رغم أن فقر الدم أو الأنيميا مشكلة صحية تصيب الجنسين، إلا أن المرض يصيب النساء أكثر من الرجال، لأسباب أبرزها التغيرات الفسيولوجية التي تتعلق بطبيعة المرأة، مثل الحيض والحمل والنزف في أثناء الولادة.

خطورة المرض تتمثل في تأثيراته السلبية واسعة النطاق، في مقدمتها انخفاض القدرات المعرفية والبدنية، وتراجُع الإنتاجية الاقتصادية، وزيادة معدلات الاعتلال والوفيات لجميع الأسباب.

والخطر الأكبر لنقص الحديد يقع في أثناء فترة الحمل والوضع، بما في ذلك الإملاص (ولادة الطفل ميتًا)، وانخفاض وزن الأطفال عند الولادة ووفيات الرضع، بالإضافة إلى زيادة خطر حدوث نزيف شديد في أثناء الولادة، ما قد يؤدي إلى وفاة الأمهات.

ولمواجهة هذا الخطر، وضعت منظمة الصحة العالمية هدفًا عالميًّا للحد من فقر الدم بين السيدات في سن الإنجاب بمقدار النصف بحلول 2025، قبل أن يمدد إلى 2030.

ولمراقبة تحقيق هذا الهدف، رسمت دراسة عالمية جديدة -قادها باحثون بمعهد القياسات الصحية والتقييم في جامعة واشنطن الأمريكية، بمشاركة باحثين مصريين- خريطةً للتقديرات السنوية لانتشار فقر الدم لدى النساء في سن الإنجاب (15-49 سنة)، في الفترة من 2000 إلى 2018، عبر 82 دولة منخفضة ومتوسطة الدخل، بينها مصر، ونشرت نتائجها مؤخرًا في دورية نيتشر ميديسين (Nature Medicine).

ومن بين 1.2 مليار سيدة من الدول التي أُجريت فيها الدراسة وقت بدايتها في عام 2000، قدّرت النتائج أن 378.3 مليون سيدة في سن الإنجاب يعانين من فقر الدم بنسبة 35.6٪، وفي عام 2018، كان عدد السيدات الممثلات في الدراسة 1.5 مليار سيدة، وقدّرت النتائج أن 449.1 مليون سيدة مصابة بالأنيميا، بنسبة 30.4%.

وبالمقارنة بين الرقمين المسجلين في بداية الفترة التي غطتها الدراسة ونهايتها، فإنه تم إحراز تقدم ضئيل في الحد من فقر الدم، إذ انخفض فقر الدم الإجمالي بين النساء في سن الإنجاب من 35.6٪ عام 2000 إلى 31.4٪ عام 2018.

وعن أسباب ارتفاع أعداد الاصابة بالمرض، تُظهر الدراسة أن النمو السكاني خلال فترة الدراسة أدى إلى زيادات كبيرة في عدد السيدات المصابات بفقر الدم، في مواقع مختلفة.

تقدم متواضع

يقول عبد الرحمن أبو شوك، الباحث المصري بمستشفى كليفلاند كلينك وكلية الطب بجامعة هارفارد الأمريكية، وأحد المشاركين في الدراسة: إن الدراسة لم ترصد انخفاضًا واضحًا في معدلات الأنيميا حول العالم في الدول المشاركة طوال فترة الدراسة، وبالتالي نحن لسنا على طريق تحقيق أهداف منظمة الصحة العالمية 2030 فيما يتعلق بالقضاء على المرض.

وأضاف في حديث لـ"للعلم" أن نسبة الانخفاض التي سجلتها الدول المشاركة في الحد من المرض كانت متواضعة، مقارنةً بعدد السنوات التي تقارب عقدين من الزمن، وهي إحدى أبرز النقاط التي تنبِّهنا لها النتائج.

وعن أهمية النتائج بالنسبة لمصر والبلدان المشاركة، أشار إلى أنها تتعلق بأساليب سياسة الصحة العامة والإستراتيجيات التي يمكن للدول اتباعها لتقليل مستويات انتشار المرض، وذلك عبر التركيز على المناطق التي تعاني من المرض أكثر من غيرها، وإجراء مسوح دورية للتأكد من التقدم الذي يمكن أن يُحرَز في هذه المناطق، ومدى استفادتها من البرامج التي تطلقها الحكومات للحد من المرض، ومدى التزام السيدات بالكشف الدوري، وتوافر عيادات وأماكن الفحص بجميع المناطق، للوصول إلى أهداف منظمة الصحة العالمية.

وأشار إلى أن مشاركة الأطباء المصريين في مثل هذه الأبحاث الدولية توفر أرقامًا دقيقةً عن وضع انتشار فقر الدم بين السيدات في مصر، ومقارنته بالوضع في باقي دول العالم، ووضع الأهداف فيما يتعلق بمكافحة المرض، وتحديد الوقت اللازم لتنفيذها.

فقر الدم.. مستويات

يُعتبَر فقر الدم إحدى أبرز مشكلات الصحة العامة في إقليم شرق المتوسط؛ حيث تشير التقديرات إلى أن أكثر من ثلث السكان في الإقليم مصابون بفقر الدم، وتزيد الأزمة بين النساء الحوامل والأطفال الصغار، إذ إن حوالي 50% من النساء الحوامل و63% من الأطفال دون سن الخامسة لديهم فقر دم ناجم عن نقص الحديد، وفق منظمة الصحة العالمية.

يحدث فقر الدم عندما يكون عدد خلايا الدم الحمراء السليمة غير كافٍ لتلبية احتياجات الجسم الفسيولوجية لتوصيل الأكسجين إلى الدماغ والقلب والعضلات والأنسجة الحيوية الأخرى.

والهيموجلوبين هو الجزيء الأساسي الذي يحمل الأكسجين داخل خلايا الدم الحمراء، لذلك يتم قياس فقر الدم عادةً من حيث محتوى الهيموجلوبين في الدم.

ويتم تحديد فئات شدة فقر الدم من قِبل منظمة الصحة العالمية إلى 3 مستويات: فقر الدم الخفيف (يتراوح فيه مستوى الهيموجلوبين في الدم بين 11.9 و11 جم/ديسيلتر لغير الحوامل و10-10.9 للحوامل)، ومتوسط الشدة (8.0-10.9 جم/ديسيلتر لغير الحوامل و-9.9 جم/ديسيلتر للحوامل)، وشديد أو وخيم (8 جم/ديسيلتر لغير الحوامل و7 جم/ديسيلتر للحوامل).

ووفق أرقام الدراسة، فإنه في عام 2000 كان 178.4 مليون سيدة أو 47.2٪ يعانين من فقر الدم الخفيف، بينما كان 182.4 مليونًا أو 48.2٪ يعانين من فقر الدم المتوسط، و17.4 مليونًا أو 4.6٪ يعانين من فقر الدم الوخيم.

أما في عام 2018، فقد كان 224.8 مليونًا أو 50.1٪ يعانين من فقر الدم الخفيف، و208.1 ملايين أو 46.3٪ يعانين من فقر الدم المتوسط، و16.1 مليونًا أو 3.6٪ يعانين من فقر الدم الشديد.

"أبو شوك" رأى أن الأرقام التي رصدتها الدراسة تشير إلى الجانب الذي ربما يكون مشرقًا في النتائج، إذ إن معدلات الأنيميا المتوسطة والشديدة انخفضت، بينما ارتفعت معدلات الأنيميا الخفيفة، وذلك رغم عدم انخفاض مستوى الأنيميا بشكل عام بصورة كبيرة.

تبايُن في انتشار المرض

وكشفت الدراسة أن هناك تفاوتًا كبيرًا في انتشار فقر الدم الكلي بين السيدات في سن الإنجاب بشكل كبير عبر البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، ففي عام 2018، كان انتشار فقر الدم أعلى في دول غرب أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا، بما في ذلك غامبيا (50.3٪) والسنغال (47.3٪) ومالي (47.6٪) واليمن (57.4٪) والهند (49.9٪).

في المقابل، فإن أدنى المعدلات لانتشار فقر الدم على المستوى الوطني في عام 2018 سُجلت في أمريكا الوسطى ومنطقة البحر الكاريبي وأمريكا الجنوبية وشرق آسيا، بما في ذلك السلفادور (8.2٪)، وكولومبيا (9.2٪)، والمكسيك (10.4٪)، والصين (11.1٪).

الدراسة رصدت أيضًا أن العديد من البلدان لديها تفاوتات كبيرة على المستوى الوطني في انتشار فقر الدم، حسبما أكد "أبو شوك"، مشيرًا إلى أنها رصدت اختلافًا كبيرًا بين الدول المشاركة، وعدم تساوي نسب انتشار المرض، ليس ذلك فحسب، بل ظهر هذا التبايُن أيضًا على مستوى المقاطعات والمناطق في البلد الواحد، وعلى رأسها مصر، إذ شهدت ارتفاعًا في نسب الإصابة بالمرض في الريف مقارنةً بانخفاضها في المدن، وهناك دول تشبه مصر في حاجتها إلى التركيز على المناطق التي تشهد انتشارًا للمرض، ومنها فنزويلا وجواتيمالا.

لكن الدراسة نبهت بشكل خاص للدول التي تعاني ارتفاعًا كبيرًا في معدلات الأنيميا بين السيدات في غرب أفريقيا ودول الشرق الأوسط وجنوب آسيا، ربما بسبب تأثُّر دول تقع في نطاق تلك المناطق بالحروب والمجاعات مثل السنغال واليمن، بينما شهدت دولٌ أخرى معدلات انتشار منخفضة مثل أمريكا الوسطى ودول الكاريبي وشرق آسيا، وخاصةً الصين والمكسيك، وفق "أبو شوك".

وعن استشراف المستقبل، توقعت الدراسة أنه بحلول عام 2030، من المتوقع أن تحقق 3 دول فقط من البلدان الـ82 المشاركة في الدراسة، هدف منظمة الصحة العالمية بالوصول بنسب فقر الدم بين النساء في سن الإنجاب إلى النصف أو 16.2٪، وهي: الصين وإيران وتايلاند.

في المقابل، فإن حوالي ثلث البلدان المشاركة (26 دولة من 82) لديها احتمالية عالية (بنسبة 95٪) لتحقيق الهدف في منطقة واحدة على الأقل، في حين أن 3 بلدان فقط (غواتيمالا وإيران وبيرو) لديها احتمالية عالية لبلوغ هذا الهدف.

مسببات فقر الدم

ووفق الدراسة، غالبًا ما يُعتقد أن نقص الحديد هو السبب الأكثر شيوعًا لفقر الدم، وهذا صحيح ولكنه أيضًا مضلِّل؛ لأن نقص الحديد يمكن أن ينشأ نتيجة لـ3 مسارات رئيسية هي: الأول فقدان الدم وزيادة تدمير خلايا الدم الحمراء وعدم كفاية إنتاج خلايا الدم الحمراء، والثاني حاد بسبب أحداث مثل الإصابات أو نزيف الأم أو الجراحة، والثالث مزمن بسبب حالات مثل اضطرابات الجهاز الهضمي، أو العدوى بالديدان الطفيلية، أو اضطرابات النزيف، أو نزيف الرحم غير الطبيعي.

يحدث تدمير متزايد لخلايا الدم الحمراء إما نتيجة لبنية غير طبيعية لخلايا الدم الحمراء، كما هو الحال في الثلاسيميا أو مرض الخلايا المنجلية، أو بسبب عوامل ميكانيكية أو مناعية أو معدية خارجية، وفق الدراسة.

ويمكن أن يحدث الإنتاج غير الكافي لخلايا الدم الحمراء عندما يكون نخاع العظم نفسه متضررًا، كما هو الحال في فيروس نقص المناعة البشرية "الإيدز" أو بعض الأورام الخبيثة؛ بسبب وجود اختلالات هرمونية، مثل الالتهابات المزمنة، أو بسبب زيادة الطلب (كما في أثناء الحمل)، أو سوء امتصاص المغذيات أو عدم كفاية إمدادات خلايا الدم الحمراء، مثل البروتين أو الحديد أو فيتامين أ أو حمض الفوليك أو فيتامين "ب 12".

مشكلة متشعبة

من جانبه، رأى أحمد أبو فريخة -أستاذ أمراض النساء والتوليد، بكلية الطب بجامعة طنطا- أن الدراسة خرجت بنتائج جيدة للغاية فيما يتعلق بمراقبة انتشار فقر الدم لدى السيدات، لتسلط الضوء على مشكلة غاية في الأهمية بالنسبة لصحتهن.

وأضاف لـ"للعلم"، أن الدراسة تسلط الضوء على مسببات فقر الدم لدى السيدات، وهي مشكلة متشعبة الأسباب، ولا تتعلق فقط بنقص الحديد، لكنها قد تعود إلى أسباب مرضية، منها اضطرابات الجهاز الهضمي، أو العدوى بالديدان الطفيلية التي تسبب سوء امتصاص الحديد، وهي مشكلة منتشرة خاصةً لدى الحوامل، بالإضافة إلى الثلاسيميا أو مرض الخلايا المنجلية.

وعن الخطوات الصحيحة لعلاج فقر الدم وخاصةً لدى النساء، أوضح "أبو فريخة" أنها تبدأ بالتشخيص الصحيح لمسببات المرض على يد طبيب متخصص يصف العلاج المناسب، فإذا كان المريض يعاني من نقص الحديد فقط دون أسباب مرضية أخرى للأنيميا، فلا غضاضة أن يصف له مكملات الحديد، بعد أن يتأكد من قدرة جسمه على امتصاصها بشكل جيد، وهذا يقضي على عادة خطأ لدى قطاع واسع من الناس، وهي تناول مكملات الحديد دون وصفة طبية -كما يحدث مع الاستخدام الخطأ للمضادات الحيوية- ما قد يعود بنتائج عكسية ويفاقم مشكلة فقر الدم بدلًا من علاجها، نتيجة سوء امتصاص الجسم للحديد، مضيفًا أنه في حالة الأنيميا الحادة، تحتاج إلى تعويض النقص في مدة قصيرة، كما يحدث لدى السيدات الحوامل، فإن الطبيب يلجأ إلى حقن الحديد، وإلى نقل الدم في الحالات الأكثرة حدة.

لكن في المقابل، هناك حالات لا تحتاج إلى مكملات الحديد، وفق "أبو فريخة"، كأن يعاني المريض من الأنيميا الناجمة عن الثلاسيميا أو مرض الخلايا المنجلية، وهو اضطراب دم وراثي يؤدي إلى انخفاض نسبة الهيموجلوبين في الجسم عن المعدل الطبيعي، ومن الخطأ علاجه بمكملات الحديد؛ لأنها تأتي بنتائج عكسية لزيادة نسبة تكسير كريات الدم الحمراء في الجسم، والشيء ذاته مع العدوى بالديدان الطفيلية، التي يجب علاجها كي يتم القضاء على هذه المشكلة.

وعن طرق الوقاية، شدد "أبو فريخة" على أهمية الفحص الدوري، الذي يقود إلى اكتشاف مسببات المرض مبكرًا وسرعة علاجها بشكل صحيح، واتباع العادات الغذائية السليمة، والابتعاد عن كثرة تناول الدهون والنشويات، التي يمكن أن تعوق علاج الطفيليات المسببة لفقر الدم.

كما شدد على ضرورة توفير المزيد من العيادات المتخصصة الثابتة والمتنقلة التي تجوب القرى والنجوع والمحافظات، لاكتشاف حالات فقر الدم عبر التشخيص الصحيح ووصف العلاج المناسب، وخطت وزارة الصحة المصرية مؤخرًا خطوات جيدة في هذا الإطار، عبر إطلاق مبادرة 100 مليون صحة، التي تشمل الكشف المبكر عن الأنيميا لدى السيدات، ضمن فحص شامل لمجموعة من الأمراض، منها فيروس "سي" و"كوفيد-19" وغيرها، وتقديم العلاج اللازم لها.

نتائج متوقعة

ووافقه الرأي أحمد عبد الرحمن، أستاذ أمراض الدم المساعد بكلية الطب بجامعة الإسكندرية، معتبرًا أن نتائج الدراسة متوقعة، وتسلط الضوء على مشكلة صحية كبيرة تعاني منها السيدات، ليس في مصر فقط، بل على مستوى العالم، ولكن بدرجات متفاونة.

وأضاف لـ"للعلم" أن النتائج تكشف حجم الخطر الذي تواجهه السيدات، فيما يتعلق بتداعيات فقر الدم على صحتهن، وصحة ذريتهن، وتلقي الضوء على أكثر المناطق معاناةً من هذه المشكلة، لتوجيه صناع القرار إلى اتخاذ الخطوات اللازمة والتحرك سريعًا لمواجهتها.

ورأى أن أحد أبرز أسباب انتشار فقر الدم لدى السيدات في سن الإنجاب بالبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، هو أساليب الغذاء غير الصحية، التي تفتقر إلى العناصر الضرورية للجسم، وعلى رأسها الحديد، وهذا النمط الغذائي يؤثر على السيدات أكثر من غيرهن، نظرًا لتعرُّضهن لنقص مستويات الحديد بصورة طبيعية نتيجة فقدان الدم في أثناء الدورة الشهرية، بالإضافة إلى تبعات الحمل والولادة، ويأتي الأطفال في المرتبة الثانية.

وعن طرق المواجهة، شدد "عبد الرحمن" على أن أبرزها يتمثل في ضرورة تدعيم الدقيق المستخدم في إنتاج الخبز المدعم ببعض العناصر الغذائية مثل الحديد والفيتامينات، لضمان الوصول إلى أكبر قدر ممكن من المواطنين، وهذه الطريقة أثبتت نتائج فعالة في الدول المتقدمة، بالإضافة إلى تكثيف الحملات الإعلامية للتوعية بفقر الدم وطرق مواجهته، ناهيك بزيادة عدد الوحدات الطبية للكشف المبكر عن المرض ومسبباته، ووصف العلاج المناسب.