"الذهب لديكم أكثر من التراب"، مقولة ارتبطت في التاريخ القديم باحتضان مصر ثروةً هائلةً من الذهب، وفق ما تشير إليه «البردية الذهبية»، التي تُعَد أقدم خريطة يحتضنها متحف «تورين الإيطالي»- ويرجع تاريخها إلى الملك سيتي الأول من الأسرة التاسعة عشرة.

ترصد تلك البردية مناجم الذهب المنتشرة بالصحراء الشرقية، أما الاكتشافات الأثرية المتعاقبة فتعكس تمتُّع المصريون القدماء بخبرة هائلة في مجال التنقيب عن الذهب واستخراجه من عروق الكوارتز، فضلًا عن خبرتهم الكبيرة في مجال تصنيعه، كما هو الحال بالنسبة للقبة الذهبية التي عُثر عليها ضمن مخلفات الملكة «حتب حرس» (عاشت نحو 2650 قبل الميلاد)، والدة الملك خوفو وزوجة الملك سنفرو، وقناع الملك توت عنخ آمون الذي يزن نحو 11 كيلوجرامًا وتابوته الذي يزن حوالي 110.5 كيلوجرامات من الذهب الخالص.

تلك الحقائق وغيرها، أكدها الكشف الأثري الأخير لمقبرة أمنمحات -الذي كان يعمل على صناعة التماثيل والحلي الذهبية التي تخص الفرعون بمعابد الإله آمون- بمقابر النبلاء وكبار الموظفين بمنطقة دراع أبو النجا بالبر الغربي بالأقصر في صعيد مصر، ويرجع تاريخها لعصر الأسرة الحديثة الممتدة (1570 إلى 1070 ق.م)، وتضم مومياوات يرجح أنها لزوجته "ست نفر" وولديها.

يقول مصطفى وزيري- رئيس منطقة آثار الأقصر- لـ"للعلم": إن "المقبرة تحوي تمثالًا لـ«أمنمحات» وهو يجلس بجانب زوجته، بالإضافة إلى كثير من قطع الأدوات الجنائزية داخل المقبرة وخارجها، منها مومياوات وتوابيت وأمشاط جنائزية وأقنعة وقطع الحلي وعدد كبير من التماثيل الجنائزية الملونة التي يُطلَق عليها الأوشابتي"، مضيفًا أن "الدراسات التي تُجرى على هذه المقبرة ربما تدلنا على المزيد من الاكتشافات في منطقة ذراع أبو النجا، التي تشتهر بمعابدها وغرف دفنها".

تقنيات أولية

يشير ديتريش كليم وروزماري كليم- الباحثان بجامعة لودفيج ماكسيميليان الألمانية في ميونخ- في كتابهما الصادر عام 2013 تحت عنوان "الذهب والتنجيم عن الذهب في مصر" إلى أن "التقنيات الأولية المستخدمة في صناعة الذهب في المراحل الأولى عند المصريين القدماء لم تكن تعتمد على النار، بل كانت تعتمد على تحويل الأشكال وتغييرها بواسطة المطرقة والسندان وأدوات الضغط".

في المقابل، يقول خالد غريب -رئيس قسم الآثار اليونانية بكلية الآثار بجامعة القاهرة- لـ"للعلم": "إن الرسومات الموجودة على جدران المقابر -وخاصة مقابر ملوك الدولة القديمة (2700– 2250 ق. م) مثل مقبرة الملك زوسر بسقارة والنقوش الممتدة على الطريق الصاعد لهرم خوفو- توضح أن المصريين القدماء أدخلوا النار في صناعة الذهب".

وتصور هذه اللوحات العمال وهم يصهرون المعدن في أوعية كبيرة من الخزف يقف حولها العديد من العبيد والعمال وهم ينفخون النار بأنابيب طويلة من الغاب، أطرافها من الخزف الذي لا يحترق، ثم يصبون الذهب بعد صهره في قوالب لعمل الحلي.

ويربط الطريق الصاعد لهرم خوفو المعبد الجنائزي الموجود شرق الهرم الأكبر بمعبد الوادي الموجود أسفل الهضبة. ومن الطريف أن أفضل صناع الحلي كانوا من الأقزام، لأن أنامل القزم صغيرة تساعده على الدقة في صناعة المشغولات الذهبية، وفق غريب.

المصريون أول مَن اكتشف الذهب

يقول الدكتور منصور النوبي -عميد كلية الآثار بالأقصر- لـ"للعلم": "قدماء المصريين عرفوا الذهب في منتصف العصر الحجري، وبالتحديد في عهد حضارة نقادة الثانية (3500- 3200 ق.م)، وكانوا أول مَن اكتشفه".

اكتشف المصريون القدماء نحو 125 منجمًا بالصحراء الشرقية ومنطقة البحر الأحمر والنوبة، والتي تعني أرض الذهب باللغة المصرية القديمة، ما تُظهره العديد من الخرائط مثل الخريطة الجيولوجية المدونة على ورق البردي والموجودة بمتحف اللوفر بفرنسا، والتي توضح منجمًا للذهب بمنطقة الفواخير في الصحراء الشرقية بمحافظة البحر الأحمر، فضلًا عن البردية الذهبية التي ترجع إلى عهد الملك سيتي الأول، وتوضح أماكن مناجم الذهب بمصر، ويعتقد البعض أن تلك البردية كانت وراء اكتشاف منجم السكري في منتصف القرن الماضي، وفق النوبي.

ويؤكد النوبى أن الذهب كان من الكثرة في مصر حتى إن أحد ملوك ميتاني أرسل بردية -عُثر عليها في منطقة تل العمارنة- إلى الملك أخناتون (1369- 1354 ق.م) يقول فيها: "أفيضوا علينا ببعض التبر فإنه في بلادكم كالتراب"، مشددًا على أن "صناعة الذهب ارتبطت عند المصريين القدماء بعقيدة الخلود؛ لأنه لا يتغير لونه بمرور الزمن".

تقنيات متطورة

بدوره، يقول طه مطر -القائم بأعمال مركز بحوث وتطوير الفلزات التابع لوزارة التعليم العالي- لـ"للعلم": "يوجد الذَّهب في الطبيعة في أماكنَ معيَّنةٍ، وغالبًا ما يكون في صخور الكوارتز والبازلت، كما يمكن أن يكون متَّحدًا مع معادن أخرى كالنحاس والفضَّة". ويضيف: من أهم أماكن وجوده مصبَّات الأنهار، وأسفل الجبال، وأحيانًا على شكل عروقٍ مدفونة تحت طبقات الأرض.

استخدم القدماء عدَّة طرقٍ لفصل الذهب عن الشوائب، كالصخور والحجارة والرِّمال، وكانوا يصنعون مناخل ذات ثقوب بأحجامٍ مختلفة، ويضعون فيها الرّمال والحجارة التي تحوي بين أجزائها حبيبات الذهب المخفية، فتنزل حبيبات الذهب مع الحجارة الصغيرة جدًّا والرمال في وعاءٍ آخر، ثمّ ينظرون بين الحجارة والأجزاء الكبيرة التي بقيت في الغربال ولم تنزل؛ حتى يتأكّدوا من عدم وجود كُتلٍ ذهبيةٍ كبيرةٍ لم تنزل من الثُّقوب، كما كانوا يستخدمون معدات بسيطة لفصل الشوائب عن الذهب، فيما يمكن وصفه بعملية الطرد المركزي، وفق مطر.

ويُستخدم في هذه العملية طبقٌ مخروطيٌّ مصنوعٌ من الخشب أو الحديد، يضعون فيه المكوِّنات التي حصلوا عليها بعد الغربلة، ويضيفون إليها الماء، ثمَّ يُجرون عملية الأرجحة الدَّائرية؛ وذلك من أجل طرد الرِّمال والحصيات الصَّغيرة إلى الأعلى والأطراف؛ لأنها أخفُّ وزنًا من الذهب، وبذلك تنزل المعادن الثَّقيلة كالذهب والفضَّة وتتركَّز في المنتصف والأسفل، ثمَّ يغسلون الجزء العُلويَّ من هذه الشوائب ويتخلَّصون منها، ويكرِّرون هذه العملية عدَّة مرات حتى يبقى الذهب وحده في قاع الطَّبق المخروطي، وعندها يجمعونه ويصهرونه.

رواسب الوديان

ويوضح محمد عبد الدايم -رئيس شعبة تكنولوجيا الخامات بمركز بحوث وتطوير الفلزات- في تصريحات لـ"للعلم" أن "الذهب موجود في ثلاثة أنماط أساسية تتكرر في المناجم المختلفة، وهذه الأنماط تشترك في أنها موجودة في الصخور التي ترتفع فيها نسبة المعادن المحتوية على عناصر مثل الحديد والماغنسيوم". ويضيف: ولأن هذه المعادن تكون ذات درجة انصهار عالية، تتبلور الصخور من جَرَّاء عملية الصهر، قبل أن تفقد الكثير من عنصري الماغنسيوم والحديد. ويستطرد: يُنتزع الذهب من هذه الصخور، ثم يعاد ترسيبه في شكل عروق، بالإضافة لوجود الذهب في رواسب الوديان المحيطة بالمناجم في شكل فتات. اعتمد المصريون القدماء على هذه الرواسب للحصول على الذهب؛ لأنها سهلة الاستخراج، ثم اتجهوا بعد ذلك إلى العروق الأصلية الموجودة في الجبال، وفق عبد الدايم.