تحدثت في مقال سابق عن معضلة توحيد القوى الأساسية المختلفة في الطبيعية، والسبل التي سعى فيها العلماء لإيجاد إطار توحيدي لها. يعتقد العلماء أن توحيد هذه القوى الأساسية يبدأ من إيجاد إطار موحد لفهمنا للنسبية العامة وفيزياء الكم في نسق واحد، وهو ما اصطُلح على تسميته بالجاذبية الكمية، والتي تُعَدُّ الطريق إلى «نظرية كل شيء» في هذا الكون.

من المحاولات الجادة للعلماء في هذا الصدد، صياغة نظرية «الأوتار الفائقة»، وتعتمد فكرتها على فرض يغير نظرتنا للكون بالكامل.

 فقبل نظرية الأوتار الفائقة كان من السائد بين العلماء أن الكون بكل مكوناته وذراته يتشكل من مجموعة محددة من الجسيمات الأولية التي تختلف فيما بينها من ناحية الخصائص الفيزيائية، كعدد المغزلية الكمي وكتلة السكون وغيرها.

وأعداد الكم هي أربعة أعداد توضح لنا حالة الإليكترون في أثناء دورانه حول نواة الذرة، ولا يمكن لإلكترونين في ذرة واحدة أن يمتلكا نفس الأعداد الكمية الأربعة، وفقًا لقاعدة باولي للاستبعاد. وتنص قاعدة بولي للاستبعاد، للعالِم < فولفغانغ باولي >، الحائز جائزة نوبل في الفيزياء عام 1945م، على "أنه لا يمكن لاثنين من الفرميونات، أن يحتلا نفس الحالة الكمومية في نفس الوقت، وهي أي حالة ممكنة ومحتملة يمكن أن يكون عليها النظام الكمي. وبدورها تنقسم الفرميونات إلى مجموعتين هما الليبتونات كالإلكترونات، ومجموعة الكواركات التي تكوِّن كلًّا من البروتونات والنيوترونات.

في المقابل، جاءت فكرة نظرية الأوتار -والتي جرى العمل عليها في الأربعين سنة الماضية- بفرضية أصيلة وهي أن الجسيمات الأولية التي يتشكل منها كل شيء في الكون -كالإلكترونات والكواركات وغيرها من الجسيمات الأولية- ما هي إلا انعكاس لشيء وحيد وأساسي، وهو الوتر. فالإلكترون ما هو إلا اهتزاز ومستوى طاقة معين لهذا الوتر، والكوارك ما هو إلا اهتزاز آخر للوتر ذاته. 

في نظرية الأوتار الفائقة ندرك الكون كمعزوفة من أوتار فائقة يتفاعل بعضها مع بعض لتنتج لنا الجسيمات الأولية التي نرصدها في معاملنا. من الممكن أن يتساءل القارئ: ولكن ما هي مكونات هذا الوتر؟ فيرد الفيزيائيون بأن هذا الوتر مكون أساسي في هذا الكون، وأن هذا السؤال يناقض الفرض المبدئي له.

استمر عمل نظرية الأوتار الفائقة التي ربما تغير نظرتنا للكون لو ثبتت صحتها تجريبيًّا. وكعادة البحث العلمي تتشعب فيه مجموعة مختلفة من الأعمال البحثية والمقترحات العلمية من مجرد فكرة مبدئية. إذ عكف علماء الفيزياء والرياضيات على إجراء عدد كبير من الأبحاث العلمية، والتي كشفت الغطاء عن تمكُّن تلك النظرية الوليدة من معالجة معضلة الدمج بين ميكانيكا الكم والنسبية العامة في إطار واحد، إذ وجد العلماء أن جسيم الجرافيتون -والذي يُعَد الجسيم الكمي لقوى الجاذبية- ما هو إلا انعكاس لنفس الوتر الأساسي، والذي بدوره ينتج بقية الجسيمات الأولية التي تمثل القوى الأخرى. ويتم استنتاجه بشكل طبيعي في النظرية بشكل متقن رياضيًّا ودون الحاجة لأي فروض إضافية، مما يعني أن نظرية النسبية العامة تحتاج إلى نظرية فيزياء الكم لكي يكون لنظرية الأوتار معنى.

من التقليدية إلى الكمومية

ولتذكير القارئ بعالم فيزياء الكم يُشَكِّل مفهوم الواقع في النظـرية الكمومية انحرافًا جذريًّا عـن نظيـره في الفيـزياء التـقليدية. ففي إطار النظرية الكمومية، ليس للأجسام مواضع ولا سـرعات محددة ما لم يُجـرِ راصدٌ قياسًا لها. وهكذا، تدل الفيـزياء الكمومية ضمـنًا على واقع مختلف عن نظيـره في الفيـزياء التـقليدية، حتى وإن كانت الأخيـرةُ منسجمةً مع مدرَكاتنا الحدسية وما زالت تخدمنا جيدًا عندما نصمم أشياء كالأبنية والجسور.

ويتبنى العِلم الحديث مفهومًا يُطلَق عليه اسم «الواقـعـية القائمة على نموذج» model-dependent realism، فكل نظـرية فيـزيائية أو تمثيل للعالَم ليست سوى نموذج (له طبـيعة رياضية على الأغلب) مع مجموعة قواعد تربط عناصـر النموذج بمشاهدات أو أرصاد. وتبعًا للواقـعـية القائمة على نموذج، مـن العبث التساؤل عما إذا كان نموذجًا حقيقيًّا أم لا، بل يمكن التساؤل فقط عما إذا كان متَّفِقًا مع مشاهدات أم لا. وفي حالة اتـفاق نموذجيـن مع مشاهدات معينة، لا يمكـن اعتبار أحدهما حقيقيًّا أكثـر مـن الآخـر. ويمكـن استعمال أي منهما لِما هو أنسب في الموقف قيد النظـر. لذلك إن تقم نظرية الأوتار بتوحيد إطار فهمنا لفيزياء الكم مع النسبية العامة.. فهذا يُعَدُّ إنجازًا كبيرًا للعقل البشري. 

نظرية كل شيء

أي أنه وفقًا لنظرية الأوتار الفائقة فإن الدمج بين قوانين الأشياء الضئيلة متناهية الصغر (فيزياء الكم) والأشياء الضخمة (النسبية العامة) هو أمر حتمي يتطلب توافق النظرية ذاتها. ولكن كما ذكرنا قبل ذلك أن هذا الوتر الأساسي لا ينتج خصائص جسيم الجرافيتون أو يفسرها فحسب، بل يفسر لنا أيضًا خصائص ووجود غيره من الجسيمات الأولية، مما يعضد القول بأن نظرية الأوتار الفائقة مرشحة لأن تقدم لنا نظرية كل شيء.

ولكن على الرغم من أن فرض الوتر الأساسي هذا يبدو بدائيًّا... إلا أن العلماء وجدوا أن تداعياته تشكل تغييرًا جذريًّا في فهمنا للكون. أولًا: وجد العلماء أن نظرية الأوتار الفائقة تكون متوافقة ومتقنة رياضيًّا فقط في عشرة أبعاد وليس أربعة أبعاد، كما عهد الفيزيائيون في صياغة تفسيرهم للكون، وحيث إن هذا الوتر يوجد عند مستويات فائقة من الطاقة تعرف بمستوى بلانك، والذي يبلغ مقدار 10 مرفوعة لأس 19 جيجا إلكترون فولت، لذلك فهذه الأبعاد العشرة لو وُجدت فستكون موجودة عند هذه الطاقة الفائقة، وكلما قلَّت الطاقة حدث انبعاج لهذه الأبعاد الزائدة لتختفي من عالمنا الملموس عند الطاقات القليلة نسبيًّا، ليتبقى لنا فقط أربعة أبعاد (الطول والعرض والارتفاع والزمن) الذين نعهدهم في حياتنا وتجاربنا حتى الآن.

أحد تداعيات فرض الوتر الأساسي أيضًا هو خلق خمس نظريات أوتار فائقة للكون، تبدو مختلفة فيما بينها، مما وضع العلماء في حيرة لسنوات، أيهما أصح وأيهما الطريق لنظرية كل شيء. إلى أن جاء الفيزيائي العملاق، <إدوارد ويتن>، (من معهد پرينستون للدراسات المتقدمة في نيوجرسي) عام 1995، ليزيح الستار عن واحدة من أعمق النظريات التي توصل لها العقل البشري، وهي نظرية M-theory والتي فيها وجد ويتن أن هذه النظريات الخمس المختلفة للوتر الفائق ما هي إلا نظرية واحدة تعيش في أحد عشر بُعدًا، أو بزيادة بُعد واحد عن النظريات الخمس للوتر الفائق. 

ويجري الحصول على أيٍّ من النظريات الخمس المشار إليها في نظرية M-theory عن طريق انبعاج البعد الزائد بطرق مختلفة، مما يعني أنه تكون لدينا نظرية واحدة للوتر الفائق يستلزم توافقها وإتقانها الرياضي أن تندمج النسبية العامة مع فيزياء الكم، وليس هذا فحسب، بل والتنبؤ ببقية القوى الأساسية في الكون في نفس ذات الإطار، مما يجعلها "مرشحًا قويًّا" لأن تصبح نظرية كل شيء.

ولم تكن نظرية الأوتار هي أول نظرية تشير إلى وجود أبعاد مكانية زائدة؛ فالفكرة ترجع إلى عشرينيات القرن الماضي. إن أبعاد الكون المألوف هي بطبيعة الحال أربعة: ثلاثة أبعاد مكانية، الطول والعرض والارتفاع، وبُعْد زمني واحد. إلا أن الفيزيائيَيْن <T. كالوزا> (البولندي) و<O. كلاين> (السويدي) اقترحا منذ أوائل العشرينيات وجود بُعد خامس مختفٍ. وهذا البعد الإضافي غير متناهٍ، على خلاف الأبعاد الأخرى، فهو ينغلق على نفسه مكوِّنًا دائرة.

وفي عام 1978، اتضح للفيزيائيين <E. كريمر> و <B. جوليا> و <H. شيرك> (من المدرسة العليا للأساتذة في باريس) أن أفضل اختيار لأبعاد التثاقل الفائق هو 11 بعدًا: عشرة أبعاد مكانية وبُعد زماني واحد. أما نوع العالم الحقيقي ذي الأبعاد الأربعة، الذي تصل إليه النظرية في نهاية المطاف، فيتوقف على الكيفية التي تلتف بها الأبعاد الإضافية على طريقة كالوزا ـ كلاين.

ولا شيء يمنعنا من تصور استخلاص القوى النووية الضعيفة والقوية، إضافة إلى القوى الكهرومغناطيسية من الأبعاد المتعددة الملتفة. لذا أخذ الفيزيائيون يهتمون بالتثاقل الفائق بأحد عشر بُعدًا، آملين أن يكون هو نظرية التوحيد المنشودة. إلا أن أسس هذه النظرية اهتزت بعنف عام 1984. ذلك أن إحدى خصائص العالم الحقيقي هي تمييز الطبيعة بين اليمين واليسار: لا تبدو قوانين التفاعل النووي الضعيف على الشكل نفسه إذا ما نُظِر إليها من خلال مرآة (فالنيوترينو -على سبيل المثال- جسيم أعسر). وقد بيّن ويتن وآخرون أنه لا يمكن استخلاص هذا التمييز عندما نختزل أبعاد الزمكان من 11 إلى أربعة.

السر في المعنى

وقد يتساءل القارئ: ولِم سميت النظرية بـM؟ ويجيب ويتن ضاحكًا: إن M هنا قد تعني (magic السحر، أو الغموض mystery، أو معتم murky أو الغشاء membrane) وفقًا لتذوق الباحث للنظرية. فربما ينظر إليها البعض على أنها نظرية «سحرية» تنتج قوانين الطبيعة قاطبة بفرض أولي، ومن الممكن أن يتذوقها الباحث على أنها شيء «غامض» أو «معتم» نتيجة كم الأسئلة التي تطرحها النظرية، ولفهمنا البدائي لها حتى الآن، ومن الممكن أن يتذوقها الباحث على أنها نظام رياضي من قطاعات موجودة في أبعاد عديدة وليس أكثر من ذلك.

وقد عكف عدد كبير من العلماء على دراسة تداعيات نظرية M-theory في مجالات بحثية عدة، منها البحث الكوني، ومحاولة فهم أصل الكون من خلالها. من هذه البحوث بحث شارك فيه كاتب هذا المقال لمحاولة فهم أصل الكون في إطار M-theory. في هذا البحث المشترك مع علماء من اليابان وإيطاليا وروسيا والولايات المتحدة وإيران والهند. بحث الباحثون أصل تشكُّل الكون في إطار نظرية M حيث جرى افتراض وجود جسيمات جرافيتون في نسق قياسي ومرتبطة بقطاع يسمى M0 في نظرية M. هذا القطاع بالطبع موجود في أحد عشر بعدًا، وتماثليته تُعَد في أقصى درجة لها، لذلك لا يوجد أي أنواع أخرى من الجسيمات تستطيع تمييزها عن هذا الجرافيتون القياسي.

حدث مرحلة لاحقة لربط قطاعات M0 بعضها ببعض ليتكون قطاع وقطاع مضاد يسمى M1 تنكسر معه بعض التماثلية التي كانت موجودة، ليتولد مع كسر التماثلية هذا مجموعة من جسيمات جرافيتون في أنساق مختلفة غير قياسية. يحدث بعد ذلك أن تنحل هذه الأنساق المختلفة من الجسيمات إلى جسيمات جديدة معروفة بالفرميونات.

لقد وجد الباحثون من خلال الاستنتاج الرياضي أن هذه الفرميونات ذات المغزلية المتوازية تنعدم فيها الرابطة علي قطاع M1، مما يسبب نشأة قاعدة بولي للاستبعاد الخاصة بمغزلية الجسيمات، وكذلك وجد الباحثون أنه بترابط قطاعات M1 بعضها مع بعض يتكوَّن قطاع جديد M3 يشكل كوننا أحد هذه القطاعات. ونتيجة اختلاف درجات الحرية لهذا القطاع على حدوده من عمقه. يؤدي ذلك إلى تمدُّد الكون، وفقًا لنظرية العالم الكبير تانو بدمبهان (T. Padmanabhan).

نشر الباحثون هذه الدراسة بالمجلة الأوروبية للعلوم الفيزيائية، والتى قدمت تفسيرًا لتذبذب الكون في إطار تمدده عن طريق اعتبار قطاعات أو أغشية M تترابط معًا مكونةً ثقوبًا دودية. وتتسبب هذه الثقوب الدودية في اختلاف درجات الحرية بين الحدود والعمق لهذه الأغشية، مما يتسبب في إحداث التمدد الكوني المرصود. ويسعى هذا البحث إلى إيجاد تفسير نظري للتمدد الحاصل في الكون في إطار نظرية M-Theory، إذ لا يزال هناك عمل متواصل في هذا الشأن. في الختام، نستطيع القول إن نظرية الأوتار الفائقة تشكل لنا إحدى السبل الرئيسية لتحقيق حلم الإنسان القديم: أن يعلم كل شيء عن الكون!

 

المراجع :

1- Zwiebach, Barton. A first course in string theory. Cambridge university press, 2004.

2- Witten, Edward. "String theory dynamics in various dimensions." Nuclear Physics B 443.1 (1995): 85-126.

3- Sepehri, Alireza, Ahmed Farag Ali, Kazuharu Bamba, Salvatore Capozziello, Richard Pincak, Anirudh Pradhan, Farook Rahaman, and Emmanuel N. Saridakis. "Cosmological expansion and contraction from Pauli exclusion principle in $ M0 $-branes." arXiv preprint arXiv:1608.07683 (2016).

4- Sepehri, Alireza, Farook Rahaman, Salvatore Capozziello, Ahmed Farag Ali, and Anirudh Pradhan. "Emergence and oscillation of cosmic space by joining M1-branes." The European Physical Journal C 76, no. 5 (2016): 1-12

5- - Padmanabhan, T. (2012). Emergent perspective of gravity and dark energy. Research in Astronomy and Astrophysics, 12(8), 891