أظهرت دراسة حديثة ارتفاع مستوى التلوث بالمواد السامة في مناطق غرب المحيط الأطلسي إلى معدلات غير مسبوقة، من خلال رصد مزيد من الملوثات البلاستيكية والكيميائية التي باتت تحاصر أعدادًا كبيرة من الحيتان والدلافين التي تتقطع بها السبل على طول الساحل الجنوبي الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية.

وتشير الدراسة، التي نشرتها دورية "فرونتيرز إن مارين ساينس" (Frontiers in Marine Science)، إلى أنه "في الوقت الذي يواصل فيه البشر تطوير أنواع جديدة من المواد البلاستيكية والكيميائية، يسعى الباحثون إلى مواصلة جهودهم لتقييم مدى تأثير هذه الملوثات على البيئة والحياة البرية".

ويلقي الباحثون الضوء على تزايُد معدلات التلوث بهذه المواد السامة، وتأثيراتها المحتملة على الدلافين والحيتان في منطقة الساحل الجنوبي الشرقي الأمريكي، وما يستتبع ذلك من تأثيرات على البيئة البحرية ككل.

وتحذر الدراسة من أن مستويات التلوث في محيطات العالم "سيئة بما فيه الكفاية"، مضيفةً أن "الأنواع الجديدة من المواد البلاستيكية والكيمائية يجري إنتاجها وتداولها في الأسواق بصورة مستمرة، وعادةً ما ينتهي بها الحال إلى الاستقرار في قاع المحيطات".

اعتمد الباحثون على قياس وجود مثل هذه المواد الكيميائية في الحيتان والدلافين التي تجوب الساحل الشرقي للولايات المتحدة في فلوريدا وكارولينا الشمالية، خاصةً وأن تأثيرات العديد من هذه الملوِّثات لم تكن معروفةً من قبل، في محاولة لتقييم تأثيراتها على الحياة البحرية في المحيطات، في ضوء رصد مستويات عالية، وبصورة غير مسبوقة، من الزئبق والزرنيخ، في الدلافين والحيتان العالقة بمنطقة الساحل.

تقول آني بيج-كارجيان -الأستاذ المساعد في "معهد هاربور برانش لعلوم المحيطات" بجامعة فلوريدا أتلانتك، والمؤلفة الرئيسية للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": إن الثدييات البحرية تُعتبر بمنزلة حراس للنظام البيئي، إذ يمكنها أن تعكس التهديدات البشرية من خلال ما يطرأ على حالتها الصحية، وعادةً ما تمتد هذه التأثيرات على صحة البشر أيضًا.

وتتابع: على سبيل المثال، تحصل العديد من الأنواع التي تضمَّنتها الدراسة على غذائها من خلال التهام أنواع من الأسماك المفضلة للبشر، وبالتالي فإن رصد مستويات الملوثات في هذه الكائنات البحرية يمكن أن يوفر مؤشرات منخفضة التكلفة بشأن المخاطر المحتملة على البشر، بالإضافة إلى كائنات بحرية أخرى.

وأظهرت دراسات سابقة أن المواد البلاستيكية والمواد الكيميائية المستخدمة في صناعة البلاستيك يمكن أن تسبب أضرارًا كبيرة للكائنات البحرية قد تصيب الكبد والكلى، فضلًا عن تأثيرها على صحتها الإنجابية، ونظرًا إلى وقوعها في أعلى السلسلة الغذائية، فإن الدلافين والحيتان تأتي في مقدمة الأنواع التي يصيبها الضرر نتيجة هذه الملوثات.

وبغرض دراسة تأثيرات الملوثات السامة على الحيوانات البرية، قامت "بيج-كارجيان" وزملاؤها بقياس مستويات المواد الكيميائية في الدلافين والحيتان العالقة على الشاطئ خلال مدة امتدت إلى 6 سنوات، بين عامي 2012 و2018، عن طريق فحص عينات من الكبد والدهون، وربط الباحثون نتائجهم باحتمالات إصابة الحيوانات بالمرض والعدوى.

وتضمنت الحيوانات التي جرت دراستها 11 نوعًا مختلفًا، الأمر الذي يوفر أول دليل على نوعين من الكائنات النادرة، هما الدولفين ذو المنقار الأبيض، والحوت ذو المنقار، ونظرًا إلى أن الحيوانات التي تضمنتها الدراسة شملت تمثيلًا للذكور والإناث والفئات العمرية المختلفة ما بين حيوانات حديثة الولادة والشباب والبالغين، فقد تمكن الباحثون من رصد الاختلافات التي طرأت على المجموعات المختلفة، وفق "بيج-كارجيان".

ولم يقتصر عمل فريق الدراسة على رصد السموم الموجودة في المواد البلاستيكية، مثل "ثنائي الفينول A"، بل عملوا على قياس مستويات بعض المعادن الثقيلة مثل الزرنيخ والرصاص والزئبق، التي يمكن أن تصيب الكائنات البحرية بمستويات مرتفعة، وتسبب أضرارًا بالغة بأجهزتها المناعية والإنجابية والعصبية.

وأظهرت النتائج أن "بعض الأنواع مثل الدلافين ذات الأنف الزجاجية سجلت مستوياتٍ مرتفعةً من الرصاص والزئبق، مقارنةً بحوت العنبر القزمي، كما تبيَّن أن إناث الدلافين ذات الأنوف الزجاجية كان لديها مستويات أعلى من الزرنيخ مقارنةً بنظرائها من الذكور".

وبينما أشارت "بيج-كارجيان" إلى أن الدراسة اقتصرت على تقييم تأثيرات هذه الملوثات السامة على عينات من أكباد ودهون الحيوانات التي تضمنتها الدراسة، فقد أكدت أن هناك حاجةً إلى العمل في المستقبل لتقييم التأثيرات المحتملة على الأعضاء الأخرى، إلا أن هذه النتائج تساعد في وضع قاعدة لمزيد من العمل المستقبلي، بما يسهم في فهم طبيعة استجابة الكائنات البحرية العالقة بشأن هذه الملوثات السامة.