ذكرت دراسة أجراها فريق من الباحثين بجامعة "براون" الأمريكية أن الأشخاص الذين يتمتعون بالقدرة على تحمل غموض الآخرين والتسامح مع تصرفاتهم الغامضة يكونون أكثر ثقةً بمَن يتعاملون معهم في بيئة العمل، وكذلك أكثر استعدادًا للتعاون.

وحاولت الدراسة، التي نشرتها دورية "نيتشر كوميونيكيشنز"، الإجابة عن أسئلة مثل: "هل يمكن للشخص أن يضع ثقته في زميل عمل جديد؟ وهل يضمن أن يتعاون ذلك الزميل الجديد بصدق في مشروع مهم؟ مشيرةً إلى أن "تقييم دوافع شخص ما أو نواياه، والتي غالبًا ما تكون مخفية، أمر صعب، وأن قياس كيفية التصرف تجاه الآخرين يستوجب الأخذ في الاعتبار النتائج المحتملة والعواقب الشخصية التي قد تنجم عن التعامل معهم".

وأوضحت الدراسة أن "الأشخاص الذين يتمتعون بالقدرة على تحمُّل غموض الآخرين يكونون أكثر عرضةً للتعاون مع الآخرين والثقة بهم".

تقول "أوريال فيلدمانهول" -الأستاذ المساعد للعلوم الإدراكية واللغوية والنفسية بجامعة براون، والباحث الرئيسي للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن تحمل الغموض يختلف عن تحمل المخاطرة؛ إذ إن المحصلة المستقبلية لتحمُّل المخاطر تكون معروفة مسبقًا، في حين توجد العديد من الأشياء المجهولة المتأصلة في المواقف الاجتماعية تجعلها غامضةً بطبيعتها، ووفق ما انتهينا إليه في الدراسة، فإن الأفراد الذين يتحملون الغموض -نوع من عدم اليقين الذي تكون فيه احتمالات التوصل إلى نتيجة غير معروفة- يكونون أكثر استعدادًا للتعاون مع الآخرين والثقة بهم".

وتضيف أنه "إذا أخذنا بعين الاعتبار كيف نتجول في عالمنا الاجتماعي، فنحن نحتاج باستمرار إلى معرفة ما يشعر به الآخرون وما يفكرون فيه، وحتى لو أخبرَنا شخصٌ ما بأنه غاضب، فإن الأمر يتطلب منَّا معرفة مدى غضبه والطريقة التي يغضب بها ولماذا غضب؛ إذ إنه لن يخبرنا في الوهلة الأولى عن سر غضبه أو مقداره، ما يعني أن علينا التنبؤ بحقيقة سلوكيات انفعالات الآخرين دون أن تكون لدينا القدرة على الوصول إلى حالتهم الخفية أو نواياهم أو مشاعرهم الدفينة".

أُجريت الدراسة على 200 متطوع (106 من النساء و94 رجلًا) تنافسوا في لعبة مقامرة فردية لقياس درجة تحمُّلهم للمخاطرة والشك، وبعدها اشتركوا في ألعاب جماعية لقياس مدى رغبتهم في التعاون مع لاعبين آخرين أو الثقة بهم. وقد استفاد جميع اللاعبين من هذه المخاطرة، ولكنهم، في الوقت ذاته، انتابهم الشك من حدوث خيانة أو التعرُّض للخسارة بسبب هذا التعاون.

وأظهرت إحدى النتائج أن "التسامح مع غموض الآخرين" ارتبط بشكل إيجابي بالرغبة في التعاون مع الآخرين والثقة بهم دون النظر إلى غموض شخصيتهم من عدمه؛ في حين توصل الباحثون في تجربة أخرى إلى أن مَن يتحملون كلفة التعامل مع شخصيات غامضة اختاروا أن يثقوا بشركاء لهم في العمل حتى لو كانوا يرون أنهم لم يكونوا يتصرفون بطريقة جديرة بالثقة في الماضي".

تقول "فيلدمانهول": عدم معرفتنا بخبايا الأشخاص الغامضين أو مشاعرهم أو نواياهم، يجعل من الصعب تحديد إمكانية الوثوق بهم، سواء فيما يتعلق بائتمانهم على أموال، أو معلومات شخصية أو وظيفية، أو الاعتماد عليهم في حالة مواجهة أزمة حقيقية؛ لأن تلك المعرفة غير المكتملة تعني أن التواصل الاجتماعي يكون مفعمًا بالغموض، لكن الشخصيات التي يمكنها التسامح تجاه هذا الغموض تكون لديها القدرة على التعاون مع مثل تلك الشخصيات الغامضة؛ إذ إن القدرة على تحمُّل غموض الآخرين تجعل الشخص منفتحًا واجتماعيًّا بصورة أكبر، مما يعود بالنفع عليه وعلى الآخرين".

وتضيف: كلما كان المناخ محاطًا بالشك والريبة، حاول الأشخاص المتسامحون تجاه هذا السياج من الشك والريبة التكيُّف مع الأمور وتقبل غموض الآخر، والثقة به والتعاون معه.