حددت دراسة حديثة ثلاث توصيات لصياغة رسائل تصحيحية أكثر فاعلية في مواجهة انتشار المعلومات المضللة، تضمنت مشاركة الإعلام والجمهور وصانعي القرار.

اعتمدت الدراسة -التي أجراها فريق بحثي من جامعتي إلينوي وبنسلفانيا الأمريكيتين- على منهجية التحليل التجميعي أو البعدي Meta-analysis، التي تقوم على التقييم المنهجي لدراسات سابقة تناولت الموضوع نفسه واستخلاص نتيجة عامة منها، وقد شملت بالتحليل 20 تجربة تضمنت 6878 مشاركًا، وهي التجارب التي أُجريت بين عامي 1994 و2015.

تَقصَّت الدراسة -التي نشرتها دورية جمعية العلوم النفسية- العوامل الكامنة وراء فاعلية الرسائل التي تسعى لتقويم السلوكيات والمعتقدات التابعة لتلقِّي المعلومات المضلِّلة، نظرًا لما يؤدي إليه تلقِّي مثل هذا النوع من المعلومات من قرارات مستقبلية خطأ يصعب تصحيحها.

وارتكزت الدراسة على ثلاثة متغيرات رئيسية، هي: التضليل، والتصحيح، وقدرة المعلومات المضلِّلة على الاستمرار، وتوصلت إلى أن قدرة المعلومات المضلِّلة على مقاومة رسائل التصحيح تزداد حينما يولِّد الجمهور أسبابًا تدعم المعلومات المضلِّلة التي حصلوا عليها أولاً.

كما توصل الفريق البحثي إلى نتيجة مفاجئة، وفق وصفه؛ إذ ارتبط تقديم رسالة تصحيحية مفصلة إيجابيًّا مع مُعامل التصحيح ومع مُعامل استمرار التضليل أيضًا، أي أن الرسائل التصحيحية استطاعت التقليل من مصداقية المعلومات المضللة غير أنها لم تستطع وقف انتشارها.

وأشار فريق البحث إلى أن "ذلك قد يعود إلى أن عينات رسائل التضليل في الدراسات التي خضعت للتحليل كانت طويلة ومفصلة أيضًا على نحوٍ مَنَحها قدرةً على مقاومة التصحيح".

ثلاث توصيات

وانتهت الدراسة إلى ثلاث توصيات لصانعي القرار: الأولى بعدم منح الفرصة لإثارة الجدل والنقاشات الداعمة للمعلومات المضللة، والثانية بأن تتضمن رسائل التصحيح معلومات مفصلة وجديدة دون الاكتفاء بمجرد تكذيب المعلومة المضللة، والثالثة إشراك الجمهور في مكافحة المعلومات المضلِّلة ونشر الوعي.

تقول سالي تشان -الأستاذ المساعد بقسم علم النفس في جامعة إلينوي، والباحث الرئيسي في الدراسة- لـ"للعلم": "إن الحسابات الإخبارية لا ينبغي أن تعيد بث المعلومات المضللة ولا تكرارها، ولا مناقشة حجج وأفكار داعمة لها؛ إذ إن ذلك يساعد في بناء بيئة داعمة للتضليل".

وتوضح أن "مواجهة التضليل يجب أن تتضمن تقديم معلومات وأدلة جديدة دون الاكتفاء بوصم المعلومات الأولى بـ"عدم الصحة"؛ إذ تقل احتمالات قبول الناس لرسائل التصحيح إذا جرت بوضع لافتة "غير صحيح" على تلك المعلومات دون مواجهتها بدليل جديد".

وتضيف تشان لـ"للعلم": من المفيد أن يكون الجمهور جزءًا من عملية توليد الحجج المضادة للتضليل، كما يجب على المؤسسات التعليمية تعزيز حالة من "التشكك الصحي"، فيما تضطلع وسائل الإعلام -وكذلك صانعو القرار- بتشجيع الجمهور على الانخراط في "مشاركة مفعمة بالأفكار"، مثل كتابة التعقيبات وتوجيه الأسئلة وإدارة المحادثات.

وتضيف تشان: الحد من المعلومات المضلِّلة أمر صعب حتى مع استخدام رسائل التصحيح المفصلة، وفق ما توصلت إليه الدراسة، ما يجعل من الضروري إجراء مزيد من الأبحاث المستقبلية لفهم أسباب استمرار التضليل، وكذلك نظريات المؤامرة وارتباطها بمُخرَجات الاتجاهات والسلوك.

غرف صدى الصوت

وإذا كانت تلك الدراسة قد اتخذت مدخلاً نفسيًّا للتحليل، فقد سبق أن قدمت فابيانا زولو -الباحثة بكلية آي إم تي التكنولوجية بمدينة لوكا الإيطالية- دراسةً متخصصة في انتشار المعلومات المضللة عبر فيسبوك، استخدمت فيها الأساليب الحاسوبية المتقدمة لتحليل البيانات الضخمة، إذ أخضع فريق البحث 54 مليون مستخدم للشبكة الاجتماعية من يناير 2010 إلى ديسمبر 2014، للتحليل الآلي الكمي؛ بهدف المقارنة بين المستخدمين الذين اعتادوا استهلاك معلومات علمية، والمستخدمين المستهلكين لمعلومات غير علمية مثل تلك ذات الطابع التآمري، من حيث تفاعلهم مع أكثر من 50 ألف منشور تصحيحي.

وتوصلت الدراسة إلى وجود ما سمَّته الدراسة "غرف صدى الصوت"، والذي تقصد به تلك المجتمعات التي تحمل سمة موحدة ويتفاعل أعضاؤها المتوافقون بعضهم مع بعض فيما اعتبره الباحثون نوعًا من القبلية الرقمية، وأسفر التحليل عن أن مستهلكي المحتوى العلمي كانوا أكثر تفاعلاً مع رسائل التصحيح، فيما حقق الفريق الآخر معدل تفاعل أقل أعقبه معدل مرتفع من التعقيب وإبداء الإعجاب في المنشورات التآمرية. 

بناء الثقة مع الجمهور العام

ويعقب الدكتور خالد حنفي -الباحث في العلوم السياسية بمجلة السياسة الدولية- بأنه "من اللازم الالتفات لسياق التجارب العلمية التي أخضعتها الدراسة الأمريكية للتحليل؛ إذ إن السياق المجتمعي بكافة مكوناته يؤدي دورًا كبيرًا في إتاحة الفرصة أمام انتشار المعلومات المضللة من ناحية وعناصر بناء رسائل التصحيح من ناحية أخرى".

يضيف "حنفي" لـ"للعلم": توظيف المعلومات وتَراجُع التعليم وضعف مستوى الثقافة والوعي العام، كلها عناصر تخلق بيئة ملائمة لانتشار المعلومات المضللة، فضلاً عن تشظِّي مصادر المعلومات وطرق روايتها مع انتشار الإعلام الجديد، مشددًا على أهمية التعامل مع المعلومات الكاذبة في ضوء مفاهيم إدارة الأزمات بما تتضمنه من إجراءات استباقية واحترازية قوامها بناء الثقة مع الجمهور العام.

قلق عالمي

ويبدو أن قضية انتشار المعلومات المضللة باتت مصدر قلق عالمي، حتى إن تحالفًا دوليًّا غير ربحي تشكل عام 2015 تحت اسم "فيرست درافت نيوز" بهدف مكافحة انتشار المعلومات المضللة عبر الوسائط الرقمية، يضم جناحًا أكاديميًّا لإجراء أبحاث لاستقصاء بيئة التضليل الرقمي، يشتمل على 32 مؤسسة أكاديمية حول العالم، منها جامعة هونغ كونج، وجامعة ويتس في جوهانسبرغ، وجامعة يو تي إس في سيدني، وجامعة دبلن سيتي، وعدد من المؤسسات التعليمية في المملكة المتحدة والولايات المتحدة.

وكشف الباحثون في مشروع "فيرست درافت" أن "الشائعة بمفهومها التقليدي لم تعد المحتوى المضلِّل الوحيد على الشبكة، وإنما تنوعت أساليب التزييف والتضليل في بيئة المعلومات، مثل المحتوى الملفق وهو محتوى غير صحيح في معظمه ويهدف للخداع والأذى، والمحتوى المزور الذي ينتحل هوية المصادر الحقيقية، والمحتوى المضلِّل الذي يستخدم المعلومات بطريقة مضللة لتوجيه الاتهام زورًا، فضلاً عن التلاعب بالمحتوى والسياق المزيف والربط المزيف بوضع عناوين أو صور ليس لها صلة بالمحتوى، وأخيرًا التهكم أو السخرية التي قد تتسبب أيضًا في التضليل.

كما جاء اعتراف فيسبوك في نهاية أبريل الماضي باستخدام "جهات خبيثة" لخدماته في بث معلومات كاذبة بهدف التأثير على الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ليثير حملة عالمية بشأن سبل مكافحة انتشار الشائعات والأخبار المزيفة والمعلومات المضللة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، التي باتت تمثل بيئةً خصبةً لانتشار الشائعات وتداولها بشكل فائق السرعة بفعل خصائص التشبيك والبث الفوري والتداول الجماعي التي تتمتع بها.

حرية تدفق المعلومات

من جهتها، ترى الدكتورة مها عبد المجيد -الخبيرة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في القاهرة- في تصريحات لـ"للعلم" أن قضية انتشار المعلومات المضللة والأخبار المفبركة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحرية تدفق المعلومات من المصادر الرسمية والمصادر الموثوق فيها لتصل إلى الإعلاميين، وأن صعوبة الحصول على المعلومات في كثير من البلدان العربية تُسْهِم في رفع احتمالات التورط في نشر أخبار غير دقيقة، أو من مصادر غير موثوق بها.

وتستطرد "عبدالمجيد": تزداد تلك الأزمة مع انخفاض مستويات ثقة الجمهور بوسائل الإعلام الرسمية، وهو ما اقترن بتوجُّه الجمهور لمصادر المعلومات البديلة، التي تتضمن تطبيقات صحافة المواطن وغيرها، والسعي للحصول على المعلومات والأخبار من مصادر مختلفة، قد يكون من بينها مصادر غير دقيقة.

وتشدد على أن توفير بيئة عمل إعلامية تتسم بالشفافية وإتاحة المعلومات من مصادرها الموثوقة، إضافةً إلى التركيز على مفاهيم التربية الإعلامية التي تعتمد على تنمية وعي مستخدمي الإعلام في التعامل مع مصادر المعلومات وفي تقييمها، يُعَدُّ من أهم عناصر مكافحة انتشار المعلومات المضللة.