اعتاد العالِم الإسكتلندي ألكسندر فليمنج أن يترك بعض الأوعية والأطباق التي تحتوي على مستعمرات بكتيرية لكى تنمو بجواره في أثناء عمله في المختبر، وذات يوم لاحظ أنه إلى جانب البكتيريا، بدأ فطر "العفن" في النمو، وأن نموه في الوعاء ذاته يعوق نمو البكتيريا، استنتج "فليمنج" حينها أن العفن يحتوي على مادة مضادة للبكتيريا، أطلق عليها اسم البنسلين، أول مضاد حيوي تجاري، وقد أصبح فيما بعد أساس أدوية علاج الالتهابات البكتيرية.

حدث ذلك الاكتشاف الثوري عام 1928، ومنذ ذلك الحين توالت الاكتشافات لمضادات حيوية جديدة، ولكن إلى جانب ذلك بدأ اكتشاف ظهور مقاومة لهذه المضادات الحيوية، إذ تبحث الميكروبات بشكل عام عن طرق للبقاء على قيد الحياة دائمًا، كما أنها تتشارك مقاومتها معًا، مما يجعل من الصعب علينا مواكبة ذلك، ومؤخرًا، أصبح لتحليل مياه الصرف الصحي دورٌ حيوي في توجيه قرارات مقدمي الرعاية الصحية، وتجلت أهمية هذا الدور خلال الجائحة الحالية، إذ وجد الباحثون أن مراقبة مياه الصرف الصحي بحثًا عن آثار لفيروس كورونا تمكِّنهم من تتبُّع انتشار المرض بين المجتمعات بشكل سريع وغير مُكلِّف، وجد الباحثون أنه من الممكن استخدام المبدأ ذاته للتعامل مع مشكلات صحية أخرى، مثل الحد من انتشار الميكروبات أو الجراثيم الخارقة التي تقاوم العقاقير المضادة لها، وفق نتائج دراسة حديثة نُشرت في دورية واتر ريسيرش، إذ تمكن فريق بحثي -بقيادة جامعة نيوكاسل البريطانية- من تطوير اختبارَي "بي سي آر" PCR جديدَين، من شأنهما الكشف عن جينات المقاومة في المياه.

يعمل الفريق البحثي -الذي يضم باحثين من بريطانيا وإسبانيا وكندا ومصر- على فهم البُعد البيئي لمقاومة مضادات الميكروبات وكيفية انتشارها في الطبيعة وتأثير ذلك على الصحة العامة، كما يعملون على تصميم حلول لهذه المشكلة البيئية والتطورية المعقدة.

يقول ماركوس بالوجا، مساعد باحث بقسم علم الأحياء التركيبي والاقتصاد الحيوي بكلية الهندسة المدنية وعلوم الأرض، بجامعة نيوكاسل -وهو الباحث الأول في الدراسة- في حديثه مع "للعلم": "تقدم الدراسة أدلةً علميةً حول مواقع انتقال جينات مقاومة مضادات الميكروبات باستخدام اختبارات جزيئية جديدة".

الدكتورة كيلي جوبلينج، أحدد أفراد الفريق البحثي في أثناء إجراء بعض التجارب في المختبر. Credit: David W Graham, Newcastle University

اختبارات للفحص السريع

أوضح ديفيد جرام -أستاذ هندسة النظم البيئية في جامعة نيوكاسل، والباحث المُشرف على الدراسة- أن الطرق التقليدية لفحص المياه وتحديد احتمالية انتشار مقاومة مضادات الميكروبات فيها تستغرق وقتًا طويلًا، وأن هناك حاجة إلى طرق فحص أسرع للبحث عن جينات معينة تعكس انتقال جينات المقاومة بين الميكروبات.

وأضاف: "نقدم طريقة جديدة ودقيقة جدًّا لتحديد مقاومة الميكروبات بسرعة دون الحصول على نتائج إيجابية كاذبة، الأمر الذي يملأ فجوةً منهجيةً ضخمة، ويسمح لأي شخص في العالم يستطيع إجراء اختبار PCR كمي بتحديد مقاومة الميكروبات".

تعتمد الاختبارات على تتبُّع أجزاء من الحمض النووي تسمى "الإنتجرونات" للتفرقة بين البكتيريا التي لديها جينات المقاومة وتلك التي لا تمتلكها، كما يمكن استخدامها للفحص السريع بحثًا عن جينات مقاومة مضادات الميكروبات القابلة للانتقال، وذلك لتحديد النقاط الساخنة لانتشار المقاومة، والتي يمكن أن تخضع فيما بعد لتحاليل واختبارات أكثر دقةً وأعلى في التكلفة.

والإنتجرونات هي تراكيب جينية تتيح للبكتيريا نقل المعلومات وتفسيرها عند الحاجة، يقول "بالوجا": "الإنتجرونات تعتبر أدوات من شأنها أن تمكِّن البكتيريا من مختلِف الأنواع والبيئات من التعلُّم بعضها من بعض، وتعكس ديناميكية هذه الإنتجرونات ما إذا كانت البكتيريا تستخدم المعلومات التي تعلمتها أم تعتبرها غير مفيدة وتتجاهلها، كي يتسنى لها أن تتعلم شيئًا آخر".

مقاومة الميكروبات

تهدد مقاومة مضادات الميكروبات عمليات الوقاية والعلاج الفعال لمجموعة متزايدة من العدوى الميكروبية، وتحدث مقاومة مضادات الميكروبات عندما تصبح البكتيريا والفيروسات والفطريات والطفيليات غير مستجيبة للأدوية، مما يجعل علاج العدوى أكثر صعوبةً ويزيد من خطر انتشار الأمراض الشديدة والموت.

مضادات الميكروبات -بما في ذلك المضادات الحيوية ومضادات الفيروسات ومضادات الفطريات ومضادات الطفيليات- هي أدوية تُستخدم لمنع العدوى وعلاجها في البشر والحيوانات والنباتات، يمكن أن تصبح الميكروبات مقاوِمةً لهذه الأدوية لأسباب عدة، منها ما يتوقف على سلوك البشر، ومنها ما يتوقف على سلوك الميكروبات.

تشمل الأسباب المتعلقة بسلوك البشر التشخيص غير الدقيق الذي ينتج عنه وصف مضادات الميكروبات دون داعٍ، والاستخدام غير المناسب دون إشراف طبي، وكذلك استخدام المضادات الحيوية على حيوانات المزارع، مما يساعد على نقل الأمراض التي تصيب الحيوانات إلى البشر، أما الأسباب المتعلقة بسلوك الميكروبات فتشمل: حدوث الطفرات التى تساعدها على التكيف عند التكاثر، والضغط الانتقائي الذي يمكِّن الميكروبات التي تحمل جينات المقاومة من أن تعيش وتتكاثر وتصبح سائدةً على الأنواع الأخرى، وعملية نقل الجينات التي تمنح المقاومة بين الميكروبات.

يقول "بالوجا": "يمكن للبكتيريا أن تتعلم كيف تصبح مقاوِمةً للمضادات الحيوية دون التعرُّض لها، فقط من خلال تبادل الجينات فيما بينها، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ يمكن للبكتيريا تحسين ما تتعلمه وتطويره كي تفعله بطريقة أكثر فاعلية، ولكي تحافظ على المعلومات التي لديها حتى في حالة عدم التعرض لضغط من وجود مضاد حيوي".

على الرغم من أن العلماء تمكنوا من عزل أول بكتيريا مُقاوِمة لعدة مضادات حيوية في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، إلا أنهم لم يربطوا بين هذه الظاهرة والبلازميدات -وبشكل أكثر تحديدًا بالعناصر القابلة للنقل الموجودة في هذه البلازميدات- حتى السبعينيات، كما أنهم لم يتمكنوا من تمييز الإنتجرونات إلا في أواخر الثمانينيات، في هذا الوقت عُرفت الإنتجرونات على أنها النظام الجيني المسؤول عن جمع جينات المقاومة في هذه العناصر المتنقلة، والآن تنعكس أهمية دراسة الإنتجرونات سواء في البيئات السريرية (الإكلينيكية) أو الزراعية من خلال الكم الهائل من الدراسات الوبائية التي ترصد انتشارها وتطورها.

يضيف "بالوجا": "تحدث مقاومة مضادات الميكروبات القابلة للانتقال عندما يمكن للبكتيريا نقل معلومات حول كيفية مقاومة المضادات الحيوية المختلفة إلى بكتيريا أخرى، يمكن أن يكون هذا الانتقال من بكتيريا من أنواع مختلفة إلى بكتيريا من بيئات مختلفة".

من جانبه يوضح محمد أبو النجا، الباحث في كلية الزراعة بجامعة قناة السويس، وكلية العلوم البيطرية بجامعة سانتياجو دي كومبيستلا الإسبانية، والذي شارك في الدراسة: "جمعنا العينات من عدد من المناطق الحيوية في إحدى مدن شمال إسبانيا على مدار ثلاثة أسابيع، وذلك من الصرف الصحي للمستشفيات، والصرف الصحي العام بالمدينة، ومداخل محطات معالجة مياه الصرف الصحي ومخارجها، وكذلك مداخل النهر ومخارجه، بعد ذلك عملنا على تحضير العينات وتركيزها وإجراء بعض الاختبارات المكروبيولوجية والجزيئية بجامعة سانتياجو دي كومبيستلا، قبل أن يتم نقل العينات إلى جامعة نيوكاسل لاستكمال التحاليل المطلوبة".

تعتقد أستريد لويز ويستر-أخصائية علم الأحياء الدقيقة السريرية بالمعهد النرويجي للصحة العامة، لم تشارك في الدراسة- أن النتائج تيسّر تقييم مستوى مقاومة مضادات الميكروبات في المجتمعات، وتقول: "تقدم الدراسة تحسنًا كبيرًا في طرق تقدير مساهمة المصادر البيئية المختلفة في انتشار مقاومة مضادات الميكروبات، ولكن العينات التي شملتها الدراسة كانت من مدينة واحدة فقط في إسبانيا، وقد لا تكون النتائج ممثلةً للأماكن الأخرى".

لقاء الميكروبات

يشدد "أبو النجا" على أن مشكلة انتقال مقاومة مضادات الميكروبات هي مشكلة مُلحة في الوقت الراهن، ويقول: "يمكن لمقاومة مضادات الميكروبات أن تنتقل من خلال الكائنات الدقيقة المنتشرة في جسم الإنسان والحيوان وكذلك البيئة المحيطة والماء والأغذية، وتعتبر مياه الصرف الصحي من أهم المصادر التي يمكن الاعتماد عليها في هذه المشكلة، لكونها المصب النهائي لمخلفات الإنسان والحيوان والصرف الصحي والزراعي".

تحتوي مياه الصرف الصحي على جميع المعلومات التي تعلمتها البكتيريا من البشر، مثل كيفية مقاومة المضادات الحيوية لدينا، تلتقي البكتيريا التي تأتي من الصرف الصحي للمستشفيات مع البكتيريا التي تأتي من بيئات أخرى مختلفة في مياه الصرف الصحي، وهناك تتبادل معلوماتها حول المقاومة من أجل البقاء، وهكذا تتعلم بعض سلالات البكتيريا البيئية كيف تحارب دفاعاتنا بشكل أفضل لتصبح تهديدًا جديدًا، يضيف "بالوجا" :"تتبُّع مقاومة الميكروبات من خلال مياه الصرف الصحي سيمكِّننا من تطوير إستراتيجيات جديدة لتقليل المقاومة أو استخدام أسلحة مختلفة، وذلك من خلال معرفة ما تتعلمه البكتيريا".

أشادت إيمي برودن -أستاذة الهندسة المدنية والبيئية بجامعة فرجينيا للتقنية- بأهمية نتائج الدراسة، قائلة: "يمكن أن تساعد مراقبة مياه الصرف الصحي على تحديد حالة مقاومة مضادات الميكروبات في المجتمع، ويمكن أن تساعد أيضًا في تقييم ما إذا كانت معالجة مياه الصرف الصحي تعمل على تقليل مستويات المقاومة بشكل فعال قبل تصريفها في البيئة".

تضيف "بردون": "وجد الباحثون أن مياه الصرف الصحي القادمة من المستشفيات تحتوي على أعلى مستويات من الفئة الأولى من الإنتجرونات، التي تحمل العديد من جينات المقاومة، بينما وجدوا في محطات معالجة مياه الصرف الصحي مستويات أقل مما افترضه المجتمع العلمي سابقًا، ولكن الأنهار التي تستقبل مياه الصرف المُعالجة لا تزال تحتوي على مستويات مثيرة للقلق من هذه الجينات".

يتفق إدي سيترين -رئيس قسم كيمياء التربة وتغذية النبات والأحياء الدقيقة بمعهد فولكاني التابع لمنظمة البحوث الزراعية بإسرائيل- مع "بردون" حول أهمية نتائج الدراسة، ويقول: "تعتبر النتائج مهمةً للغاية؛ لأنها تلقي الضوء على المعاملات الجينية المتعلقة بانتشار مقاومة المضادات الحيوية في البيئة، حدد الباحثون نوعًا معينًا من جينات الإنتجرون وهو (clintI1)، الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالبيئات السريرية (الطبية) أكثر من غيرها، ووجدوا أن هذا النوع يكون أكثر وفرةً في النفايات السائلة للمستشفيات"، ويعتقد "سيترين" أن العيب الوحيد في الدراسة هو أنها لم تحدد أي جينات مقاومة مضادات الميكروبات يرتبط مع جينات (clintI1).

الصحة والاقتصاد

وفقًا لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، يصاب كل عام ما لا يقل عن 2.8 مليون شخص بالبكتيريا أو الفطريات المقاوِمة للمضادات الحيوية في الولايات المتحدة فقط، ويموت أكثر من 35 ألف شخص نتيجةً لذلك.

يمتد أثر مقاومة الميكروبات إلى عالم الاقتصاد؛ إذ أفاد تقرير صدر مؤخرًا عن منتدى الاقتصاد العالمي -الذي شارك "جرام" في إعداده- بأن التكلفة الاقتصادية لمقاومة المضادات الحيوية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرات نظم الرعاية الصحية وكفاءتها، إذ تشهد المناطق التي ليس فيها رقابة قوية على الرعاية الصحية أعلى مستويات انتشار مقاومة مضادات الميكروبات، ويمتد التأثير الاقتصادي للمشكلة إلى خفض العمالة، الذي يؤدي بدوره إلى خسائر في وقت العمل؛ إذ تؤدي مقاومة المضادات الحيوية التي تنقلها المياه إلى 3.5 ملايين يوم إجازة مرضية إضافي كل عام، بما يُكلف 300 مليون دولار حول العالم.

من جانبه، يؤكد "أبو النجا" ضرورة عدم تناول المضادات الحيوية إلا تحت إشراف الطبيب المختص، لما له من انعكاسات بالغة السوء على المريض وعلى البيئة المحيطة، ومن ثم على المجتمع.

ويقول "بالوجا": "أصبحنا نعرف آلية تبادل المعلومات بين البكتيريا، سيساعد تحسين فهمنا لهذه الآلية على فهم تنوع البكتيريا، مما سيمكننا من تطوير إستراتيجيات تركز على التحكم فيما يمكن للبكتيريا أن تتعلمه وما لا تستطيع تعلمه من الأنشطة البشرية"، ويضيف "أبو النجا": "من خلال هذا البحث أصبحنا ندرك البُعد البيئي لمقاومة مضادات الميكروبات وآثارها على الصحة العامة، مما يمكننا من فهم هذه المشكلة البيئية والتطورية المعقدة، وتصميم طرق مُجدية لتحديد النقطة الساخنة لانتشارها، وذلك للحد من انتشار مقاومة مضادات الميكروبات في البيئة".