طالما صادفتنا أخبارٌ عن دراسات علمية تربط بين الوقت الذي يُقضى في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والإصابة بالقلق والاكتئاب وغيرها من الأمراض النفسية واضطرابات الصحة العقلية الأخرى.

لكن فريقًا من الباحثين في جامعة "بريجام يونج" الأمريكية انتهى إلى أن هذا الطرح قد لا يكون صحيحًا، مشيرين إلى "عدم وجود صلة بين الوقت الذي يقضيه المراهقون في استخدام تلك الوسائل وزيادة مستويات القلق والاكتئاب".

وتشير الدراسة، التي نشرتها دورية "كمبيوترز إن هيومان بيهافيور" (Computers in Human Behavior)، إلى أنه حتى لو زاد الوقت الذي يُمضيه المراهقون في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، فإن هذا لن يجعلهم أكثر اكتئابًا، كما أنهم لو قللوا الوقت الذي يُمضونه أمام شاشات التواصل الاجتماعي، فإن ذلك لن يجعلهم أقل اكتئابًا.

وأضاف الباحثون أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تؤثر على الصحة العقلية للفرد عند فحصها على المستوى الفردي. بمعنى آخر، إذا زاد الفرد من استخدام الوسائط الاجتماعية بشكل أسوأ في سنة معينة، فلن يؤدي ذلك بالضرورة إلى معاناته من الاكتئاب/أو القلق بصورة أكثر سوءًا.

وأوضحت الدراسة أن هناك عوامل أخرى تؤثر على صحة الشخص العقلية، مشيرةً إلى أن "مقدار الوقت الذي يقضيه الفرد في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ليس مسؤولًا عن الآثار السلبية التي قد تلحق بالصحة العقلية للشخص؛ فمثلاً يمكن لاثنين من المراهقين أن يقضيا القدر نفسه من الوقت في تصفح مواقع "السوشيال ميديا"، ولكن قد يكون لديهما تجارب حياة مختلفة إلى حدٍّ كبير، ما يزيد من احتمالات إصابة أحدهما دون الآخر باضطرابات الصحة العقلية، ما يعني أن الوقت الذي يمضيه الأشخاص أمام الشاشات لا يهم عندما يتعلق الأمر بالصحة العقلية".

وخلص الباحثون إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي قد يكون لها تأثيرات سلبية على مستخدميها، لكن مقدار الوقت الذي يقضونه في استخدامها لا يشكل عامل حسم في إصابتهم بأضرار صحية عقلية؛ إذ يتعلق الأمر بطريقة استخدام الأشخاص لتلك الوسائل، وليس مقدار الوقت الذي يقضونه في استخدامها.

دراسة طولية

ضمت عينة البحث 500 فرد تتراوح أعمارهم بين 13 و20 عامًا، أُجريت لهم استبانات سنوية على مدى ثماني سنوات متتالية، وتم سؤالهم عن مقدار الوقت الذي يمضونه يوميًّا في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، كما طُرحت عليهم أسئلة لتحديد مستويات معاناتهم من الاكتئاب والقلق.

في عمر 13 عامًا، ذكر الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع أنهم يُمضون مدةً تتراوح بين 31 و60 دقيقة يوميًّا في متابعة وسائل التواصل الاجتماعي، وارتفع مقدار الوقت الذي قضاه أفراد العينة في استخدام تلك الوسائط بصورة مُطَّرِدة خلال سنوات المراهقة، بحيث بلغ مدة ساعتين أو أكثر يوميًّا.

وأشار الباحثون إلى أن معظم الأبحاث السابقة درست التأثيرات قصيرة المدى لوسائل التواصل الاجتماعي على المستخدمين، لكن الدراسة الحالية غطت فترةً ممتدة، مشددين على أنهم يعتقدون أن هذه الدراسة الطولية هي الأكبر حول وسائل التواصل الاجتماعي والصحة النفسية حتى الآن.

وأضافوا أن الهدف من الدراسة هو مساعدة المجتمع ككل على تجاوز النقاشات المتواصلة حول أهمية عامل الوقت الذي يمضيه الأفراد في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وأن يتم التركيز بصورة أكبر على السياق والمحتوى الذي تقدمه هذه الوسائل، وبمعنى آخر، قد لا يختلف مقدار الوقت الذي يقضيه المراهقون في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي عن مشاهدة المراهقين للقنوات التليفزيونية في عقد الثمانينيات، أو التحدث عبر الهواتف الأرضية لساعات متتالية، أو استخدام الكمبيوتر في عقود سابقة.

وقد أظهرت الدراسات السابقة أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يفيد المستخدمين، فمثلًا نجد أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بطرق نشطة يرتبط بتقليل أعراض الاكتئاب، علاوةً على أن التفاعل بنشاط مع محتوى الآخرين على وسائل التواصل الاجتماعي ونشره وترويجه أفضل من أن تكون مستخدمًا سلبيًّا.

تقول سارة كوين –المشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": درسنا تأثير وسائل الإعلام على الأطفال والأُسر، وأجرينا عددًا من الدراسات حول وسائل التواصل الاجتماعي. كنا نرغب في معرفة تأثير الوقت الذي يمضيه الأفراد أمام شاشات التواصل الاجتماعي على تزايُد احتمالات إصابتهم بالقلق والاكتئاب على المدى الطويل، خاصةً أن معظم الدراسات التي أُجريت حول هذا الشأن كانت قصيرة المدى.

تضيف "كوين": كانت الاستبانات فعالةً للغاية، وقادرة على اكتشاف التغير الذي يطرأ على الفرد الذي يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي مع مرور الوقت. وطلبنا من المشاركين تثبيت بعض التطبيقات على هواتفهم، ما يتيح لنا مستقبلًا الحصول على بيانات دقيقة تمامًا عن مقدار استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي في يوم معين بالتحديد. ولم تكن هذه التقنية موجودةً عندما بدأنا الدراسة منذ سنوات عديدة، لذلك نأمل نشر ما سنتوصل إليه من المعلومات والاستبانات الجديدة خلال العام المقبل، وحتى يتم ذلك، فإننا نحتاج إلى تثقيف شبابنا حول كيفية استخدام هواتفهم ووسائل التواصل بطرق واقعية وصحية وفعالة".

الاستخدام الصحيح

وشدد الباحثون على ضرورة أن يكون استخدام وسائل التواصل الاجتماعي محدد الهدف، موضحين أن "البحث عن المعلومات أو التواصل مع الآخرين على وجه التحديد يمكن أن يكون له تأثيرٌ أكثر إيجابيةً من مجرد التنقل عبر صفحات وسائل التواصل الاجتماعي بسبب الرغبة في كسر الملل".

ووجد الباحثون أنه من المهم أيضًا تقليل الوقت الذي يمضيه الفرد في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي قبل النوم مباشرةً، محذرين من أن "استخدامها قُبيل النوم يؤثر سلبًا على طبيعة النوم ومدته وجودته، خاصةً أن النوم الجيد يُعَد عاملًا وقائيًّا لحماية الشخص من اضطرابات الصحة العقلية".

العبرة ليست بالوقت

من جهته، يتفق علي نبوي -أستاذ الطب النفسي في جامعة الأزهر- في تصريحات لـ"للعلم" مع ما توصلت إليه الدراسة، مضيفًا أن "قضاء الوقت أمام شاشات وسائل التواصل الاجتماعي لا يختلف عن قضائه أمام شاشات الوسائل الإعلامية الأخرى، وهناك مبدأ عام يؤكد أن العبرة ليست بالوقت الذي يقضيه المراهقون في استخدام تلك الوسائل، بل بالكيفية التي يتعاملون بها مع هذه الوسائل".

ويوضح "نبوي" أن "الأعراض الجانبية لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي هي أعراض عامة وعالمية، وتدخل ضمن إطار الضغط الجماعي، لذلك فإن مجرد التعرُّض لتلك الوسائل واستخدامها، حتى ولو لفترات طويلة، لا يشير بالضرورة إلى وجود خللٍ ما، سواء كان خللًا نفسيًّا أو اجتماعيًّا".

وتابع: "إذا لم يحدث للمراهق تدهور وظيفي أو اجتماعي، فإن ذلك يُعَد مؤشرًا قويًّا على أن قضاء مزيد من الوقت أمام شاشات التواصل الاجتماعي لم يؤثر بالسلب على عينة البحث أو على المراهق بشكل عام. وهذا هو العامل الحاسم في هذه القضية".

التغيرات الفردية

من جهتها، تقول "نهال لطفي" –أستاذة علم النفس بجامعة قناة السويس- في تصريحات لـ"للعلم": إن أغلب الدراسات التي ربطت بين قضاء مزيد من الوقت في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي واضطرابات الصحة النفسية اعتمدت على إيجاد علاقات ارتباطية بين المتغيرات دون اعتبار العوامل الأخرى التي يمكن أن تسهم في ظهور الاضطرابات النفسية المختلفة، ولهذا اعتمدت الدراسة الحالية طريقة البحث الطولي -الذي يتتبع التغيرات التي تطرأ على أفراد عينة الدراسة على مدار فترة من الزمن بلغت في الدراسة الحالية ثماني سنوات- للتأكد من العلاقة بين استخدام تطبيقات التواصل الاجتماعي وظهور اضطرابات الصحة النفسية أو تغيُّر معدلاتها".

وتشير "لطفي" إلى أن نتائج الدراسة الحالية تفتح الباب أمام إعادة النظر في نتائج الدراسات السابقة، التي كانت ترى أن الفرد عندما يُمضي مزيدًا من الوقت في استخدام التواصل الاجتماعي فإن ذلك يحل محل الوقت المتاح للقاء الأصدقاء بشكل مباشر، كما أنه يستقطع من الوقت المتاح للنوم الجيد، المرتبط أيضًا بالصحة النفسية، خاصةً أنها ترصد التغيرات داخل الأفراد وليس بين الأفراد".

وتختلف نتائج الدراسة الجديدة مع دراسة سابقة أجراها باحثون في "كلية جونز هوبكنز بلومبرج للصحة العامة"، وانتهوا فيها إلى أن قضاء المراهقين لساعات أكثر أمام شاشات وسائل التواصل الاجتماعي يؤثر سلبًا على صحتهم النفسية.

وذكرت الدراسة أن المراهقين الذين يقضون أكثر من ثلاث ساعات يوميًّا في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يكونون أكثر عرضةً للإبلاغ عن مستويات عالية من مشكلات متعلقة بالانعزال وصعوبة التعامل مع الآخرين والانسحاب الاجتماعي والإصابة بالاكتئاب، مقارنةً بالمراهقين الذين لا يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي على الإطلاق.