أطلت علينا شركة "23 آند مي" للفحوصات الوراثية مرةً أخرى بعرض جديد مثير للجدل، بعد أن صرحت لها إدارة الأغذية والأدوية الأمريكية مؤخرًا على طلبها لتسويق الحزمة الجديدة من الفحوصات التي تجرى مباشرة مع العميل. فقريبًا جدًّا، يمكن للعميل من خلال إرسال عينة بسيطة من لعابه بالبريد التعرف على مدى استعداده الوراثي للإصابة بعشرة أمراض، منها داء باركنسون (الشلل الرعاش) وداء ألزهايمر الذي يصيب الإنسان في مراحل متقدمة من العمر.

ومن المحتمل أن تؤدي موافقة إدارة الأغذية والأدوية إلى حدوث جدل محموم لمدة طويلة حول المكان والكيفية التي ينبغي بها استخدام هذه الفحوصات. فحتى مع وجود روابط قوية بين بعض المتغيرات الوراثية والحالات المرضية، كثيرًا ما تظل المعلومات الجينية صعبة التفسير. فلا بد من موازنتها مع بعض العوامل الأخرى التي من ضمنها الحالة الصحية، ونمط الحياة، والتأثيرات البيئية، والتي من شأنها زيادة العُرضة للإصابة أو تقليلها. ويرى بعض علماء الوراثة أنه في حالة توصيل نتائج العرضة للإصابة بالمرض إلى منزل المريض –دون وجود مستشار أو طبيب متخصص في علم لتوضيح الملابسات– فقد يتسبب ذلك في حدوث ضغط عصبي، وارتباك، وسوء فهم لا داعي له.

وعلى ضوء ذلك، صاحَبَ قرار إدارة الأغذية والأدوية بعض التحذيرات، فوفقًا لما صدر عن الوكالة: "يُحظر استخدام نتائج الاختبارات لتشخيص الأمراض، أو لإعطاء قرارات علاجية". كما أضافت أن هناك احتمالًا بوجود خطأ في النتائج، سواء الإيجابية أو السلبية.

لكن اختصاصي الوراثة مايكل واتسون –المدير التنفيذي للكلية الأمريكية لعلم الوراثة الطبية وعلوم الجينوم- يرى أن العملاء سيواجهون صعوبة بالغة في تمييز هذه الأمور، ويشك في أن الناس سينظرون للأمر على أنه ابتكار جديد. يساور واتسون القلق أيضًا من أن منتج 23 آند مي قد يثير مشكلات أخرى: فقد تكون فحوصات المتابعة لبعض هذه الحالات مكلفة إلى حد كبير، وقد ترفض شركات التأمين تغطية هذه التكلفة في حالة عدم ظهور أعراض على المريض. كما يشير أيضًا إلى أن بعض الحالات المرضية قد لا يكون لها علاج معتمد، مما يسبب مخاوف جمة للعملاء –مع خيارات محدودة لمواجهتها، ناهيك بالخطوات اللازم اتخاذها، مثل إدخال بعض التغييرات على نمط الحياة.

يجري حتى الآن الاتفاق على الشكل النهائي لتقارير 23 آند مي التي سيجري إرسالها للعملاء، ولكن الشركة ذكرت في حديثها مع مجلة ساينتفك أمريكان أنها لا تنوي تصنيف أو ترتيب مدى عرضة الشخص للإصابة بأيٍّ من الأمراض العشرة التي تمت الموافقة على إجراء التحاليل لها. وإنما كل ما هنالك أنها ستبلغ بأن الشخص يحمل المتغير الجيني المرتبط بأيٍّ من هذه الأمراض، وأنه عرضة بدرجة أكبر للإصابة به.

وقد يؤدي قرار إدارة الأغذية والأدوية إلى توسيع رقعة سوق الشركة بشكل كبير، ويضع حدًّا لجدل استمر سنوات حول نوع المعلومات الجينية التي ينبغي تقديمها للعملاء دون إشراف طبي متخصص. وبعد قرار إدارة الأغذية والأدوية لعام 2013 بمنع 23 آند مي من مشاركة البيانات الخاصة بمدى قابلية الإصابة بالمرض مع عملائها، كان لا يزال بمقدور الشركة أن تقدم لهم المعلومات عن أصولهم الوراثية. كما كانت تبيع للعملاء أيضًا نتائج الفحوصات الجينية التي توضح ما إذا كان الشخص يُعَد حاملًا للمرض أم لا، وذلك بالنسبة لثلاثين نوعًا من أنواع الأمراض الوراثية، بما فيها التليف الكيسي وداء تاي ساكس.

وكانت شركة 23 آند مي تخطط في أبريل لإطلاق المجموعة الأولى من تقارير العُرضة للإصابة بالأمراض الوراثية لمرض ألزهايمر الذي يصيب كبار السن، وداء باركنسون، ومرض التخثر الوراثي (اضطراب في تجلط الدم)، ونقص بروتين ألفا 1-أنتيتريبسين (حالة مرضية ترتفع فيها خطورة الإصابة بأمراض الرئة والكبد)، وتقرير حالة ناقل جديد لداء جوشيه (اضطراب في الأنسجة والأعضاء). وسيتبع ذلك تقارير خاصة باختبارات أخرى، وفقًا لما تقوله الشركة.

وتقول إدارة الأغذية والأدوية لدى نظرها فيما إذا كانت ستوافق على الفحوصات أم لا أنها راجعت الدراسات التي أثبتت أن الإجرءات المتبعة في 23 آند مي قد تحققت "على نحو سليم ومتسق" من المتغيرات المصاحبة للحالات المرضية العشر. وأثبت المزيد من المعلومات من المؤلفات العلمية المحكمة من الأقران الصلة بين هذه المتغيرات الوراثية والحالات المرضية، وأيدت الأساس العلمي لها.

كما أعلنت إدارة الأغذية والأدوية أنها تنوي تقديم إعفاءات للشركة تخص فحوصات وراثية مماثلة في المستقبل، دون إلزامها بالخضوع لمراجعة ما قبل الطرح في الأسواق. قد يتيح هذا القرار الفرصة لتقديم فحوصات لحالات مرضية أخرى مشكوك في إمكانية مطابقة نتائجها، كما يقول جيم إيفانز، أستاذ علم الوراثة والطب في كلية الطب بجامعة كارولاينا الشمالية.