لا يزال مصطلح أكل لحوم البشر Cannibalism يثير القشعريرة لدى أغلب الناس، وهي قشعريرة ترتبط بعدم تصديق بلوغ البشر هذه الدرجة من الشناعة، مهما كانت الظروف الدافعة إلى أن يأكل الإنسان لحم أخيه الإنسان. وعندما استُعير هذا المصطلح لوصف أكل الحيوانات لبنات جنسها، توسَّع معناه ليصير "أكل المثيل"، لكنه ظل مثيرًا للنفور، ودليلًا على فظاعة السلوك برغم تسويغ لجوء بعض الحيوانات إليه لحتميات بيولوجية لا هامش للاختيار فيها.

     ولم يكن الجراد موصومًا من العلماء بهذه الخصلة إلا متأخرًا. إلا أنه ومنذ عشر سنوات فقط، بدأ نشر الأوراق العلمية التي تخبرنا أن "الجراد ينطلق في أسراب مليونية، بل بليونية الأعداد، ليس بحثًا عن مناطق خضراء جديدة يدمرها ليشبع بها نهمه، فقط، بل أيضًا -وأساسًا- للهروب من مصير أن يكون كل فرد فيها فريسةً لفرد آخر من جنسه (طالع الفيديو)، ففي 6 يونيو 2008 نشر موقع "إيه بي سي ساينس" مقالًا عن بحث دولي اشترك فيه عدد من العلماء الأمريكيين والإنجليز والأستراليين، كشف أن الجراد الصحراوي يشكل أسرابًا مرتحلةً للحفاظ على مسافات فاصلة بين أفراده تحول دون أن يقضم أحدُهم غيرَه من الخلف.

وأفاد "جريج سوارد" -العالِم المُشارك في البحث الدولي من كلية العلوم الحيوية بجامعة سيدني- أنهم للتيقن من هذه الظاهرة حشدوا في ساحة قطرها 80 سنتيمترًا مجموعةً كبيرةً من الجراد الغض (أي الذي لم يكتمل نمو أجنحته والعضلات المحركة لهذه الأجنحة)، واستخدموا برنامجًا حاسوبيًّا لتحليل الحركة؛ لتحديد موضع كل حشرة في هذه المجموعة وتوجُّهها.

كما اختاروا مجموعةً أخرى وقطعوا في أفرادها العصب الرئيسي في البطن المتصل بالمستقبلات العصبية التي تجعلهم يستشعرون ما يقترب من ورائهم (دون أن يَعوق ذلك قدرتهم على الحركة).

ولاحظوا أن أفراد المجموعة الأولى ما إن شعروا بالازدحام في ساحة التجربة حتى أسرعوا يتحركون مبتعدين عمَّن وراءهم، صفوفًا صفوفًا، ككتلة واحدة، وفي اتجاه واحد، وكأنهم جيش بلا قائد! أما أفراد المجموعة الثانية فلوحظ أن أفرادها لم يسارعوا بالابتعاد مع اقتراب آخرين من ورائهم.

الرعب يأتي من الخلف

    استخلص الباحثون من التجربة، أن الجراد يندفع في حركة هروبية عندما يرصد غيره يقترب من ورائه، خيفة أن يبدأ هذا الغير بالقضم الذي ينتهي بالالتهام الكامن في غريزة الجراد. وأن هذه الحركة الهروبية على المستوى الفردي تُشكِّل نسقًا من الزحف الجماعي، فعندما يهرب فرد خوفًا من أن يفترسه المقترب خلفه، فإنه يقترب بدوره من الذي أمامه، فيعاجل هذا بالهروب، وهكذا تنشأ حالة "تأثير الدومينو"، التي تجعل المجموعة كلها متحركةً إلى الأمام في تَعاقُب.

أما الحركة في اتجاه واحد فيفسرها "سوارد" بقوله: "إذا كان لديك ملايين الأفراد يتحركون في اتجاه واحد، فهذا سببه أن مَن يُغيِّرون اتجاههم سيجدون أنفسهم يتلامسون مع آخرين، وهذا ما يتحاشونه خشية أن يصيروا غذاءً لغيرهم".

     هذا البحث الرائد لم يكن كشفًا جديدًا عن حقيقة "أكل المثيل" كطبيعة كامنة لدى الجراد إذا جاع، فهو أمر معروف ببديهة الملاحظة البشرية من قديم، كما لدى علماء الجراد المُحدثين، أما الجديد فكان اكتشاف أن الخوف من هذه الطبيعة الكامنة هو المُشكِّل لسلوك الجراد في مرحلتيه الانفرادية والاحتشادية.

 ففي المرحلة الانفرادية يميل الجراد إلى التباعد والعزلة خيفة أن يلتهمه آخر من جنسه، وفي المرحلة الاحتشادية التي يحدث فيها "انفجار سكاني" إثر سقوط أمطار استثنائية على أماكن توالُد الجراد القاحلة، فيُشكل الخوف من الافتراس المُتبادل دافعًا للحركة الهروبية إلى الأمام وفي اتجاه واحد، ومن ثم تُغلَق الصفوف وتضيق المسافة بينها، ولا يزال الجراد غضًّا بعد، بلا أجنحة نامية ولا عضلات قوية تحركها، ومن هذا التراكم الذي يتكوَّن بتأثير الدومينو، يُشكل حشد الجراد المُندفع قطيعًا.

 لهذا لا يحسُن وصف الجراد وهو بَعدُ على الأرض بأنه سرب، بل قطيع، فهو "قطيعي" gregarious، ومع اتساع حركته الهروبية الجمعية المتراكمة، حين تكون الأجنحة وعضلاتها قد نمت كفاية، لا يصير أمامه إلا أن يُقلع عن الأرض إلى الهواء بقوة الدفع وزخم الحركة momentum وفي جماعات يلحق بعضها ببعض، فيتكون السرب swarm، ويظل يلازم أفرادَه خوفُ بعضهم من بعض، فيكون استمرار الطيران فرصة، ليس فقط للبحث عن أرض خضراء جديدة لالتهام خضرتها حتى آخر وُريقة ثم الانتقال إلى غيرها، ولكن للحفاظ على مسافات أمان في الجو تعوق الغدر المُباغِت للمقتربين من الخلف.

مفزوع ينشر الفزع

     لم يكن هذا البحث الدولي الرائد عام 2008 إلا بدايةً أشار إلى غايتها "سوارد" بقوله: "إن نتوصل إلى ما يساعد على تقليل الدمار الذي تسببه أسراب الجراد لواحد من كل عشرة أفراد من البشر، فمعرفة ما يدفع الجراد إلى ذلك التحرك الجماعي يوفر نماذج مرشدة لتوقُّع توقيتات واتجاهات انطلاق أسراب الجراد المدمرة، وعندما نعرف ذلك تكون المكافحة أنجح".

وبحثًا عن هذا النجاح المأمول، اتجهت الأبحاث العلمية الأحدث نحو الحصول على المزيد من التفاصيل الأدق في تكوين أسراب الجراد وسلوكها للعثور على ثغرة تلجها المكافحة الأكثر نجاحًا، ومن ذلك ما تم نشره في 23 يناير هذا العام- 2019 في دورية ساينس أدفانسز عن بحث قاده "كانج لي" من معهد علم الحيوان بالأكاديمية الصينية للعلوم، الذي أثبت أن الخوف المتبادل بين أفراد الجراد خشية أن يأكل بعضهم لحم بعض إذا جاعوا، ليس سمةً منفردة لدى هذه الحشرات في سلوكها القطيعي أو السربي، فثمة خوف آخر من مفترسين خارجيين يمكن أن ينالوا من الجراد وهو بعيد على الأرض أو عندما ينطلق مرتحلًا في الهواء.

 إذ تبيَّن أن هناك جينًا تم تحديده، له تعبيرات وقائية عديدة مترابطة، تبدأ بتكوين النقاط الصفراء الداكنة والمُحمرَّة التي تظهر على جسم الجراد عند تحوُّله من انفرادي مسالم إلى احتشادي مُهاجم، وهي بمنزلة تحذير لوني يقول للمفترسين المحتملين للجراد على الأرض، ولآخرين في الجو: "احذروا .. في جسمي سم قاتل"، وإضافة إلى هذا التحذير اللوني ثمة تحذير شمي مرتبط بالجين ذاته الذي يعمل على إفراز مادة "فينيل أسيتو نيتريل" الطيارة PAN في أجساد الجراد لتنشر رائحة تحذيرية للطيور التي يمكن أن تهاجم أسراب الجراد في الهواء، ويرتبط بهذين التحذيرين وجود فعلي لسم الهيدرو سيانيد HCN في أنسجة وسوائل أجسام الجراد يُفرَز حال طيرانه والانخراط في السرب بإشارة من الجين ذاته لتخليق هذا السم من مادة PAN نفسها.

مسار متسلسل يبدأ بالزحام

    يا لها من إستراتيجية وقائية هائلة ومُتكاملة، تكتنزها أجساد هذه الحشرات التي تنشر الفزع في نفوس البشر، بينما هي محكومة بفزع مركب، من بعضها البعض، ومن غيرها على الأرض، أو في السماء. فهل يكون إجهاض ما يصنع الخوف هو الثغرة التي تُفضي إلى مكافحة أحدث، وأنجع؟

      إن كل ما سبق كان للوصول إلى آلية اللحظة المفصلية التي تجعل حشود الجراد تتحول إلى قطعان تزحف تدميرية على الأرض وأسراب تهبط تخريبية من الهواء، وهي آلية قوامها الخوف. لكن هذه اللحظة المفصلية، ثبت أنها ليست إلا نهاية مسار متسلسل، بدأ بالزحام! فكم هو خطيرٌ الزحام. كل زحام. وكم هو حكيمٌ قطع الطريق على استتباب وتفاقم الزحام.