طالما كانت الدودة الأسطوانية الربداء الرشيقة (Caenorhabditis elegans) نموذجًا تجريبيًّا لا يُقَدَّر بثمن لدراسة الأمراض والعمليات الحيوية الرئيسية لدى البشر منذ ستينيات القرن الماضي.

والآن، دلل1 باحثون بكلية الطب بجامعة ستانفورد وبجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (KAUST) على طريقة لتصميم جينوم الدودة، تتيح العلماء استقصاءً أعمق للحياة على مستوى بالغ الأولية. إذ توصلوا إلى إستراتيجية لتخليق تعدادات جديدة من الربداء الرشيقة لا تتبع قواعد الوراثيات الكلاسيكية، حسبما أرساها مندل.

فعلى النقيض من السلالة التي ترث الحمض النووي من كلا الوالدين، لا ترث التعدادات الجديدة من الديدان الحمض النووي إلا من جهة الأب.

هذا النمط الوراثي غير المندلي ذو أهمية كبرى لدى العلماء الذين يدرسون الوظائف الجينية، وعلم الأحياء التطوري، وعلم الوراثة اللاجينية -وهي دراسة كيفية تفعيل الجينات وتعطيلها دون تغييرات في تسلسل الحمض النووي.

وقد تمكّن الباحثون من تصميم الديدان ذات النمط الوراثي المرغوب بكفاءة، في جيل واحد، وعلى نحو قابل للتكرار، وبمعدل نجاح مرتفع (80 في المئة).

’’إن القدرة المدهشة على إعادة تصميم أنماط الوراثة المندلية الأساسية تفتح الباب أمام احتمالات مثيرة‘‘، على حد قول كريستيان فروكير-جنسن، أحد مؤلفي الدراسة من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية والعالِم الزائر سابقًا بمختبر جامعة ستانفورد الذي يرأسه أندرو فاير الحائز جائزة نوبل، وأحد المساهمين في الدراسة. 

ويضيف قائلًا: ’’على سبيل المثال، القدرة على الفصل بين وراثة الحمض النووي الجينومي ووراثة جميع الأشياء الأخرى في البيضة المخصبة، مثل الميتوكوندريات والحمض النووي الريبي، سوف تمكِّننا من فهم كيفية تأسيس أنماط لاوراثية جينية والحفاظ عليها‘‘.

تستند الدراسة إلى إنجاز عظيم2 حققته جوديث بيسيلينج وهينريك برينجمان، بمعهد ماكس بلانك للكيمياء الفيزيائية الحيوية عام 2016. فمن خلال تصميم جين يسمى GPR1، وجدا طريقةً لفرض قوى سحب في أثناء الانقسام الأول للربداء الرشيقة لتوليد ديدان ذات وراثة غير مندلية في المرحلة ثنائية الخلية. إلا أن الجين المصمم كان عرضةً للتعطيل، أو الإخماد، ما صعّب تحقيق نتائج متسقة. كذلك كان التأكد البصري من نمط الوراثة تحديًا.

للتغلب على هذه المشكلات، أدرج الأسلوب الجديد قطاعات أخرى من الحمض النووي لمقاومة تأثير الإخماد. وهكذا لم يعد جين GPR1 لدى الديدان الناشئة مقاومًا للإخماد فحسب، بل كان من السهل أيضًا تأكيد نمط الوراثة الأبوي عند نسبة تكبير منخفضة.

ويصرح عالِم بيولوجيا الخلايا الجزيئية أرشاد ديساي بجامعة كاليفورنيا، سان دييجو، والذي لم يشارك في الدراسة، بأن الأسلوب الجديد يمثل ’’جهدًا تقنيًّا بارز لتعزيز القدرة على التحكم في القوى في أثناء الانقسام الأول ومن ثم إنتاج خلايا منفردة تحمل جينوم أحد الأبوين فحسب في أجنة المرحلة ثنائية الخلية‘‘.

يتوقع الباحثون أن الأسلوب الذي قدموه قد يصبح أداةً اعتياديةً في المجتمع البحثي للربداء الرشيقة ومرجعيةً للعلماء الذين يعملون على أنظمة نموذجية أخرى.

ويزعم فروكير-جنسن أن ’’التوابع الكبرى للبحث الرئيسي هي اكتشاف أن القوانين الأساسية المعتز بها -مثل قوانين مندل للوراثة- ليست عصيةً على التغيير كما قد يعتقد المرء‘‘.

doi:10.1038/nmiddleeast.2019.26