قد يعتقد البعض أن الطفل الذي لديه أخ أو أخت أكبر سنًّا سينمو في بيئة لغوية محفزة، وسيطور مهاراته اللغوية بشكل أسرع من أخيه أو أخته البكر داخل العائلة نفسها. ومع ذلك، أظهرت نتائج العديد من الدراسات عكس ذلك، مشيرةً إلى أن اكتساب طفل صغير لديه شقيق أكبر سنًّا للمهارات اللغوية يكون أبطأ من طفل آخر ليس لديه أخ أكبر منه سنًّا. كما يرتبط عدد الأشقاء لدى الطفل سلبًا بمهاراته الكلامية، ربما بسبب التنافس على اهتمام الوالدين؛ فلدى كل أسرة عدد محدود من الموارد لتوزيعها بين الأشقاء، وكلما زاد عدد الأشقاء كانت الموارد المخصصة لكل طفل أقل. ويمكن أن تكون هذه الموارد مادية، أو شخصية، على سبيل المثال توفير الاهتمام أو التدريس. لذا بحثت دراسة حديثة، نشرتها دورية سيكولوجيكل ساينس، أثر الأشقاء الأكبر سنًّا على تطور اللغة لدى الطفل الأصغر.

نظرت الدراسة في جنس الأشقاء، وفارق العمر، وأجرى الباحثون مقاييس لغوية عند عمر سنتين وثلاث وخمس إلى ست سنوات على نحو 1276 طفلًا فرنسيًّا. وقارنوا بين الأطفال الذين ليس لهم أخ أو أخت والأطفال الذين لديهم إما أخ أكبر أو أخت كبرى. وجدت الدراسة أن الطفل الذي لديه أخ أكبر لديه مهارات لغوية أقل بكثير من الطفل الذي ليس لديه أخ على الإطلاق، وأن الطفل الذي لديه أخت كبرى لديه مهارات لغوية أفضل من الذي لديه أخ أكبر، ويتساوى مع الطفل الذي ليس لديه أية أشقاء على الإطلاق. ولم يجد الباحثون علاقةً بين فارق العمر بين هؤلاء الإخوة والمهارات اللغوية.

التفاعلات الفردية

تفسر الدراسة النتائج بأن الخطاب الموجه من البالغين إلى الأطفال، خاصةً التفاعلات الفردية، يعزز تعلم اللغة، ومع وجود عدد من الأشقاء الأكبر سنًّا، قد تنخفض قدرة الوالدين على قضاء وقت واحد مع كل طفل على حدة، وقد يكون الأبوان أكثر استجابةً للطفل الأكبر. مثلما يظهر التبايُن في الثقافات المختلفة من ناحية الطريقة التي يخاطب بها الآباء أطفالهم الصغار، كما يقول فرانك راموس -الباحث بالدراسة- حيث يتحدث الآباء ذوو الخلفية الاجتماعية والاقتصادية العالية بشكل مكثف مع أطفالهم، بعكس الآباء ذوي الوضع الاقتصادي الأقل.

لكن الدراسة تشير إلى أن هناك دراسات أخرى أثبتت أن وجود أشقاء أكبر سنًّا يؤثر بشكل إيجابي على مهارات التواصل الاجتماعي، والقدرة على الانضمام إلى المحادثات وغيرها. بالإضافة إلى ذلك في العائلات ثنائية اللغة يمكن أن يكون الإخوة الأكبر سنًّا نماذج إيجابية للغة الثانية؛ إذ إن مهاراتهم في اللغة الثانية قد تكون أفضل من الآباء والأمهات، ويميلون إلى استخدام اللغة الثانية مع إخوتهم الأصغر، لذا يمكن أن تكون المدخلات والتفاعلات مع الأشقاء مفيدة.

كما قد تسهم الأخوات الأكبر سنًّا في تنمية لغة الأخ الأصغر، إذ تكون الأخوات الأكبر سنًّا أكثر استعدادًا، أو مدرَّبات على العمل كمقدمي رعاية تدريبًا أفضل من الإخوة الأكبر سنًا، أو بكل بساطة أكثر رغبةً في التحدث واللعب، وبالتالي يكنَّ أكثر قدرةً على تقديم مُدخَلات لغوية ذات جودة للطفل الأصغر. كما أن الفتيات الصغيرات أكثر تقدمًا في اللغة من الأولاد في العمر نفسه، أو قد يكون الأخ الأكبر أكثر إرهاقًا للآباء من الأخت الكبرى على حساب الأخ الأصغر، إذ أثبتت الدراسات أن أمهات الأولاد الرضع يعانين من الإجهاد أكثر من أمهات الفتيات الرضع.

يفسر "راموس" ذلك بقوله: "إن الأولاد قد يطلبون مزيدًا من الاهتمام والموارد من آبائهم، ما يترك القليل للطفل الجديد، وأيضًا قد يكون الإخوة الأكبر سنًّا أكثر ميلًا إلى التنافس مع الأشقاء الأصغر سنًّا وأقل ميلًا إلى التحدث إليهم من الأخوات الأكبر سنًّا، وهو الأمر الذي يحتاج إلى مزيد من الدراسات المستقبلية لشرح تأثير الأخ الأكبر".

الفجوات العمرية

 هناك مسألة أخرى تتطلب التدقيق والبحث، وهي التأثير المقارن للفجوات العمرية الصغيرة والكبيرة بين الأشقاء، فقد توقع الباحثون في بداية العمل على الدراسة أن الفجوة العمرية الكبيرة أفضل من الفجوة العمرية الصغيرة، على أساس أن الأشقاء الذين بينهم فجوة عمرية صغيرة قد يتنافسون من أجل طلب رعاية الوالدين.

تذكر ناعومي هافرون، الباحثة بالدراسة، أن المقارنة بين الثقافات يمكن أن تلقي مزيدًا من الضوء على هذا، إذ تفسر ذلك بأن اللغة تتشكل إلى حدٍّ كبير عن طريق الثقافة، وهي التوقعات الثقافية للأدوار بين الجنسين، مضيفةً: "تخيل مجتمعًا  له أدوار صارمة جدًّا بين الجنسين، فمن المتوقع أن تتصرف الأخوات الأكبر سنًّا مثل الأمهات الصغيرات، بينما يتجاهل الإخوة الأكبر سنًّا إخوتهم الصغار، في هذا المجتمع، نتوقع أن نرى فرقًا أكبر بين طفل ذي أخت كبرى وآخر ذي أخ أكبر".

فلا يمكن للثقافة تحديد الأدوار الجنسانية للمجتمع فقط، بل يمكنها أيضًا التأثير على آثار الفجوة العمرية. توضح "هافرون": "تخيل أختًا تبلغ من العمر 13 عامًا مع شقيقها الأصغر في الثانية من العمر، في فرنسا قد تكون الأخت الكبرى مشغولةً بالعمل والأنشطة المدرسية، ونادرًا ما تكون في المنزل للتفاعل مع الطفل، لكن في ثقافة مختلفة، قد يكون لديها عددٌ أقل من الأنشطة، ويُتوقع منها أن تساعد في المنزل أكثر من ذلك".

ويفيد "راموس" أن التأثير خاص بالأشقاء الذكور، ما يعني أننا نتعامل بشكل خاص مع تأثير الأخ الأكبر، وهذا التأثير لا يبدو أنه يتلاشى مع الوقت".

تنوه الدراسة بأنها أُجريت على الأطفال الفرنسيين، وقد لا تُعمَّم نتائجها على الثقافات الأخرى. ونظرًا للتأثير الرئيسي للثقافة على أدوار الأسرة، يسعى الباحثون لتوسيع تحقيقاتهم؛ لتشمل سلسلة من المقارنات بين الثقافات.

ظروف الدراسة

وفي دراسة مماثلة، نشرتها دورية فرونتييرز سايكولوجي، أُجريت على نحو 1209 من الأطفال ذوي الخلفيات غير المتجانسة عرقيًّا، درس الباحثون أثر وجود إخوة لدى الطفل وترتيب الميلاد ووجود أخ أكبر في سن المدرسة على المهارات اللغوية للغة الثانية في العائلات ثنائية اللغة.

وجدت الدراسة علاقةً عكسيةً بين عدد الأشقاء ومهارات اللغة الثانية، فكلما زاد عدد الإخوة والأخوات قلَّت إجادة الطفل الأصغر للغة الثانية.

لا يتفق محمود الوصيفي -أستاذ الطب النفسي وعلاج الإدمان بكلية طب جامعة المنصورة- مع نتائج هذه الدراسات، قائلًا: "إن ذلك غير مثبت علميًّا بشكل قاطع، وبالتالي تفسر كل دراسة نتائجها في إطار ظروف هذه الدراسة، ولا تعمم نتائجها إلا بعد تكرار النتائج، وفِي ظروفٍ وبيئات مختلفة". 

يرى "الوصيفي" أن وجود أكثر من طفل في أسرة واحدة هو في حد ذاته عامل محفِّز للنمو اللغوي؛ لأنه يساعد في الاندماج الاجتماعي فيما بينهم، وزيادة القدرة على التواصل.

ينصح "الوصيفي" بتقليل عدد ساعات استخدام الهواتف اللوحية "التابلت" والهواتف المحمولة إلى أقل وقت ممكن للأطفال الأكثر من ٣ سنوات، أما الأصغر من ذلك فيفضل منعها تمامًا، وكذلك أفلام الكرتون، وكذلك، يجب على الآباء الاهتمام بمنع تنمُّر الإخوة الأكبر على الإخوة الأصغر؛ لمنع الضرر النفسي الناتج من ذلك، كما أن وجود جو هادئ بين الأبوين في المنزل يقي من كثير من اضطرابات القلق، وما قد ينشأ عنها من اضطرابات لغوية، مثل التلعثم.

في حين تؤكد آية ماجد -مدرس مساعد أمراض المخ والأعصاب والطب النفسي بجامعة الإسكندرية- أنها لم تلحظ ما تخبر به الدراسة في ممارستها العملية، وتضرب مثلًا بحالة إصابة الطفل الأكبر بمرضٍ ما، مثل اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، والتوحد، فذلك يؤثر على الأهل وتركيزهم، ما يضر بالطفل الأصغر.