طوال العقد الماضي، كانت هناك آلاف الدراسات التي تناولت بقدر كبير من القلق الآثار الجانبية لقضاء أوقات طويلة أمام شاشات الأجهزة (وقت الشاشة)، بدايةً من تتبُّع الأخبار "زائفة كانت أو صحيحة"، وانتهاءً بالحرص على تحميل التطبيقات الحديثة، مرورًا باستخدام شبكات التواصل الاجتماعي، التي بات لونها "الأزرق" المائل إلى البياض يخطف العقول قبل العيون.

تلك الآثار دفعت منظمة الصحة العالمية لإصدار مبادئ توجيهية بأنه "يجب أن يقضي الأطفال دون سن الخامسة وقتًا أقل في الجلوس لمشاهدة الشاشات أو في عربات الأطفال والمقاعد وهم مقيّدو الحركة فيها، وأن يحصلوا على قسط أوفر من النوم ويمضوا وقتًا أطول في اللعب بنشاط إذا ما أُرِيدَ تنشئتهم أطفالًا صحيحي البدن"، مشددةً على ضرورة "إحلال ممارسة أي نشاط حركي محل الوقت الطويل الذي يقضيه صغار الأطفال جالسين مقيّدي الحركة في المقاعد لمشاهدة الشاشات".

أما الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين عامين وأربعة أعوام، فأوصت المنظمة بألا يزيد الوقت المُخصّص لجلوسهم لمشاهدة الشاشات على ساعة واحدة، ومن الأفضل أن يكون أقل، في حين قدمت ولاية كاليفورنيا مشروع قانون يسمح للمدارس بتقييد استخدام التلاميذ للهواتف الذكية.

وفي السياق ذاته، شدد مقال مشترك -كتبه ثلاثة باحثين أمريكيين من تخصصات مختلفة- على خطورة الآثار السلبية لوسائل الإعلام الرقمية -وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر وإنستجرام- على الجوانب العقلية والجسدية والنفسية للأفراد والسلوك الإنساني بشكل عام، مطالبين بـ"أن يكون هناك مشروع إنساني لإنتاج وتحليل كل شيء يراه الناس ويفعلونه في أثناء وقت الشاشة"، وهو ما أطلقوا عليه "هيومان سكرين بروجيكت" (Human Screenome Project).

يشير المقال، الذي نشرته دورية "نيتشر" (Nature)، إلى أن "الدراسات التي تناولت الآثار السلبية لتلك الوسائل على مدى العقد الماضي شابها القصور؛ بسبب عدم اعتمادها على تحليل أنواع البيانات التي يمكن أن تكشف بالضبط ما يراه الناس ويفعلونه في أثناء متابعتهم لشاشات الأجهزة؛ إذ اعتمدت معظم الدراسات على ما تقوله عينات البحث حول حجم الوقت الذي يمضونه أمام شاشات التلفاز والهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي"، موضحًا أن "التأكد من صحة المزاعم التي تتناول الآثار السلبية لوقت الشاشة –سواء بدحضها أو تصديقها- يستوجب وضعها في إطارها وحجمها الحقيقي، وأن يكون هناك تسجيل دقيق لما يجري عبر هذه الشاشات".

ووفق المقال، فإن التحليل التلوي (تحليل إحصائي لنتائج عدة دراسات قد تكون متوافقة أو متضادة) استهدف 226 دراسة تم إجراؤها على مدى الـ12 عامًا الماضية؛ لمعرفة مدى الترابط بين استخدام وسائل الإعلام واضطرابات الصحة النفسية (مثل القلق، والاكتئاب، والتفكير في الانتحار، ودرجات الشعور بالاندماج الاجتماعي، والوحدة، والرضا عن الحياة). وكشف التحليل عدم وجود علاقة منهجية (تقريبًا) بين مستويات تعرُّض الناس للوسائط الرقمية والسلامة النفسية.

عدد الساعات

لكن الباحثين وجدوا أن جميع هذه الدراسات اعتمدت على ردود عينات البحث حول المدة التي يقضونها في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، موضحين أن "عدد الساعات التي قضاها الفرد أمام موقع فيسبوك -على سبيل المثال- قد لا يكون المؤشر الحاسم الذي يؤثر على حالته النفسية، وأن تكون نوعية ما تعرَّض له الشخص على الموقع -سواء للتسوق أو قراءة موضوعات بعينها أو تبادل الأخبار مع الأصدقاء- هي المكونات التي تؤثر على صحته النفسية، سواء للأفضل أو للأسوأ".

يضاف إلى ذلك أن تقديرات الأفراد الخاصة برصد عدد الساعات التي يقضونها أمام وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي قد لا تتسم بالدقة، ما يستوجب تجاوُز الدراسات التي تعكف فقط على قياس الوقت الذي يقضيه الأفراد أمام الشاشة والتقاط كل ما يفعلونه ورؤيته على شاشاتهم، بما يساعد على إجراء تحليل واسع النطاق للتسجيلات المفصلة للحياة الرقمية للأفراد، ووضع محتوى هواتفهم الذكية تحت المجهر؛ بهدف رسم صورة تفصيلية لحياتهم الرقمية.

يوضح الباحثون -وهم "بايرون ريفز"، أستاذ الاتصالات في جامعة ستانفورد بكاليفورنيا، و"توماس روبنسون"، أستاذ طب الأطفال في جامعة ستانفورد، و"نيلام رام"، أستاذ التنمية البشرية وعلم النفس بجامعة بارك ببنسلفانيا، أنه "لا بد من جهد جماعي لتحليل كل ما يراه الناس ويفعلونه أمام الشاشات".

وعلى غرار الجينوم، جمع الباحثون أكثر من 30 مليون لقطة شاشة، التقطها أكثر من 600 شخص أطلقوا عليها "سكرينومس" (Screenomes).

يقول "روبنسون"، في تصريحات لـ"للعلم": يقضي الناس في وقتنا الحالي مزيدًا من حياتهم في استخدام الأجهزة الرقمية التي يحملونها معهم في كل مكان تقريبًا. فالحياة الرقمية اليوم أصبحت مرادفًا للحياة؛ إذ يعتمدون عليها في أداء كثير من الأشياء المختلفة، مثل تتبُّع حالتهم الصحية والغذائية والمهنية والمصرفية والتنقُّل، وممارسة التمارين الرياضية، والتسوق، والسياسة؛ ما يعني أن جزءًا كبيرًا من حياتنا وأفكارنا ومشاعرنا وسلوكياتنا يتم تسجيله عبر شاشات أجهزتنا الرقمية. لذلك، فإن معرفة ما يفعله الأشخاص ورؤيته على شاشات أجهزتهم تتيح لنا دراسة كيفية تأثير استخدامنا للوسائط على حياتنا، ولمساعدتنا على مواجهة التحديات الفردية والمجتمعية.

خريطة للحياة الرقمية

يشير الباحثون إلى أن "رسم خريطة دقيقة لحياتنا الرقمية أمرٌ بالغ الأهمية، لا سيما مع تزايُد حدة القلق من جَرَّاء التداعيات الناجمة عن تعرُّض الأفراد المتصاعد للشاشات التي أصبحت تقتحم حياتهم اليومية بكيفيات مختلفة، ما يزيد من حجم المخاوف المتنامية بشأن هذه التأثيرات على صحتهم العقلية والبدنية والتعليمية وعلاقاتهم الاجتماعية، وحتى على السياسة والديمقراطية".

من أجل تسجيل التغييرات التي تحدث لحظة بلحظة على شاشة الأفراد، صمم الباحثون منصة تسمى "سكرينوميكس" (Screenomics)، وهي بمنزلة برنامج على الحاسوب يقوم بتشفير لقطات الشاشة ونقلها تلقائيًّا وبصورة غير مزعجة كل 5 ثوانٍ عند تشغيل الجهاز. وعند نشرها على العديد من الأجهزة في وقت واحد، تتم مزامنة لقطات الشاشة من كل جهاز في توقيت مناسب.

يقول "روبنسون": تتوافر الآن تقنيات تتيح للباحثين تسجيل الحياة الرقمية بتفاصيل رائعة. فمع تطور معايير مشاركة البيانات وتراكُم الخبرات والأدوات في مجالات أخرى، مثل علم الجينوم، يصبح من الأسهل جمع البيانات مع مراعاة المتطلبات القانونية المتعلقة بأمان البيانات وسريتها، وتُعد لقطات الشاشة الوحدة الأساسية لاستخدام الوسائط، كما أن لقطات الشاشة وتسلسلها قد تكون على قدر كبير من الأهمية فيما يخص التفاصيل الاجتماعية والسياسية وغيرها من البيانات المهمة التي يجب تحليلها، ومن خلال جمع لقطات شاشة عالية التردد، فإننا نستكشف التأثيرات اللحظية لوسائل التواصل الاجتماعي على الحالات الفسيولوجية والنفسية للأفراد.

يضيف "روبنسون": نسعى للتوصل إلى حجم أكبر من البيانات الدقيقة من خلال مقترحات عدة، منها التعاون مع الشركات التي تمتلك البيانات، والتي لديها طرق متطورة لمراقبة الحياة الرقمية للأفراد في بعض المجالات مثل جوجل، وفيسبوك، وأمازون، وأبل، وميكروسوفت، وهو ما سبق أن فعلته بالفعل جامعة هارفارد عام 2018؛ إذ أنشأت "سوشيال ساينس وان"، وهي شراكة أكاديمية صناعية ذات صلة بجامعة هارفارد بكامبريدج في ولاية ماساتشوستس، وينبغي أن تركز الدراسات المستقبلية على التبايُن في استخدام الفرد والجماعات للوسائط مع مرور الوقت؛ حتى نتمكن من استكشاف الديناميات الاجتماعية للعلاقات الشخصية والجماعية التي تحدث على مدار أيام وأسابيع، وحتى التغيُّرات الثقافية والتاريخية التي تحدث على مدار شهور وسنوات.

أنماط الاستهلاك

حاول الباحثون رصد أنماط استخدام وتحليل مضمون محتوى الهواتف الذكية لاثنين من المراهقين (يبلغان من العمر 14 عامًا، ويقطنان شمال كاليفورنيا) على مدى ثلاثة أسابيع. وبالرغم من أن فردي العينة قدرا الوقت الذي يمضيانه أمام شاشات هواتفهم بأكثر من ساعتين يوميًّا، إلا أن الباحثين وجدوا أن معدل استهلاك المراهقين الأمريكيين لهواتفهما تبايَن بشكل كبير على مدار فترة التجربة؛ فقد بلغ استخدام المشارك الأول لهاتفه الذكي خلال فترة التجربة 3.67 ساعات يوميًّا مقابل 4.68 ساعات للمشارك الثاني بزيادة تقدر بحوالي 27.5% عن المشارك الأول.

كما تباينت أنماط الاستهلاك بين الاثنين؛ إذ استخدم المشارك الأول هاتفه الذكي في 186 جلسة يوميًّا، استغرقت كل جلسة حوالي 1.19 دقيقة (تم تعريفها بالوقت الذي يقضيه الفرد بين إضاءة شاشة الهاتف الذكي وانطفائها)، وفي المقابل استغرقت فترات استخدام المشارك الثاني لهاتفه الذكي حوالي 2.54 دقيقة، كما أضاء المشارك الأول هاتفه وأطفأه بمعدل سبع مرات أكثر من نظيره. وهذه الفروقات الفردية المتصلة بأنماط الاستهلاك قد تكون بمنزلة مؤشرات نفسية لها دلالات معينة. إذ من الممكن تفسير ذلك بكيفيات مختلفة، كأن يكون لدى هذا المشارك مشكلات تتعلق بالتحكم في الانتباه، أو ربما تعكس القدرة على معالجة المعلومات بشكل أسرع.

أما بالنسبة لشكل التفاعل، فقد أمضى المشارك الأول 2.6٪ من وقته أمام الشاشة في إنتاج محتوى بالتساوي على مدار اليوم وعادةً داخل تطبيقات الوسائط الاجتماعية، بينما أمضى المشارك الثاني 7% من إجمالي وقت الشاشة في إنتاج المحتوى، وخلال الأسابيع الثلاثة، تجوَّل المشارك الأول بين 26 تطبيقًا مختلفًا، كان أكثر من نصف هذه التطبيقات (53.2٪) عبارة عن تطبيقات وسائط اجتماعية (معظمها من سناب شات وإنستجرام)، في حين تنقَّل المشارك الثاني بين 30 تطبيقًا، كانت أغلبيتها تصفحه لمنصة يوتيوب (50.9٪ من جملة التطبيقات المستخدمة).

وقد حاول الباحثون أن يلتقطوا صورةً أكثر تفصيلًا لمضمون الهواتف الذكية عبر تحليل محتوى التطبيقات المستخدمة، فوجدوا أن 37% من لقطات الشاشة المأخوذة في يوم واحد من هاتف المشارك الثاني كانت تدور حول الطعام.

يقول محمود خليل -رئيس قسم الصحافة بكلية الإعلام بجامعة القاهرة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن هناك العديد من النقاط المثيرة للاهتمام في هذا المقال، الذي يتجاوز المنهجيات التقليدية للأبحاث، التي تطرقت إلى تحليل الحياة الرقمية لمستخدمي الهواتف الذكية اعتمادًا على التقديرات الذاتية للمستخدمين، إلى فحص وتحليل محتوى الشاشات التي يتفاعلون معها يوميًّا. وتركيز المقال في جزء كبير منه على المراهقين يُكسبه أهميةً أكبر، بحكم أن هذا الجمهور يُعد الأكثر هشاشةً على المستويين المعرفي والنفسي، ما يجعلهم أكثر عرضةً للتأثر النفسي بمحتوى مواقع التواصل الاجتماعي، كما يتجاوز هذا المشروع البحثي ما سبقه من دراسات من زاوية أخرى تتعلق بالاعتماد على برامج دقيقة تتولى تسجيل النشاط الرقمي اليومي وتشفيره؛ تمهيدًا لتحليل محتوى جلسات التفاعل مع المنصات والمواقع الرقمية، سواء على مستوى استهلاك المحتوى أو على مستوى الإنتاج".

تعميم النتائج

يضيف "خليل": في تقديري أن المشروع الذي تتبناه الدراسة لا بد أن يلفت انتباه الباحثين العرب، وذلك في ضوء عدد من الاعتبارات، أولها بعض حوادث انتحار الشباب والمراهقين التي شهدتها مجتمعات عربية –مثل المجتمع المصري- وكانت مواقع التواصل الاجتماعي حاضرةً فيها بقوة؛ إذ شكلت نافذةً للتعبير عن أسباب الانتحار أو عرض لطريقته وغير ذلك من أبعاد، ما يطرح سؤالًا حول دورها في هز التوازن النفسي للمستخدم، والثاني يتعلق بالأدوات التقليدية التي لم يزل الباحثون العرب متمسكين بها في تحليل تأثير التعرُّض لوسائل التواصل الاجتماعي على المستخدمين، وضرورة الاستفادة من برامج تتبُّع المحتوى ورصده وإخضاعه لتحليل متعمق يرصد تأثيراته بصورة واقعية بعيدًا عن التقديرات الذاتية للمستخدمين، ويتعلق ثالثها بضرورة الاهتمام بدراسات المستوى الثاني، التي تحلل النتاج البحثي لمئات الدراسات التي استهدفت تأثير التواصل الاجتماعي على الجمهور العربي، والاستفادة منها في بناء خرائط بحثية تحدد أنماط الاستخدام والتأثيرات النفسية والسلوكية للاستخدام.

بدوره، يعلق "روبنسون" على إمكانية تعميم هذه النتائج على مجتمعات مختلفة قائلًا: نحتاج إلى تجميع لقطات شاشات من أشخاص وأماكن مختلفة؛ لمعرفة مدى تماثُل استخدام الأشخاص للوسائط. هذا هو أحد الأسباب المهمة التي ندعو من أجلها إلى إنشاء مشروع جماعي يُعد بمنزلة شاشة كبيرة ترصد الحياة الرقمية للأفراد. ويمنحنا القياس كل خمس ثوانٍ القدرة على رؤية اختلافات جوهرية من دقيقة إلى دقيقة ومن ساعة إلى أخرى ومن يوم إلى آخر ومن أسبوع إلى آخر، حتى لدى شخص واحد.

لكن هذا كله تواجهه تحديات وتحفظات بسبب المخاوف من تسرُّب البيانات أو نتائج الدراسات التي قد تضر بالأعمال الخاصة بالشركات التجارية المتعاونة مع الجهات البحثية. إذ قد تتطلب هذه الشراكات مع الأكاديميين إيجاد حلول وسط حول كيفية تحديد أسئلة البحث والبيانات التي يتم توفيرها، وتشمل أيضًا إدارة طويلة وجهدًا تشريعيًّا كبيرًا، خاصةً أنه لا يوجد ما قد يجبر هذه الشركات على مشاركة البيانات ذات الصلة وتقديمها للبحث الأكاديمي.

يعلق "روبنسون": نتوقع في المستقبل أن نكون قادرين على تقديم تدخلات دقيقة في الوقت المناسب، والموضوع يتوقف على الطريقة التي نقدم بها أسئلة البحث، وهناك ضرورة ملحة لاتخاذ تلك الخطوة وعدم إغفال تأثير الحضور المتنامي للشاشات في حياتنا اليومية، فإذا كانت العلاقات بين استخدام وسائل الإعلام وأفكار الناس ومشاعرهم وسلوكياتهم لا تزال ضعيفةً أو غير موجودة، فلا يمكن أن تكون لدينا ثقة أكبر بما إذا كانت المخاوف الحالية مبالغًا فيها أم لا.