لا تستطيع الحيوانات أن تخبرنا بشكل مباشر عما يدور في خلَدها، لذا يحاول العلماء دراسة الكيفية التي تتخذ بها الحيوانات القرار من خلال النظر في طُرق استجابتها في أثناء وجودها في البيئة.

من الأمثلة الكلاسيكية لفهم الطريقة التي تفكر بها الحيوانات تجربة "كلاب بافلوف"، في هذا المثال، كان العالِم الروسي الشهير "إيفان بافلوف" يقرع الجرس مباشرةً قبل أن يطعم كلبًا، وبعد عدة وجبات، يربط الكلب بين الجرس والطعام؛ فعند سماع الجرس يبدأ لعاب الكلب في الجريان تحسبًا للطعام، ومع ذلك، عندما يقرع "بافلوف" الجرس دون إطعام، يستمر الكلب في الاستجابة للجرس عن طريق إفراز اللعاب، حتى بعد العديد من الحالات التي سمع فيها الجرس دون تلقِّي طعام.

هنا، يكون القرار استجابةً مباشرةً لصوت الجرس دون أن يأخذ في الاعتبار ما إذا كان الجرس يؤدي إلى النتيجة المتوقعة أم لا، وعلى النقيض من ذلك، تأخذ أشكال صنع القرار الأكثر تعقيدًا ومرونةً في الاعتبار نتائج الإجراءات، فإذا كان للكلب في مثالنا هذا الشكل من اتخاذ القرار، فسوف يدرك بسرعة أن الجرس لم يعد يؤدي إلى الطعام، فيتوقف عن إفراز اللعاب، وعادةً ما يسترشد هذا النوع من اتخاذ القرار بهدف، وهو في هذه الحالة الحصول على الطعام.

وفي دراسة جديدة، اكتشف العلماء كيف يُمكن للحيوانات الأقل تعقيدًا من الكلاب -كالديدان- أن تتخذ القرارات؛ إذ أمضى العلماء عقودًا في محاولة الإجابة عن هذا السؤال من خلال التركيز على خلايا الدماغ ووصلاته التي قد تكون متورطةً في عملية اتخاذ القرار، لكن فريقًا من الباحثين في "معهد سالك للدراسات البيولوجية" قرروا استخدام نهج مختلف يُشبه نهج "بافلوف"، وهو تحليل السلوك وليس الخلايا العصبية، وفوجئ العلماء بأن الديدان يمكن أن تأخذ عوامل متعددة في الاعتبار وتختار بين إجرائين مختلفين على الرغم من وجود 302 خلية عصبية فقط، مقارنة بحوالي 86 مليارًا عند البشر.

تقول كاثلين كواتش" -باحثة ما بعد الدكتوراة في مختبر علم الأحياء العصبية الجزيئي التابع لمعهد سالك، والمؤلفة الأولى للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": إن الدودة الخيطية المفترسة ذات الجهاز العصبي المحدود للغاية تُجري تعديلاتٍ مفيدةً على الطريقة التي تُحاول بها الحصول على الطعام عندما تتغير بيئتها.

وتوضح الدراسة، التي نشرتها دورية "كارنت بيولوجي" (Current Biology)، أن "الدودة الخيطية المفترسة من آكلات اللحوم، ويمكنها أن تأكل أنواعًا متعددةً من الطعام وفق أنواع الطعام وكمياته المتوافرة في لحظة معينة، مثل الديدان الخرطومية التي تتغذى على أنواع معينة من البكتيريا، وأن الدودة المفترسة تتغذى أيضًا على البكتيريا، لذلك فهي تتنافس مع فريستها -الديدان الخرطومية- على الطعام".

واعتمادًا على مدى سهولة قتل الفريسة ومدى سرعة أكل الفريسة للبكتيريا، يمكن للدودة المفترسة أن تقرر بين إستراتيجيتين مختلفتين لمهاجمة الدودة الخرطومية؛ فعندما يُمكن للدودة الخيطية المفترسة قتل الدودة الخرطومية بسهولة تفترسها على الفور، أما عندما يصعب قتل الفريسة فبدلًا من ذلك تعضها الدودة المفترسة للدفاع عن غذائها الآخر، وهو في تلك الحالة البكتيريا.

تقول "كواتش": تتطابق قرارات الدودة المفترسة مع ما ترى أنه سيكون أفضل لها من ناحية التوازن بين الطعام والجهد، لذلك تتيح هذه القرارات للدودة المفترسة أن تختار ما تأكله من أجل تحقيق أقصى استفادة من بيئتها.

وتُظهر الدراسة إمكانية استخدام كائنات بسيطة كالديدان لدراسة شيء معقد، مثل اتخاذ القرار الموجه نحو الهدف، فحتى الكائنات البسيطة مثل الديدان لها إستراتيجيات مختلفة، ويمكنها الاختيار بين تلك الإستراتيجيات، وتحديد أيها يناسبها جيدًا في موقف معين، ويوفر ذلك إطارًا لفهم كيفية اتخاذ هذه القرارات لدى كائنات أكثر تعقيدًا، مثل البشر، وفق ما يقوله الباحثون.

تضيف الدراسة، التي استمرت لمدة سبع سنوات كاملة، أن "البشر قادرون على التفكير في العديد من العوامل في وقت واحد لاتخاذ قرارات معقدة وعقلانية بشكل مذهل، لكن هذا الأمر لا يقتصر على الإنسان، وأن هذه العملية يمكن تحقيقها أيضًا باستخدام نظام عصبي أبسط بكثير؛ إذ إن الديدان التي تمتلك خلايا عصبية أقل بكثير جدًّا من الإنسان قادرة على اتخاذ القرارات والاختيار بين الإستراتيجيات المختلفة".