في صباح السابع من أكتوبر من عام 2015، رن جرس الهاتف في منزل العالم السويدي توماس ليندال ليجد على الطرف الآخر الأكاديمية السويدية تبلغه بخبر حصوله على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2015 مع زميليه بول مودريتش وعزيز سانكار.

لم يكن خبر حصوله على نوبل مفاجئًا بالنسبة له، فهو يعلم أنه أحد أهم العلماء في مجاله البحثي. وفي أول حوار بعد حصوله على نوبل، قال "ليندال" إنه محظوظ لأنه واحد من ثلاثة باحثين اختارتهم لجنة نوبل للحصول على الجائزة في مجال يضم من 10 باحثين إلى 15 باحثًا، جميعهم شديدو التميز.

التقت "للعلم" بالعالِم المرموق خلال مشاركته بالدورة 68 للاجتماع السنوي لعلماء نوبل وشباب الباحثين بمدينة لينداو الألمانية، وكان لنا معه الحوار التالي.

-للعلم: لكل إنسان مَثَل أعلى أو شخص ألهمه خلال مشوار حياته فجعل منه الشخص الذي هو عليه، مَن الذي ألهم توماس ليندال؟

-توماس ليندال: المعلمون في المدرسة هم مَثَلي الأعلى. لا شك أن تجارب الإنسان التي يحياها في فترة الطفولة تترك آثارًا على شخصيته، وقد تقوده للنجاح أو الفشل، وسعيد الحظ هو مَن يجد حوله في طفولته أشخاصًا يكونون له بمنزلة مصدر إلهام.

فوجود معلمين مؤثرين في المدرسة أمر في غاية الأهمية. وقد كنت محظوظًا بالقدر الكافي؛ إذ التحقت بإحدى المدارس الثانوية التي تضم معلمين على أعلى مستوى من الإنسانية والحرفية، والدليل أن زملاء الدراسة أصبح العديد منهم أسماءً لامعة في مجالات مختلفة.

وأعتقد أن البلاد النامية مثل مصر فيها مواهب عديدة، ولكن من دون معلمين جيدين يعطون النصيحة ويرشدون تلاميذهم إلى الطريق الصحيح، المعلمون قاطرة التنمية، ومن دونهم لن يستطيع هؤلاء أن يبنوا لأنفسهم مكانة عملية مرموقة.

-من وجهة نظرك هل طريقة تدريس العلوم في المدارس تجعل منها مادة صعبة ومملة فلا تستهوي العديد من التلاميذ؟

-لا أعتقد ذلك. في كل مكان في العالم هناك مَن يهوى العلوم ومَن لا يهواها... في بعض الأماكن هناك مَن يشجع المعلمين على ابتكار طرق جديدة وممتعة للتدريس، وقد ينظمون مسابقات للمعلمين في هذا السياق، ويوزعون جوائز، ويحكم في تلك المسابقات التلاميذ أنفسهم، فيتكوَّن لدى المعلم الحافز للإبداع.

مما لا شك فيه أن تدريس المواد العلمية يكون أكثر إمتاعًا اذا ما اقترن باجراء التجارب في المعمل، التجربة ممارسة في غاية الأهمية بالنسبة لدارسي العلوم، فلا يمكن لطالب الطب مثلًا أن يحمل لقب طبيب إذا لم يكن قد رأى مرضى حقيقيين في أثناء فترة دراسته وسمع شكواهم واختبر الكشف عليهم بنفسه.

-لقد اخترت مجالًا بحثيًّا -"إصلاح وترميم الحمض النووي"- لا يحظى بالاهتمام الذي يتناسب وأهميته، لدرجة أنك كنت متشككًا أن ينال نوبل أي باحث في هذا المجال. نريدك أن تشرح ببساطة للقراء الكشف الذي أدى إلى حصولك وزملائك على نوبل.

-باختصار شديد لقد وفر عملنا معرفةً أساسية حول كيفية عمل الخلية الحية وكيفية استخدامها لتطوير علاجات جديدة للسرطان. وفي أثناء دراستنا أنا ومجموعة من الزملاء للحمض النووي (المادة الوراثية في الخلايا) وجدناه أقل استقرارًا بكثير مما افترضه علماء الجينات.

في السابق، افترض الباحثون أن تشفير الحمض النووي بما يحمله من معلومات وراثية جينية يجعله مستقرًّا بشكل كبير، ولكن ثبت أن هذا ليس صحيحًا. فالحمض النووي أو "الدي-إن-إيه" مركب بيولوجي معقد مكون من جزيئات دقيقة في خلايانا. والخلايا تتعرض طوال الوقت للإشعاعات والطفرات نتيجة للبيئة المحيطة كملوثات الماء والهواء والأشعة فوق البنفسجية، لذا فإن الحمض النووي يتعرض لعوامل مختلفة تؤدي إلى حدوث تلف فيه، وتجعله غير مستقر بالصورة التي افترضها الباحثون في الماضي.

وهل الابتعاد قدر الإمكان عن الملوثات يمكن أن يجنِّبنا تلف الحمض النووي؟

-هناك أشياء في الحياة لا يمكن أن نبقى بمعزل عنها، مثل التعرض لأشعة الشمس مثلًا، وبالتالي لن نستطيع تفادي تبعاتها، لذا وجدت الخلايا نفسها مضطرةً إلى تطوير إستراتيجيات مختلفة للتعامل مع أي تلف يحدث للحمض النووي، سواء بالإصلاح أو بالقمع.

وهل توجد طريقة واحدة لإصلاح الحمض النووي؟ وهل لذلك من تبعات؟

-الحمض النووي يمكن أن يتضرر بعدة طرق يختلف بعضها عن بعض، وتكون طريقة الإصلاح مختلفة كذلك. لذا لا توجد طريقة أو آلية واحدة فقط لإصلاحه بل عدة آليات. وقد اكتشفناهم تباعًا واحدةً تلو الأخرى، مما يجعله موضوعًا محفزًا للغاية بالنسبة لعلماء الكيمياء الحيوية.

وتلك الآليات تكون في الغالب معقدة وليست سهلة بالمرة، ولكن يمكن أن ننفذها بطرق مختلفة. يمكننا ببساطة أن نحدد المنطقة التي حدث فيها التلف في الحمض النووي ونستأصلها، ولكن بما أن معظم التلف يصيب القواعد النيتروجينية –الحروف التي تكوِّن الحمض النووي والتي تحمل المعلومات الجينية- فإن استئصال الجزء التالف لا يتسبب في الغالب في كسر سلسلة الحمض النووي، لكنه قد يتسبب في فقدان المعلومات الوراثية، وعلينا أن نكون مدركين لذلك تمامًا.

وهل عملية إصلاح الحمض النووي عملية مكلفة؟

-إصلاح الحمض النووي يتم الآن في كل مكان في العالم بتكلفة معقولة، ويمكننا ممارسة عمليات الإصلاح في النباتات على سبيل المثال، فالتجارب ليست صعبة ولا مكلفة.

وعلى سبيل المثال، يمكننا -بمنتهى السهولة- إنبات مختلِف النباتات في المعمل وتعريضها للعوامل التي تسبب أضرارًا للحمض النووي، ومن ثم بدء تجارب الإصلاح.

 الشيء الجيد أن آلية إصلاح الحمض النووي للنبات والإنسان تقريبًا واحدة. فقبل البدء في دراسة الخلايا البشرية، من المفيد جدًّا أن يكون لدينا بعض النظم النموذجية التي يسهل فهمها والتعامل معها، فنحن لا نستطيع أن نجرب كل شيء على البشر ولا حتى على الفئران بسبب التكلفة العالية لإجراء التجارب على الخلايا الحيوانية، لذا فمن العملي أن تتم تجربته على كائنات أحادية الخلية.

في ظل المناخ السياسي السائد في جميع أنحاء العالم، كيف ترى مستقبل العلوم؟

نحن في وقت صعب. فالقادة السياسيون يقدمون مثالًا سيئًا حين لا يضعون البحث العلمي ضمن الأولويات، ونرى ذلك واضحًا في الولايات المتحدة على سبيل المثال، إذ إن الرئيس الأمريكي لديه أولويات أخرى ويريد أن يحد من تمويل البحث العلمي لصالح أبحاث الأسلحة، وإذا صوت المواطنون على ذلك فسوف نلاحظ تقدمًا أقل في مجالات العلوم، وهذا يعني عرقلة تطوير علاجات جديدة.

Lelelm 2018

برأيك هل يستطيع العلماء أن يفعلوا شيئًا حيال ذلك؟

-الوضع ليس سهلًا؛ فالباحثون الشباب ممن يتمتعون بالطموح والجدية يكونون شديدي الانشغال. فالبحث العلمي يستغرق الكثير من الوقت ويستلزم الكثير من الممارسة والتجربة، وبالتالي ليس لدى هؤلاء الشباب الوقت للخروج في مظاهرات بغرض إقناع الشعوب بأن توفير أموال الضرائب عن طريق تقليص البحث العلمي هو أمر في غاية الخطورة.

أنا شخصيًّا بوصفي أحد الحاصلين على نوبل أقوم بالفعل بالتوقيع على العديد من الالتماسات المناهضة لهذا الفكر، ولكنني أيضًا ليس لديَّ الوقت الكافي لأمسك لافتة في مظاهرات مؤيدة لزيادة الإنفاق على البحث العلمي.

الحديث عن التوعية بأهمية دعم البحث العلمي يأخذنا للدور الذي يؤديه الصحفيون العلميون في هذا الصدد؟ فهل ترى هؤلاء يقومون بهذا الدور على ما يرام؟

-الإعلام العلمي بالفعل يقوم بدور مهم في نشر العلوم ونتائج الأبحاث، وأنا دائمًا أقدِّر محاولات الصحفيين التعرُّف على ما أُجريه من أبحاث، ولم تكن لديَّ مطلقًا أية حساسيات من التحدث للإعلاميين، رغم أنني لم أكن أفعل ذلك كثيرًا.

سعيد جدًّا لأني أرى حاليًّا أن بعض العلماء مهتم بالتحدث كثيرًا إلى وسائل الإعلام؛ لأنني أدرك تمامًا أهمية أن تخرج رسالة العلماء إلى النور.

ومع ذلك يمكنني القول بأن التغطيات العلمية في الجرائد اليومية لا تزال قليلةً بالمقارنة بكَم الأبحاث العلمية التي تخرج للنور يوميًّا في شتى المجالات. أشعر بالأسف في الحقيقة لأن الجرائد تسلك الطريق السهل وتهتم بما يريده القارئ أكثر من اهتمامها بإلقاء الضوء على التطور الذي يحدث في مختلف مجالات البحث العلمي!

هناك دوريات علمية هي المنوط بها نشر كل جديد في مجالات البحث العلمي، فكيف ترى النشر العلمي؟

-النشر العلمي مشكلة كبيرة. فالباحثون الشباب، خاصة من بعض مناطق العالم التي لا تقع في بؤرة التركيز، تضيع عليهم فرص النشر مقارنة بأقرانهم من مناطق أخرى حتى وإن كانوا يعملون على الكشوفات المهمة الحديثة والساخنة ذاتها، مثل "كريسبر" على سبيل المثال.

بما أن الحديث قد أخذنا في طريق الباحثين الشباب، ما هي نصائحك لهم؟

-نصيحتي ألا يحاولوا إجراء بحث علمي عالي التكلفة. لو أراد أحدهم دراسة بعض أشكال السرطان فهو يحتاج إلى التجربة على الحيوان وهذا مكلف. لدراسة الخرف على سبيل المثال، يحتاج الباحث إلى التجربة على البشر وهذا أيضا مكلف جدًّا ومعقد، لذا نصيحتي أن يركز شباب الباحثين على النظم النموذجية البسيطة مثل الخميرة والإيكولاي مثلًا. فلا يزال هناك الكثير من المشكلات الأساسية المتعلقة بفهم وظائف الخلايا والتي يمكن حلها باستخدام نماذج النظم الكلاسيكية، والشيء الجيد في ذلك أن الباحث يمكنه الحصول على ما يحتاجه من تلك البكتيريا، فهي رخيصة وسهلة النمو في المعمل، ويمكنه بالفعل متابعة أبحاثه دون الحاجة إلى الحصول على منحة بحثية ضخمة، كما يمكنه التوصل إلى نتائج تفيد البشرية.