أصدرت منظمة الصحة العالمية، في مطلع هذا العام، قائمة بأبرز 10 مخاطر تهدد الصحة العالمية. وتراوحت هذه المخاطر بين تغيرٍ في المناخ، وأمراضٍ غير مُعدية، ومقاومةٍ للمضادات الحيوية، وجدلٍ حول استخدام اللقاحات. وتضمنت القائمة أيضًا فيروس نقص المناعة البشرية، وحُمى الضنك، والرعاية الأولية المتدنية، والبيئات الهشة والمعرضة للخطر (كالمناطق التي تعاني ويلات الجفاف والنزاعات)، ومرض الإيبولا وتهديد وباء الإنفلونزا العالمي.

ثمة فكرة أساسية تتمثل في صلة السلوك البشري بكثير من تلك المخاطر، إن لم يكن بها كلها. والصلة بالنسبة لبعض المخاطر الصحية العالمية واضحة؛ فالأمراض غير المُعدية وما يرتبط بها من عوامل خطر سلوكية (كالتدخين أو التغذية السيئة) أو إحجام بعض الآباء عن تطعيم أطفالهم، والإفراط في وصف المضادات الحيوية والإفراط في طلبها، وهو السبب وراء ظهور مقاومة المضادات الحيوية، لها مدلولات سلوكية جلية. وفي حالة الكثير من المخاطر الأخرى، فإن الصلة أقل وضوحًا لكنها لا تقل أهمية. على سبيل المثال، السلوك البشري هو بقدر كبير في لب قضية التغير المناخي العالمي، وسيكون في صميم أي استجابة واسعة النطاق لهذه المشكلة. وبالمثل، نجد أن مكافحة انتشار فيروس نقص المناعة البشرية، وتجنُّب البعوض الناقل لحمى الضنك، والارتقاء بمستوى تقديم خدمات الرعاية الأولية، والاستجابة لحالات تفشي وباءَي الإيبولا والإنفلونزا، كلها أمور تتطلب تعديلًا للسلوك البشري أو التعاملَ معه.

ومع ذلك، فإن الاستجابة الصحية العالمية لهذه التهديدات تفتقر إلى تركيز متجانس على الرؤى السلوكية. في السنوات الأخيرة، تبنَّت مجالات مثل علم الاقتصاد والحد من الفقر رؤى سلوكية باعتبارها ركيزةً لفهم التحديات الكبرى في هذه المجالات والاستجابة لها. ولقد مُنِحَت جائزتا نوبل لعامَيْ 2002 و2017 في الاقتصاد تقديرًا لأبحاث أُجريت على علم الاقتصاد السلوكي. ومع أن الأدوات السلوكية قد استُخدمت لتعزيز الصحة لعدة عقود، فإنها تُدرج بغير اتساق في صناعة القرار الصحي العالمي.

من حسن الحظ أنه توجد نماذج قليلة لدمج رؤى مُستخلصة من أبحاث سلوكية في مبادرات سياسية واسعة النطاق. وثمة نهج توظفه كثير من الحكومات وبعض المؤسسات المتعددة الأطراف، يُؤسس لما يُعرف باسم "وحدات التحفيز السلوكي". وتستعين هذه الوحدات بالدروس المستفادة من علم الاقتصاد السلوكي وعلم النفس لتسترشد بها السياسة العامة.

تأسست أولى تلك الوحدات، المعروفة رسميًّا باسم "فريق الرؤى السلوكية"، في المملكة المتحدة عام 2010، وكان مقرها مبدئيًّا داخل مكتب رئاسة الوزراء في المملكة المتحدة. وتتخذ هذه الوحدة الآن صفة الشركة المملوكة جزئيًّا لمكتب رئاسة الوزراء. وأنشأت إدارة الرئيس الأمريكي أوباما وحدة تحفيز سلوكي أمريكية، عُرِفَت في بداية الأمر باسم "فريق البيت الأبيض للعلوم الاجتماعية والسلوكية". وتطورت هذه الوحدة وتحولت إلى "مكتب علم التقييم" داخل إدارة الخدمات العامة. وأنشأت دول أخرى، مثل أستراليا وسنغافورة، كيانات مثيلة. والواقع أن مفهوم الترويج لصناعة القرار المستندة إلى الرؤى السلوكية تبنته أيضًا مؤسسات متعددة الأطراف، مثل البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

ورغم أنه ليس كل برنامج أطلقته وحدة تحفيز سلوكي كُلل بالقدر ذاته من النجاح، فإنه يوجد كثير من الأمثلة على تدخلات سياسية تبرهن على منفعة تلك الوحدات. على سبيل المثال، برهنت وحدة التحفيز السلوكي البريطانية على أنه يمكن استغلال الرؤى السلوكية لتقليص أخطاء العلاج وزيادة الالتزام بالتبرع بالأعضاء، وضمان التزام المرضى بمواعيد أطبائهم.

كان الدكتور تيدروس أدهانوم جيبريسوس Dr. Tedros Adhanom Ghebreyesus، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، الذي وعد عقب ترشُّحه لمنصبه بإحداث "تحوُّل في منظمة الصحة العالمية"، قد شجعَ الدولَ وشركاء منظمة الصحة العالمية على تقديم رعاية صحية ركيزتها الإنسان. في إبريل الماضي، أعلن الدكتور تيدروس (وهو الاسم الذي يفضل أن يُدعى به) عن إعادة هيكلة كبرى لمنظمة الصحة العالمية. وأشار أيضًا إلى أن "عملية تنفيذ النموذج التشغيلي الجديد بالكامل ستستغرق المزيد من الوقت". والفترة الانتقالية هذه هي تحديدًا الوقت المناسب لتأسيس وحدة تحفيز سلوكي في منظمة الصحة العالمية.

مع أنه توجد نماذج لوحدات تحفيز سلوكي فعالة في العديد من الدول والمؤسسات، سيتعيّن على وحدة الرؤى السلوكية التابعة لمنظمة الصحة العالمية أن تعكس دورها الفريد: فأولًا، ينبغي على وحدة التحفيز السلوكي التابعة للمنظمة أن تدعم وزارات الصحة للدول الأعضاء في المنظمة، فضلًا عن العمل مع البرامج الرئيسة للمنظمة، بما في ذلك برنامج حالات الطوارئ الصحية الذي تأسس حديثًا. ثانيًا، إن المشكلات الصحية العالمية متعددة الأوجه، ومن ثم فهي تتطلب حلولًا متعددة التخصصات. لا بد من تزويد وحدة التحفيز السلوكي التابعة لمنظمة الصحة العالمية بموظفين ذوي خلفيات متنوعة، ليس فقط من أولئك المتخصصين في مجالات العلوم الاجتماعية أو العلوم الإنسانية الطبية، بل أيضًا من علماء الأوبئة والعاملين في مجال الصحة العامة ممن تلقَّوا تدريبًا على العلوم السلوكية. وأخيرًا، لا بد أن تكون جميع مبادرات هذه الوحدة قائمةً على الأدلة، ولا بد من تقييم جميع التدخلات الجديدة تقييمًا صارمًا، وهو تقليد تلتزم به وحدات التحفيز السلوكي الفعالة.

وفي الوقت الذي كان [MH1] وزراء الصحة وقادة الصحة العالمية يُعِدون فيه العُدة للاجتماع في جمعية الصحة العالمية في جنيف في شهر مايو الماضي، من الحصافة أن تتأمل منظمة الصحة العالمية أوضاعها الراهنة. لقد تأسست المنظمة للارتقاء بصحة الإنسان، والسلوكُ البشري هو أحد المحددات الأساسية لصحة الإنسان ورفاهه. لقد آن الأوان لاستيعاب هذه الحقيقة على أكمل وجه في هيكل المنظمة وبرامجها.