شهد صيف 2010 ولادة طفلة مصابة بفيروس نقص المناعة المكتسبة "الإيدز" عُرفت بـ"طفلة المسيسيبي"، أضحت حديث الأوساط الطبية في 2013، بعد أن اعتُقد أنها شُفيت تمامًا من المرض لمدة 27 شهرًا، نتيجةً لتلقيها علاجًا ثلاثيًّا من الأدوية بعد 30 ساعة فقط من ولادتها.

ما حدث مع "طفلة المسيسيبي"، كان مغايرًا للبروتوكولات العلاجية التي عرفها الأطباء منذ مدة طويلة، والتي تؤكد أن علاج المواليد المصابين بالفيروس بمضادات الفيروسات القهقرية يتم خلال الأسابيع الأولى من الولادة. ورغم أن الطفلة عادت مرةً أخرى لتلقِّي العلاج بعد 27 شهرًا من التوقف، نظرًا لارتفاع معدلات الفيروس، لكن ما حدث معها أثار سؤالًا حاسمًا: هل يجب أن يبدأ إعطاء الطفل العلاج فور الولادة وعدم الانتظار لعدة أسابيع أخرى؟

حالة "طفلة المسيسيبي" فتحت شهية العلماء لإجراء عدد من الدراسات؛ لكشف سر وجدوى تلقِّي علاجات الإيدز في وقت مبكر للغاية من الولادة، إذ أظهرت دراسة أجراها باحثون بجامعة هارفارد الأمريكية، أن الأطفال المواليد المصابين بالفيروس يجب أن يتلقوا العلاج فور ولادتهم.

وخلصت الدراسة -التي نُشرت في دورية "ساينس ترانسليشن ميديسن"- إلى أن المواليد الذين تلقوا علاجات مضادة للفيروسات القهقرية في غضون ساعات من الولادة، لديهم مخزون أصغر بكثير من الفيروس، كما أن جهاز المناعة لديهم يعمل بشكل أفضل، مقارنةً بأقرانهم الذين تلقَّوا تلك العلاجات بعد أسابيع أو شهور من الولادة، كما هو متَّبع في كثير من البلدان.

ولا تزال أزمة انتقال فيروس نقص المناعة "الإيدز" من الأم إلى وليدها تمثل تحديًا هائلًا للصحة العالمية، وخاصةً في البلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة الدخل؛ إذ يصاب حوالي 300 إلى 500 طفل يوميًّا بالفيروس في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

ويقدر عدد الأطفال المتعايشين مع فيروس نقص العوز المناعي البشري بما يبلغ 1.7 مليون طفل حول العالم في نهاية 2018، وفقًا لموقع يو إن إيدز على الإنترنت، ويمكن تفادي انتقال الفيروس من الأم إلى طفلها على نحو كامل تقريبًا إذا حصلت الحامل على العلاج القائم على مضادات الفيروسات القهقرية على النحو الموصى به طبيًّا.

وعلى الصعيد العالمي، من 37.9 مليون شخص مصاب بالفيروس، تلقَّى 62٪ فقط مضادات الفيروسات القهقرية في 2018، كما تم إحراز تقدُّم في منع انتقال الفيروس من الأم إلى الطفل وإبقاء الأمهات على قيد الحياة. ففي العام ذاته، تلقت 8 من كل 10 نساء حوامل مصابات بالفيروس العلاج اللازم، وقُدر عددهن بـ1.1 مليون امرأة.

تجربة سريرية في بوتسوانا

اختار فريق البحث دولة بوتسوانا -التي تقع جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا- لإجراء تجربته السريرية، وهي دولة لديها ثالث أعلى معدل لانتشار فيروس الإيدز في العالم.

واختار الفريق 10 من الرضع المصابين بفيروس الإيدز للمشاركة في الدراسة (دفعة أولى من الأطفال المشاركين في الدراسة وعددهم 40 رضيعًا)، التي أُجريت في مستشفيات بمنطقتي فرانسيستاون وغابورون، حيث تلقَّوا مضادات الفيروسات القهقرية في الساعات الأولى مباشرةً بعد ولادتهم، وقارنوا حالتهم بـ10 أطفال آخرين تلقوا مضادات الفيروسات خلال عدة أشهر من الولادة.

ولقياس مدى استجابة الرُّضع للعلاج، تابع فريق البحث المشاركين في الدراسة لمدة عامين مع أخذ عينات من الدم على فترات منتظمة، لقياس ورصد عدد الخلايا المصابة بالفيروس -وتسمى عادةً (خلايا الخزان الفيروسي الكامن)- والعديد من أنواع الاستجابات المناعية الفطرية والتكيُّفية المختلفة.

ولاحظ الفريق أن عدد خلايا الخزان الفيروسي صغير للغاية (أصغر بكثير من البالغين الذين كانوا يتناولون مضادات الفيروسات القهقرية لمدة 16 سنة)، لدى الرضع الذين تناولوا العلاج فور ولادتهم، وكان عدد خلايا الخزان لديهم أيضًا أقل بكثير مما هو لدى الرضع المصابين بالفيروس الذين بدأوا العلاج لاحقًا.

وحدد الفريق أيضًا أنواعًا من الخلايا المناعية الفطرية التي تؤدي دورًا في مكافحة الفيروسات (الخلايا الفاتكة الطبيعية وخلايا الوحيدات)، وكانت في ارتفاع بينما تقلص حجم الخزان الفيروسي، مما يشير إلى أن هذه الخلايا قد تؤثر على خلايا الخزان الفيروسي أو تعدلها.

الخلايا الفاتكة الطبيعية (Natural killer cell) هي نوع من اللمفاويات السامة للخلايا التي تشكل مكونًا أساسيًّا في الجهاز المناعي الفطري، وتؤدي دورًا مشابهًا لدور الخلايا التائية في الاستجابة المناعية، كما تؤدي دورًا مهمًّا في رفض الأورام والخلايا الموبوءة بالفيروسات ولفظها. أما خلايا الوحيدات (monocytes) فهي خلايا في كريات الدم البيضاء تحمي الجسم من مسببات الأمراض وتحاربها، وتساعد على تدمير البكتيريا.

 ماتياس ليشترفيلد، قائد فريق البحث، قال لـ"للعلم": "تشير دراستنا إلى أن إستراتيجيات معالجة الأطفال الرُّضع بعد الولادة مباشرةً قد تحسِّن النتائج. لقد وجدنا أن بدء المعالجة بمضادات الفيروسات القهقرية في غضون ساعات بعد الولادة أمرٌ قابل للتنفيذ ويترجم إلى فوائد متعددة للرضع، أبرزها الأداء الطبيعي لبعض الأجزاء الرئيسية في الجهاز المناعي".

وأضاف "ليشترفيلد": "أكثر ما يثيرني حول هذا العمل هو أن إجراء تغيير بسيط نسبيًّا في توقيت العلاج قد يكون له تأثيرٌ كبيرٌ على نتائج العلاج على المدى الطويل".

وعن قلة عدد المشاركين في الدراسة، قال إن الدراسة الحالية تعتبر صغيرة جدًّا، لذلك يجري الآن استكمال الأبحاث على باقي المشاركين في الدراسة (30 رضيعًا آخرين)، وتحليل عينات من دمهم؛ لاستكمال النتائج.

تقليص عدد خلايا الخزان الفيروسي للإيدز، وأثره لإحداث فروق طويلة الأجل في صحة المصابين بالفيروس، هو محور الدراسة التي سيجريها فريق البحث في 2020، وذلك عبر تزويد المواليد بـ"الأجسام المضادة المحايدة على نطاق واسع" bnAbs))، المصممة للمساعدة في مراقبة فيروس نقص المناعة البشرية، واختبار كيفية تأثُّرهم بالتوقف المؤقت عن تناوُل العقاقير المضادة للفيروس.

و"الأجسام المضادة" (bNAbs) هي نوع من الأجسام المضادة، يمكنها التعرُّف على العديد من أنواع فيروس نقص المناعة البشرية ومنعها من دخول الخلايا السليمة، قد تعمل تلك الأجسام على تنشيط الخلايا المناعية الأخرى للمساعدة في تدمير الخلايا المصابة بالفيروس. ويبحث العلماء حاليًّا فيما إذا كان يمكن استخدام تلك الأجسام لتطوير لقاح علاجي لفيروس الإيدز.

من جانبه، قال إيهاب عبد الرحمن، رئيس الهيئة الأفريقية لمكافحة الإيدز: إن فكرة العلاج المبكر موجودة منذ أكثر من 20 عامًا، وتوصي بها المراكز الأمريكية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها CDC))؛ إذ تنصح بضرورة إعطاء العلاج المضاد للفيروسات بمجرد اكتشاف الإصابة بالفيروس، متابعًا: كان العلاج في السابق يؤخذ خلال الأشهر الأولى من الولادة، وفي إطار الإستراتيجية العالمية للقضاء على الفيروس، عدّلت منظمة الصحة العالية هذه البروتوكولات العلاجية مؤخرًا، وأوصت بأخذ العلاج خلال الأسابيع الأولى من الولادة.

وأضاف -في حديث لـ"للعلم"- أن ما توصلت إليه الدراسة، يفيد أنه حتى إعطاء المواليد العلاج خلال الأسابيع الأولى من الولادة يظل متأخرًا، وأن الأفضل أن يتم العلاج خلال الساعات الأولى من الولادة، وهو ما توصي به الـ(CDC)، التي تؤكد أيضًا أنه في حالة إصابة الأم الحامل بالفيروس، يجب إعطاء المولود "جرعة صفرية" في الساعة الأولى من الولادة، حتى إذا لم يتم اكتشاف إصابة المولود بالفيروس، لكن ظلت هذه مجرد توصية علمية ولم تكن مطبقة على أرض الواقع حتى في أمريكا؛ نظرًا لارتفاع تكلفة العلاج، وصعوبة تطبيق التوصيات، وجاءت الدراسة الجديدة لتثبت أهمية تطبيق هذه التوصيات وبدء العلاج فور الولادة.

وعن أهمية منح الطفل العلاج في الساعات الأولى، قال "عبد الرحمن": إن هذه الجرعات المبكرة تحمي المولود من أن تكون تكون إصابته أكثر تعقدًا؛ لأن العلاج المبكر يحمي الخلايا المناعية التائية (T-Cell)) من التلف بشكل نهائي، إذ يصيب الفيروس في حال عدم علاجه تلك الخلايا المناعية، وتبدأ عدوى الإصابة في الانتقال بين الخلايا.

وأكد أن الدراسة تتناول نوعًا معينًا من فيروسات الإيدز وهو (HIV 1)، الذي يُعرف عنه أنه قاتل للأطفال.

واعتبر "عبد الرحمن" أن العلاج المبكر يقلل المخزون الفيروسي داخل الجسم، الذي يؤدي دورًا رئيسيًّا في زيادة عبء المرض، وخاصةً أن تطور الفيروس من النوع الأول وانتشاره داخل الأطفال يسير بوتيرة سريعة جدًّا وقاتلة، على عكس النوع الثاني من الفيروس HIV 2))، كما أن أكثر من 80% من إصابات الإيدز حول العالم من النوع الأول، وفي المناطق الموبوءة بالمرض في أفريقيا يمثل النوع الأول 100% تقريبًا من الإصابات.

وأشار إلى أنه في حال لم يتم أخذ الجرعة مبكرًا بعد الولادة، فإن الفيروس مرشحٌ ليصبح أكثر ضراوة، ويتلف الخلايا المناعية بشكل نهائي، ويسمح بتردِّي حالة الإصابة، مضيفًا أن الدراسة تحدثت أيضًا عن حالات أخذت العلاج بعد حوالي 20 دقيقة فقط من الولادة، وهو ما ثبت نجاحه في مواجهة الفيروس.

واعتبر "عبد الرحمن" أن هذه النتائج تظل غير مؤكدة وغير نهائية؛ لأنها أُجريت على عدد قليل من المواليد المصابين بالفيروس، وبيَّن أن هناك معوقات لإجراء الدراسة على أعداد كبيرة، منها أن عملية جمع عينات الدم من المواليد بشكل منتظم لقياس "المخزون الفيروسي" ومتابعة تطورات الفيروس فكرة غير مقبولة، وتنطوي على خطورة شديدة جدًّا على المواليد، وبالتالي سيظل هذا النوع من الدراسات غير دقيق، لكنه يعطي بشكل عام تصورًا مبدئيًّا لما يمكن أن يحدثه منح المواليدِ العقاقيرَ المضادة للفيروسات بعد ساعات من الولادة.

ونوه بأنه لا يوجد حتى الآن علاج يشفي تمامًا من الفيروس، لكن دور هذه العلاجات المضادة للفيروسات، أنها تجعل الحمل الفيروسي للمرض غير قابل للكشف أو ((Undetectable، أي أن الفحص لا يتمكن من عَدّ الفيروس، عبر (CD4 count) وهذا لا يعني أن الفيروس اختفى من الدم، لكنه يظل كامنًا داخل الخلايا التائية، ولا يتكاثر أو يخرج من الخلية، وهذا مؤشر على أن الجهاز المناعي أفضل، كما أن فرص إصابته بأمراض انتهازية مثل الدرن (السل) تنخفض.

وأشار إلى أن المرض له 4 مراحل، كما تشير منظمة الصحة العالمية، وفي حالة تناوُل العلاج، فإن المرض ينخفض من المرحلة الثالثة التي تشهد بداية ظهور الأمراض الانتهازية، إلى الثانية التي يعتبر فيها الفيروس كامنًا داخل الخلايا، وغير منتشر، وفيها يتعايش الشخص مع المرض، ولا تظهر عليه الأعراض الانتهازية، وتكون فرص انتقال المرض من حامل الفيروس إلى شخص آخر -كالزوجة والزوج مثلًا، أو من الأم الحامل إلى طفلها- ضيئلة جدًّا.

أما المرحلة الرابعة فهي تحوُّل الشخص من حامل لفيروس نقص المناعة البشرية إلى مصاب بمرض الإيدز، وعند حدوث الإصابة بالإيدز، يكون التلف اللاحق بالجهاز المناعي قد وصل إلى أشد مستوياته، وفيه يكون المصاب أكثر عرضةً للإصابة بالعدوى الانتهازية أو السرطانات الانتهازية، وهي الأمراض التي لا يعانيها عادةً الشخص الذي يتمتع بجهاز مناعي سليم.

فوائد صحية

عبد الهادي مصباح -استشاري المناعة والتحاليل الطبية وزميل الأكاديمية الأمريكية للمناعة- رأى أن نتائج البحث التي تؤكد فكرة إعطاء جرعة مبكرة -بعد الولادة مباشرة- من العقاقير المضادة للفيروسات للمواليد الذين تحمل أمهاتهم فيروس الإيدز، فكرة جيدة جدًّا، وقد تعود بفائدتين أساسيتين لصحة الأطفال المولودين لأمهات مصابات الفيروس.

وأضاف -في حديث لـ"للعلم"- أن الفائدة الأولى تتمثل في أن الهوية الجينية لخلايا "CD4" التائية في الجهاز المناعي، التي يهاجمها فيروس الإيدز، لا تتكون مباشرةً بعد الولادة، وبالتالي عندما لا يحصل المولود على العلاج بعد الولادة مباشرة، فإن الفيروس يضع بصمته الوراثية على تلك الخلايا، ويؤدي ذلك إلى أن هذا الطفل لا يستطيع وقف العلاج طوال حياته؛ لإبقاء الحمل الفيروسي منخفضًا.

وأوضح أن الفائدة الثانية تتمثل في أن التبكير في إعطاء الأدوية للمواليد، يوفر لهم حمايةً كبيرةً من الفيروس، مثل البالغين الذين يشكّون أنهم قد أصيبوا بالفيروس، بعد إجراء علاقة جنسية مثلًا مع شريك مصاب بالفيروس، وفي هذه الحالة فإن الأطباء يعطونهم جرعات علاجية خلال 72 ساعة، لمدة 4 أسابيع، وبعد ذلك يجرى تحليل لهم.

وعن جدوى حصول الحوامل المصابات بالفيروس على العقاقير المضادة للفيروسات، أشار "مصباح" إلى أن ذلك يقلل الحمل الفيروسي لديهن إلى أدنى مستوياته، كما يقلل فرص انتقال الفيروس من الأم إلى الجنين بنسبة 99.5%، ولو انتقل فإنه يكون ضعيفًا وغير نشط، على عكس الأمهات اللاتي لا يتناولن العقاقير خلال الحمل.

وعن الجرعات التي تعطى للمواليد، نوه بأن هناك جرعات صفرية وقائية تعطى للطفل المولود لأم مصابة بالفيروس، بعد الولادة مباشرة. وبعد شهر من الولادة، يتم إجراء تحاليل الـ"بي سي آر" لكشف الحمل الفيروسي للمرض لدى الطفل، وإذا كان المولود مصابًا بالفيروس بالفعل، فيجب إعطاؤه العلاج فورًا، إذ يؤخذ يوميًّا، ثم يتم إجراء التحليل مرة ثانية بعد 3 أشهر لمراقبة تقبُّله للعلاج، ومرة ثالثة في عمر 6 أشهر، ثم عند عُمر عامين لمراقبة الحمل الفيروسي للمرض.