على الرغم من أن العلماء قد توصلوا إلى الكثير من المعلومات عن الدماغ في العقود القليلة الماضية، فإن منهجيات علاج الأمراض النفسية لم تواكب خطى هذا التطور السريع. وفي الوقت الذي يتعرف فيه علماء الأعصاب على المزيد من المعلومات عن الدوائر الدماغية، يتنبأ أميت إتكين -طبيب الأمراض النفسية بجامعة ستانفورد- بأنه سيأتي وقت تُشخص فيه الأمراض بناءً على مسح الدماغ بدلًا من الأعراض. وقد تحدث إتكين -الذي ألقى كلمة في "الملتقى السنوي للأبطال الجدد" التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي، والذي عُقد في مدينة تيانجين بالصين في المدة من 26 إلى 28 يونيو- مع مجلة "ساينتفك أمريكان" عن أبحاثه حول الأسس العصبية للاضطرابات الانفعالية ومستقبل علاج الصحة النفسية.

[فيما يلي نسخة منقحة من الحوار الذي أجري معه.]

لا يتحدث الكثيرون عن التكلفة الباهظة لعلاج الأمراض النفسية. فما سبب ذلك؟

هذه قضية مثيرة للاهتمام حقًّا. فالتكلفة المرتبطة بالأمراض النفسية ليست فقط نظير تقديم الرعاية للمرضى، والتي عادةً ما تبدأ في مرحلة مبكرة من حياة الشخص وتستمر معه مدى الحياة، وإنما تشمل أيضًا تكلفة ما يتكبده أصحاب الشركات من خسائر بسبب انخفاض الإنتاجية وخسائر المجتمع بشكل عام. ويشير تقرير نُشر مؤخرًا في دورية "هيلث أفيرز" Health Affairs إلى أن الإنفاق على علاج الأمراض النفسية في نظام التأمين الصحي في الولايات المتحدة أكبر من الإنفاق على أي مجال طبي آخر، غير أن فهمنا لهذه الأمراض متأخر بصورة لا تصدق. فالعلاج المتوفر اليوم لا يختلف كثيرًا عما كان عليه قبل 40 سنة، ومن ثَم، يبدو الأمر وكأنه مشكلة تكبر مع الوقت، دون أي حلول تلوح في الأفق.

لماذا لم يُحرَز تقدم يُذكر في هذا المجال؟

لم يلحظ المختصون في مجال الصحة النفسية مدى ضآلة التقدم الذي أحرزناه إلا قبل 10 سنوات فقط. كما أننا ارتكبنا بعض الأخطاء وظهرت بعض المشكلات الجوهرية، من بينها أننا في ظل جهلنا بمسبِّبات الأمراض التي نعالجها، فإننا نركز على الأعراض، وهذا دفعنا إلى المضي قدمًا في الطريق الخطأ. إذا ذهبت إلى بلد آخر وطلبت من شخص ما أن يخبرك عن الأعراض التي يعانيها، فقد ترى بخبرتك في الطب السريري أنه يعاني القلق أو الاكتئاب. أما في البلدان الآسيوية فإنهم يعبرون عن ذلك تعبيرًا جسديًّا، فتجد منهم من يقول: "لا أستطيع النوم" أو "أشعر بالضعف والهزال"؛ ولا يمكن أن يختلف علم الأحياء إلى هذا الحد بين البلدين، ولكن الأعراض تختلف لأنها مرتبطة بالسياق الثقافي. وإذا نظرت إلى أجزاء مختلفة من الولايات المتحدة الأمريكية، ستَلحَظ أن الأشخاص يعبرون عن الأعراض التي يعانونها بطرق مختلفة بناءً على ثقافتهم المحلية. إن كانت هذه هي الحالة بالفعل، فإن التعريف القائم على دراسة الأعراض المرضية يصبح إشكاليًّا. الخلاصة أن الأشخاص أطلقوا أسماء على المتلازمات أو الاضطرابات التي يجهلون أنها في الواقع تُمثِّل أشياء قائمة بذاتها ومختلفة عن غيرها.

كيف ترى الطريق قدمًا؟ كيف نصحح هذه الأخطاء؟

تصادف إدراك هذه الأخطاء مع عصر تكنولوجيا التصوير الطبي التشخيصي، بل ومؤخرًا مع التركيز المثير للاهتمام على تحليل الحالات الفردية: هل هناك شيء مميز فيما يتعلق بدماغ شخص معين يجعلنا نتنبأ بشيء؟ وأنا أُطلِق على هذا الأسلوب "منهج الدوائر أولًا"؛ إذ إننا نعرف أن السلوك مرتبط بشكل أساسي بالدوائر الدماغية، أي أنه ثمة دوائر في الدماغ تحدد أنواعًا معينة من السلوكيات وأنواعًا محددة من الأفكار والمشاعر. وعلى الأرجح هذه أفضل طريقة لتنظيم النشاط الدماغي. إذا تمكنَّا من التعرف على المشكلة أو الاضطراب الذي أصاب الدوائر الدماغية وتسبب في ظهور الأعراض التعويضية على مستوى الحالات الفردية، ثم ربط ذلك بكيفية التدخل العلاجي، يمكننا بذلك تجاوز مرحلة التشخيص تمامًا، والتدخل مباشرة في النشاط الدماغي وتوجيه العلاج إليه.

إلى أي مدى ترى أننا اقتربنا من التشخيص بناءً على أشياء ملموسة أكثر من الأعراض؟

في المجالات المختارة التي تتوفر لدينا عنها أفضل بيانات، قد نحقق ذلك في غضون السنوات الخمس إلى العشر المقبلة. ويعتمد هذا أكثر على كم الإثباتات العلمية التي نحتاج إليها للحصول على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) ونصل إلى إنتاج مستحضر يمكن تسويقه وبيعه للجمهور؛ أي بمعنى آخر، إخراج النهج العلاجي الجديد من المعمل إلى الأسواق.

تستخدمون في المعامل التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة (TMS)، لكن هل سيكون المنتَج الذي سيُطرح للجمهور في شكل أقراص؟

هذا سؤال مثير للاهتمام حقًّا. ثمة افتراض سائد بأن الأدوية هي الطريقة المفضلة -أو ربما الطريقة المثلى- للعلاج بشكل عام، وربما تعود جذور هذا الافتراض إلى تاريخ الطب النفسي، وباقي المجالات الطبية أيضًا. لستُ متأكدةً من أن أقراص الدواء هي بالضرورة أفضل نهج للعلاج في الطب النفسي؛ فإغراق الدماغ بالعقاقير التي تؤثر على أجزاء كثيرة من الدماغ، وتؤثر كذلك على أجزاء كثيرة من الجسم، هو أسلوب فج وغير محدد للتأثير على جزء محدد للغاية من الدماغ. على النقيض، وكما أثبتت منهجيات تحفيز الأعصاب التي نتبعها، يمكننا تحديد الأهداف التي نريدها بدقة أكبر. وإذا ما حددنا معيارًا بأننا نريد تحقيق نتائج من العلاج خلال أيام أو أسبوع، فعندها يمكننا بالفعل تحقيق نتيجة قوية وسريعة، لدرجة أني لا أعتقد أنه سيكون هناك أي سبب لتناول أدوية في كثير من الأحيان، إذا ما كان بإمكاننا تحقيق النتائج المرجوة من خلال تحفيز الأجزاء المسؤولة في المخ. بالطبع لم نصل لهذه المرحلة بعد، ولكني أتوقع أن تتطور الأمور في ذلك الاتجاه، وهذا هو بالضبط ما يثير حماسي أنا وفريق العمل بمعملي.

 

هل حصلت على أي تعليقات من الناس فيما يتعلق بالعلاج عن طريق التحفيز المباشر لأجزاء من الدماغ؟ هل يتقبلون هذه الفكرة؟

كان لدينا شخص مصاب باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) مزمن، جاء إلينا في دراسة أجريناها لفهم كيف يعمل العلاج النفسي لدى الأشخاص المصابين باضطراب ما بعد الصدمة. في حالة هذا الاضطراب، العلاج الوحيد الفعال حقًّا هو العلاج النفسي، هناك بعض الأدوية لكنها لا تعمل بنفس درجة الكفاءة. وكان جزء من الدراسة يتمثل في رسم تخطيطي للدماغ من خلال التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة وفي الوقت نفسه قياس النشاط الدماغي من خلال التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، لا شيء علاجيًّا على الإطلاق. إن العلاج النفسي فعال للغاية ولكنه مليء بالتحديات؛ إذ إنه يتضمن التحدث عن الصدمة التي مر بها المريض واستعادة السيطرة على التجربة التي مر بها. وقد قال ذلك المريض إنه إذا كانت هناك أية طريقة لاستخدام التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة معه بدلًا من العلاج النفسي فإنه يفضلها بشدة؛ إذ إن فكرة خوض إجراء علاجي قاسٍ حيث يحاول المريض استعادة السيطرة على التجربة الصادمة التي مر بها لا تروق كثيرًا للمرضى حتى لو أخبرتهم أنها طريقة فعالة للغاية. لذا أعتقد أنه إذا توفَّر أسلوب علاجي لا ينطوي على هذا القدر من الانفعالات العاطفية ويتميز بأنه أكثر عقلانية من حيث النهج، فلا شكّ أنه سيروق كثيرًا للمرضى.

كانت هناك ردود أفعال سلبية تجاه العلاج بالأدوية والطريقة العشوائية التي نتعامل بها مع الأمور، وهذا يدفع الناس للتفكير في أساليب علاجية أخرى قد لا تتوفر أدلة كافية على فاعليتها. وهذا على الأرجح يرجع إلى الشعور باليأس والإحباط؛ فالمرضى يريدون التعافي بسرعة أكبر ليتمكنوا من العودة لممارسة حياتهم الطبيعية والاجتماع بعائلاتهم، لذا إذا عُرضت عليهم طريقة بديلة فعّالة، فلا أظن أن هناك سببًا قد يمنعها أن تصبح رائجة بشدة لدى المرضى. بل وفي الطب النفسي بالتحديد قد تكون هذه الطريقة مريحة حقًّا؛ لأن أية طريقة أخرى ستبدو ذاتية للغاية، وأن يكون لديك بديل فيه أرقام واختبار موضوعي يساعد على إضفاء مصداقية على تجربة الشخص. إن الأشخاص الذين يعانون أمراضًا نفسية، يعرفون ما يعانون منه، ولكنهم لا يستطيعون التعبير عن ذلك بأرقام محددة كما في الأمراض الجسدية، كأن تجد أحدهم يخبرك: "مستوى هذه النسبة في دمي 17 على سبيل المثال"، وهذا يؤثر بشكل كبير على كيفية نظر المجتمع إلى الأمراض النفسية، بل وأيضًا كيفية نظر المرضى أنفسهم إلى أمراضهم.

أجريت هذه المقابلة بالتزامن مع المنتدى الاقتصادي العالمي.