضرار بالمريض بسبب عدم اتباع إجراءات السلامة؟

العواقب قد تصل إلى الوفاة أو الإعاقة، أو البقاء مدةً أطول في المستشفى، والتأثير لا يكون على المريض فقط، ولكن على أسرته أيضًا.

  • كيف يمكن الحد من الأضرار التي قد تحدث في أثناء تلقِّي العلاج بالمستشفيات؟

لا بد من وجود ثقة بين المريض والطبيب، وأن يشعر الطبيب بالمريض.

  • قبل الجراحة يطلب الطبيب من المريض كتابة إقرار بموافقته على إجراء الجراحة، هل الهدف من هذا الإقرار تأمين الطبيب ضد الأخطاء؟

هذا الإجراء يوصى به، وهو من ضمن إجراءات إشراك المريض في الأمر وليس تأمين الطبيب ضد الأخطاء، وتتوقف سلامة الإجراء على صيغة الإقرار.

  • ما السياسات التي توصي بها المنظمة الدول لتحقيق سلامة المرضى؟

توصي المنظمة الدول الأعضاء بحزمة من السياسات، منها تطوير قدرات الفريق الطبي، وإرساء ثقافة التعلُّم من الأخطاء عوضًا عن العقاب والزجر، باستثناء الأخطاء الناجمة عن الإهمال، ودمج سلامة المرضى في المناهج الدراسية، واستخدام الدليل المنهجي الخاص بسلامة المرضى الذى نشرته منظمة الصحة العالمية، واختيار القيادات المساندة لسلامة المرضى، وتخصيص أولوية لسلامة المرضى.