السرطان.. هذا المرض المفزع الذي حار فيه الأطباء، لم يعد له هذا القدر من الرهبة والغموض، فالعلاجات تتقدم كل يوم صوب إيجاد حلول، شريطة أن يجري الكشف عنه مبكرًا، وهو ما يعمل باحثون من جامعة ستانفورد للوصول إليه، ولكن باستخدام الذكاء الصناعي "الروبوت".

فبعد بحث بيانات من 130 ألف صورة لمرض سرطان الجلد، لاحظ الباحثون أن للروبوت قدرة على تشخيص هذا النوع بدقة تعادل دقة الأطباء.

واستند فريق البحث في الدراسة المنشورة بدورية نيتشر في فبراير 2017 إلى استخدام طريقة "التعليم العميق"، وهي خوارزميات معقده تعتمد عليها جوجل وغيرها للتعرُّف على الصور، وبالتالي تمييز أي موقع أو منظر في الصورة وتحديد ماهية الشيء الموجود فيها، إلى جانب تمييز الصوت وتحويله إلى نص ثم تنفيذ الأوامر الصوتية، كأن تطلب من محرك البحث بعد الضغط على علامة الميكروفون البحث عن رحلات رخيصة إلى القاهرة- وهو ما يُعرف باسم "Google Recognition".

 من خلال هذه العملية تمكن الروبوت من تشخيص 21 نوعًا من سرطانات الجلد والجهاز التناسلي محملة بحوالي  1.28 مليون صورة جرى وضعها ضمن ألف تصنيف رئيسي، لإعداد قاعدة بيانات يمكن للروبوت أن يعمل من خلالها، لكن هناك العديد من التجارب المطلوبة قبل جعله متاحًا للاستخدام، كما يقول سيباستيان ثرن -الأستاذ بمختبر الذكاء الاصطناعي بجامعة ستانفورد- لـ"للعلم".

ويرى ثرن أن هذا الروبوت ليس بديلًا للأطباء؛ "فدورهم بطبيعة الحال يتخطى مجرد تشخيص سرطان الجلد، لكن نأمل أن يكون هذا الجهاز مفيدًا للأماكن التي تعاني ضعف الرعاية الطبية". 

فيما يعوِّل أندريه ستيف -الباحث المساعد في الدراسة- على التطبيقات الأخرى الممكنة للجهاز، "يجري إعداد تطبيقات للهواتف الذكية لاكتشاف سرطان الجلد باستخدام نفس التقنية، وستصل هذه التطورات في المستقبل لأجهزة المستهلك".

روبوتات للعلاج

الخدمات الطبية التي يقدمها الروبوت لا تتوقف عند حد التشخيص، ففي واحد من المختبرات القليلة على مستوى العالم بجامعة أوبسالا السويدية، عرض فريق بحثي في 2015 نتائج بحثهم حول تأثير استخدام الروبوت في علاج المرضى ممن تكررت إصابتهم بالسرطان حتى توقفت الخلايا عن الاستجابة للعلاجات.

فنظم الروبوتات الجديدة أصبحت فعالة في إيجاد مركبات دوائية جديدة تؤثر على الخلايا المصابة دون الإضرار بالسليمة، وبدلًا من المزج بين مادتين فقط،  لدى مختبر الروبوت القدرة على  المزج بين اثنتي عشرة مادة دوائية فى وقت واحد.

ويهدف هذا البحث المنشور بدورية نيتشر إلى اختبار عدد أكبر من التركيبات على المريض في اللحظة ذاتها، إلا أنه لم  يذكر الآثار الجانبية لهذه التركيبات.

كما تجرى الآن محاولات لجعل نظام الروبوت أكثر آلية، فهناك بعض التدخل البشري في هذا الإصدار، كما يرغب العلماء في إضافة المزيد من المعرفة عن الطريقة الخوارزمية المستخدمة في توجيه الروبوت، مثل معرفة أهداف الأدوية ومسارات المرض.

روبوتات جراحية

أما التطبيقات الأخرى لاستخدام الروبوت طبيًّا، فحينما يتعلق الأمر باستخدام المشرط، تبدأ التعقيدات في الظهور، ففي ورقة بحثية قُدِّمت خلال مؤتمر الجمعية البريطانية للجراحين عام 2011، حذر علماء من سلبيات استخدام الروبوت في العمليات الجراحية الكبيرة مثل إزالة العقد الليفية في منطقة الحوض؛ لأنه قد يؤدي إلى حدوث نزيف حاد والموت المفاجئ، بسبب ضيق هذه المنطقة، كما يمكن للروبوت أن ينشر خلايا سرطانية جديدة في أثناء الدخول والخروج.

الدراسة المنشورة على موقع المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية، استندت إلى نتائج تطبيق البحث على أربع حالات مع متابعة آثار العملية الجراحية ومضاعفاتها.

أما في عام 2006 فقد نُشرت دراسة بحثية من جامعة كامبردج حول استخدام الروبوت فى الكشف عن المواد الحساسة مثل سرطان الجلد البشرى بدقة عالية من خلال التقاط صور دقيقة للسرطان ولحصوات المرارة، ليس هذا فحسب، بل وتوصيل "الإحساس" بالورم من داخل جسم المريض إلى الطبيب وبالتالي عمل جراحة دقيقة للمرضى.

ومما يميز هذه التكنولوجيا تحديدًا رخص ثمنها إلى حد ما، فوفق موقع ناشيونال جيوجرافيك فهي تتكلف من 50 سنتًا إلى دولار واحد لإنتاج كل بوصة مربعة (16 سنتيمتر مربع)، وحجم الجهاز يمكن أن يكون في حجم الورقة أو يصل إلى ثلاثة أقدام (91 سنتيمتر).

ويقول سارف -الباحث المشارك في الدراسة-: "الاتجاه القادم سوف يقوم بتصوير درجات الحرارة، من خلال إنتاج كاميرات لتصوير الأشعة تحت الحمراء بشكل أفضل مئة مرة مما هو عليه اليوم، ويمكن أن يضاف هذا التطور لتقنيات الرؤية الليلية والكاميرات في التليسكوبات الفضائية".

تكنولوجيا مرتفعة التكاليف

ويوضح هشام الغزالي -أستاذ الأورام في كلية الطب، جامعة عين شمس- لـ"للعلم": إن أهمية البحث تنبع من دعمه لفكرة التعاوُن بين علوم الكمبيوتر والطب للوصول إلى طرق أفضل لاكتشاف الأورام وعلاجها بأقل نسبة من الآثار الجانبية.

ويرى استحالة أن تحل هذه التطبيقات محل الأطباء؛ "هي مجرد عامل مساعد، ولا تتوفر تطبيقات مخصصة للاستخدام من قِبَل المرضى أنفسهم حتى الآن، لكن هناك ما يربط المراكز البحثية الطبية في مختلف الجامعات داخل مصر للتواصل ونشر الاهتمام الطبي على مستوى الجمهورية".  

وينتقد في حديثه لـ"للعلم" تأخُّر مصر عن اللحاق بركب التكنولوجيا: "تطور العلم في أبحاث الأورام بشكل كبير خلال السنوات الخمس الماضية في مصر، لكننا لا نزال مستهلكين للتكنولوجيا والأدوية"، ويتابع: "هناك تعاون بين مصر وبعض الدول الأجنبية لعمل أبحاث لمعرفة المحتوى الجيني لخلايا السرطان للمصريين حتى يجري تحديد الطرق الأنسب لعلاج الأورام هنا، مع العلم أن تكلفة هذه التكنولوجيا عالية جدًّا".

ويذكر أن هناك اتفاقيات للتعاون بين مركز أبحاث طب عين شمس وكلية الحاسبات والمعلومات وكلية العلوم بالجامعة لاكتشاف أدوية جديدة لعلاج الأورام تكون قليلة الآثار الجانبية، لكنها ما زالت أفكارًا قيد التجربة العلمية.