اشتعلت الأجواء العلمية المتخصصة في مجال الفيزياء الفلكية فرحًا بسبب كشف جديد فريد من نوعه. إذ تمكَّن فريق يتألف من عدد كبير من الباحثين الدوليين من كشف مصدر كوني لأحد أكثر الجسيمات دون الذرية غموضًا وغرابة، جسيم "النيوترينو فائق الطاقة" أو ما دأب البعض على تسميته بالجسيم الشبح.

تبيَّن للفريق البحثي أن مصدر هذه الجسيمات هو نجم زائف متوهج (بلازار) Blazar يُدعى TXS 0506+056 (تي إكس إس 0506+056)، يقع على مسافة أربعة مليارات من السنين الضوئية من الأرض.

وخلال دقيقة واحدة من رصد أشعة النيوترينو عالية الطاقة القادمة من هذا البلازار –بواسطة مرصد "آيس كيوب" IceCube للنيوترينوات الموجود في القطب الجنوبي- تم إرسال إخطار تلقائي إلى مجموعة من التليسكوبات الأخرى، حوالي الـ20 منها، لكي تقوم جميعها بتوجيه أدوات البحث نحو منطقة في السماء يحتمل أن تستضيف مصدر تلك الأشعة.

 قامت التليسكوبات بمسح هذه الرقعة من السماء عبر الطيف الكهرومغناطيسي، من موجات الراديو منخفضة الطاقة إلى أشعة جاما عالية الطاقة، لتشير جميعها إلى اتفاق حول مصدر هذا النوع من جسيمات النيوترينو، وبمقارنة البيانات تبين أن هذا البلازار هو أيضًا مصدر لأشعة نيوترينو التقطها الأيس كيوب في العامين 2014 و2015.

وتشير النتائج أيضًا إلى أن هذا البلازار تنبعث منه جزيئات أخرى تُعرف بالأشعة الكونية cosmic rays، يكون إنتاجها جنبًا إلى جنب مع النيوترونات neutrinos.

ويُعَد هذا النوع من النجوم المتوهجة بمنزلة أنوية مجَرِّية نشطة، ومصادر قوية للإشعاع، يقع محرِّكها المركزي في لُبّ المجرة المضيفة، وتتألف غالبية انبعاثاتها من إشعاع غير حراري يصدر عن نفثة تتحرك نحونا، وتبدو معظم تلك النجوم مصادرَ مضيئة تتميز بتغيُّرات ملحوظة وسريعة في سطوعها عند جميع الترددات.

المصدر الكوني للنيوترونات

لطالما احتار العلماء فيما يتعلق بمصادر جسيمات الطاقة العالية القادمة من الفضاء، والتي تضرب الأرض عند مستويات من الطاقة يمكن أن تفوق قدرة أكبر مسرِّعات الجسيمات تقدمًا على الأرض.

وتُعَدُّ هذه هي المرة الأولى التى يتتبَّع فيها علماء الفلك جسيمات النيوترينو عالية الطاقة، وصولًا إلى مصدرها الكوني، فيما عُدَّ حلًّا للغزٍ طويل الأجل.

"النيوترونات تُعرف بأنها جسيمات ضعيفة التفاعل"، يوضح "ديريك فوكس"، المدرس المساعد بقسم الفلك والفيزياء الفلكية في جامعة ولاية بينسلفانيا، والمشارك في الاكتشاف، في تصريح خاص لـ"للعلم"، أن تريليون جسيم منها سوف تمر عبر إحدى أصابعك كل ثانية، قادمةً من مركز الشمس، ثم يضيف: "وعلى الرغم من ذلك، فإنه على مدى عمرك كله، ربما يتفاعل واحد منها فقط مع جسدك!"، إذ إنها جسيمات بلا شحنة، ولا تحمل –تقريبًا– أي كتلة.

"لهذا السبب كان الإمساك بجسيمات النيوترينو دائمًا أشبه بأن تمسك بالأشباح، لذا يُعَد مرصد آيس كيوب، أنجح تجربة عرفها البشر لصيد أشباح النموذج المعياري لفيزياء الجسيمات"، وفق "حسن الشال"، باحث الدكتوراة في قسم الفيزياء النظرية بجامعة ميامي بولاية فلوريدا الأمريكية، الذى يقول في تصريح لـ"للعلم" إنه عبارة عن تجربة ضخمة الحيز، مكونة بالأساس من أجهزة استشعار ضوئية محيطة بمكعب من الثلج، شارحًا آلية عمل هذا المرصد الضخم الذي يُوجَد على مسافة 2.5 كيلومتر أسفل القطب الجنوبي: "تُستخدم تلك التجربة لرصد ما نسميه بـ"إشعاع شرينكوف"، الذي يحدث نتيجة تفاعل النيوترينو مع المادة منتجًا جُسيمًا يسمّى الميون، فالميون يمكن لنا، بشكل ما، رصده"، في تلك النقطة يضيف فوكس: "وحتّى رغم كل ذلك، فإن تلك التجربة تتمكن من الإمساك بالنيوترينو فائق الطاقة بعدد 1 فقط من كل مليون أخرى تمر بتلك الأجهزة". 

مسرِّع كوني ضخم

يستخدم آيس كيوب الآلاف من أجهزة الاستشعار المدمجة لقياس الضوء الناتج عندما تضرب النيوترونات الجليد. في سنة 2013، تمكَّن للمرة الأولى من الإمساك بجسيمات النيوترينو عالية الطاقة من مصدر كوني وليس محلِّيًّا، كانت تلك الورقة البحثية التي نُشرت في العام نفسه هي نقطة تحوُّل نوعية في تاريخ تعامُلنا مع جسيمات النيوترينو؛ إذ كانت أولى الدلائل التجريبية على وجود مصادر لها في تلك الأعماق الكونية البعيدة.

وللنيوترينو نوعان من المصادر، يمكن تقسيمها إلى محلّية، وهي الناتجة من التفاعلات في قلب الشمس، وأخرى نادرة جدًّا كونية المصدر.

"ازداد كَم البيانات التي تحصَّلنا عليها عن جسيمات النيوترينو عالية الطاقة كونية المصدر منذ ذلك الحين، بمعدل مرة واحدة في الشهر".. يقول فوكس لـ"للعلم": "تم ذلك دون أي تعريف فعلي لمصدر تلك الجسيمات"، في هذه النقطة يأتي الكشف الأخير ليحل جزءًا غامضًا من ذلك اللغز؛ إذ كشفت التجارب الأخيرة أن مصدر تلك الجسيمات هو ذلك النجم TXS 0506+056، ويُعَد هذا هو أول مصدر معروف لجسيمات النيوترينو عالية الطاقة يقع خارج مجرتنا.

"الآن نعرف أن هناك مصدرًا ضخمًا لتوليد جسيمات النيوترينو بالقرب من مجموعة الجبار النجمية، تحت تأثير ما يُفترض أنه ثقب أسود فائق الكتلة، ويسمى هذا القلب الفاعل بتلك الأنشطة الكهرومغناطيسية بـ’البلازار‘".. وفق تصريح الشال لـ"للعلم"، في محاولة لشرح أحد أسباب أهمية الكشف الجديد. ثم يضيف: "في هذا البحر الهائج من التفاعلات تتصادم البروتونات بعضها مع بعض، مولدةً جسيمات البايون التي تتحلل سريعًا إلى أشعة جاما، ومجموعة جسيمات أخرى تضم جسيمات النيوترينو المطلوب دراستها".

"سوف يفتح هذا الكشف نافذةً جديدةً على الكون"، وفق تعبير فوكس، الذي أضاف: "الآن نحن نرصد جسيمات نيوترينو كونية، لأول مرة، من مصادر يمكننا تحديدها ودراستها، وعندما ندرسها يمكننا فهم فيزياء تلك المصادر".

من جهة أخرى فإن كمية الطاقة الناتجة من التفاعل المرصود مؤخرًا تشجِّع على توسيع دائرة دراسة جسيمات النيوترينو، والتي يصفها الشال بأنها: "جسيمات مهمة؛ نظرًا لخواصها التي لا تشبهها جسيمات أخرى، ما يشجِّعنا على البحث خلف كل ما له علاقة بنظريات تتجاوز النموذج المعياري لفيزياء الجسيمات، وقد يساعدنا الرصد على ترجيح بعض هذه النظريات على بعض إذا تطابق سلوك جسيمات النيوترينو تلك مع ما انتهت إليه نتائج أيٍّ من هذه النظريات".

علم الفلك متعدد الرُّسل

وكانت ورقة بحثية ثانية قد صدرت في الدورية نفسها بالتزامُن مع الأولى، لتحكي عن دور آخر لما نسميه بعلم الفلك متعدد الرُّسل Multi-messenger astronomy، ويعني ذلك أن تتلقى تلسكوباتنا إشارات مختلفة من المصادر الكونية نفسها لتأكيد مشاهدةٍ ما وتحسين آلية دراستها.

نُشرت نتائج هذا الاكتشاف في ثلاث ورقات بحثية، اثنتان منها في دورية ساينس Science الشهيرة، والثالثة في  دورية «ذي أستروفزيكال جورنال لِتَرز» منتصف شهر يوليو الماضي.

وفيما يتعلق بالرسل الأربعة خارج المجموعة الشمسية فهي الإشعاع الكهرومغناطيسي، وموجات الجاذبية، وجسيمات النيوترينو، والأشعة الكونية؛ إذ يتم إنشاء تلك الرسل بواسطة عمليات فيزيائية فلكية مختلفة تجري داخل مصادرها، وبالتالي تكشف عن معلومات مختلفة أكثر عمقًا عن المصادر التي قَدِمت منها.

"عندما نضيف جسيمات النيوترينو فائقة الطاقة إلى وسائلنا الأخرى لمراقبة الكون فإنها تعطينا رؤيةً فريدةً عن قلب مسرعات الجسيمات الكونية"، يقول فوكس، مضيفًا أن "ذلك التعدد في "الرسل" الكونية سيساعدنا على فهم العمليات الفيزيائية للمصادر الكونية، سواء كانت البلازار الجديد أو غيره".

 قام فريق العمل الخاص بفوكس في جامعة ولاية بنسلفانيا، بالفعل بكتابة أول ورقة تستفيد من اكتشاف النيوترينو عالي الطاقة؛ لنمذجة عمليات تسريع الجسيمات في البلازار TXS 0506 + 056.

السماء كما لم نَرَها من قبل

بعد الإعلان عن فوزه بجائزة نوبل للفيزياء العام الماضي، لمشاركته في إنشاء مرصد موجات الجاذبية LIGO وتطويره، قال "كيب ثورون"، من كالتيك: "نعيش في حقبة تأتي الاكتشافات العظيمة فيها بسبب تعاونات كبيرة، بمساهمة عدد كبير من الأفراد"، مضيفًا أن هذا هو ما نشاهده اليوم حينما يتعاون 300 عالم من 50 مؤسسة علمية دولية في كشف واحد فقط، لم يكن ليتم دون هذا التعاون، وهي إشارة واضحة إلى أن مستقبل العلم لم يعد مرتهنًا بإنجازات الأفراد كالسابق، بل فقط عبر مستويات متفاوتة من التعاون، يمكن للكشوفات العظيمة أن تحدث.

لكن ما يلفت الانتباه بصورة أكبر لهذا الكشف الجديد هو التقدُّم الذي أحرزناه، وفقًا لثورون، فقديمًا كان كل ما نمتلكه لرصد السماء هو الضوء المرئي، بعد ذلك انطلقت التلسكوبات لتلتقط إشارات من كل أطياف المجال الكهرومغناطيسي، ثم تظهر الموجات الجذبوية لتعطينا وجهة نظر جديدةً غاية في الأهمية يمكن أن نتأمل أجرام السماء العميقة من خلالها، وأخيرًا، نتمكن من رصد أشعة النيوترينو لتصبح رسولًا سماويًّا رابعًا، ما يفتح الباب لنا كي نرى السماء كما لم يرها أحد من قبل، يدفعنا ذلك بدوره للتساؤل عن المستقبل: ما القادم؟ كيف سيستمر العلم في سبر أغوار المجهول الكوني الواسع؟

طالع أيضًا:

أشباه الثقوب السوداء قد تكون نجومًا كمية غريبة

معضلة الأبعاد الصغيرة في علم الكونيات المعاصر

موجات الجاذبية تُنبئ عما في بواطن النجوم النيوترونية

علماء الفلك المختصون بالموجات التثاقلية يحققون كشفًا علميًّا غير مسبوق