يُعَد فهم حركة وسلوك الأحياء البحرية المهاجرة عبر المياه الإقليمية للدول المختلفة في البحار المفتوحة أمرًا حيويًّا لإدارتها والحفاظ عليها. فالأحياء البحرية -مثل السلاحف جلدية الظهر والحوت الأزرق والقرش الأبيض وغيرها من الأنواع- لا تعرف حدودًا سياسية أو جغرافية، ما يعرِّضها لمخاطر شديدة ويُلزم الدول المشاطئة للبحار المفتوحة والمحيطات بالحفاظ على هذه الأنواع.

وللكشف عن الكيفية التي ترتبط بها حركة الأحياء البحرية المفترسة والكبيرة في المحيط الهادئ بالحدود الجغرافية السياسية للدول المشاطئة له، أجرى باحثون بعدد من الجامعات ومراكز البحث الأمريكية دراسة لتعقُّب سلوك وحركة 1,648 كائنًا، تنتمي إلى 14 نوعًا من الحيوانات البحرية الكبيرة عبر الحدود السياسية لـ37 دولة، للحصول على معلومات لتصميم الاتفاقيات التعاونية الدولية اللازمة لإدارة الأنواع البحرية المهددة.

واستعان الباحثون في الدراسة التي نُشرت مؤخرًا بمجلة "نيتشر إيكولوجي أند إيفولوشن" بإحدى أكبر قواعد البيانات العالمية المتوافرة حول حركة الحيوانات البحرية الكبيرة، وهو مشروع إحصاء الحياة البحرية والمفترسات في المحيط الهادئ TOPP التابع لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية، والذي بدأ العمل به منذ عام 2000.

ووفق نتائج الدراسة فإنه تَسْهُل حماية الأنواع البحرية إذا كانت تقضي معظم حياتها في المياه الإقليمية لبلد واحد أو بلدين على الأكثر، أما إذا كانت تمر بعدد من البلدان فإنه تصعب إجراءات حمايتها وتكون أكثر عرضةً للتهديد.

استخدم الباحثون مجموعة متنوعة من أجهزة التتبُّع الإلكترونية لتعقُّب الأنواع الـ14 موضوع الدراسة، أصغر وأرخص هذه الأجهزة هو جهاز التتبُّع الجغرافي "جيولوكيتور Geolocator" الذي يحتوي على مستشعرات للضوء وساعة داخلية، كما أنه لا يتطلب الكثير من الطاقة الكهربية لتسجيل الضوء في عمليات التعقب، لذلك تكون بطاريته صغيرةً جدًّا وتدوم مدةً طويلة، وفق "أوتمن-لين هاريسون"، الباحثة بمعهد "سميثسونيان" للدراسات البيولوجية في واشنطن، والباحث الرئيسي في الدراسة.

وتضيف "هاريسون" في تصريح لـ"للعلم" أنه يمكن للجهاز تحديد أي موقع على الأرض بناء على أوقات شروق الشمس وغروبها.

وكانت أعلى الأجهزة كلفةً هي علامات القمر الصناعي التي وُضعت على الأنواع المختلفة ووفرت بيانات المواقع في الوقت الحقيقي، إضافة إلى بعض البيانات الأخرى المسجلة مثل درجة حرارة سطح البحر أو درجة التوصيل الكهربي.

قرصنة بيولوجية

شملت الدراسة أنواعًا مهددة بالانقراض، مثل السلاحف جلدية الظهر، وأسماك القرش البيضاء، وأسود البحر، وطائر "جلم الماء الفاحم"، والحوت الأزرق، وتونة المحيط الهادئ زرقاء الزعانف، و"قطرس ليسان"، أحد الطيور البحرية شبه المهددة بالانقراض، والذي تشير الدراسة إلى أنه يقضي أكثر من 75% من حياته في أعالي البحار، وبينما تتمتع أسماك القرش البيضاء بالحماية في المياه الإقليمية التابعة للولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك، فإنها تقضي حوالي 60% من وقتها في أعالي البحار غير المحمية.

وتحظى الأنواع الـ14 باهتمام الإدارة الأمريكية الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، والتي أسهمت في البحث. وتتوقع نتائج الدراسة أن تواجه الأنواع التي تعقَّبها الباحثون في الدراسة انخفاضًا في أعدادها بنسبة 96% بحلول عام 2040، وهو ما يستلزم تحرُّكًا دوليًّا للحفاظ عليها من الفناء.

وتغطي أعالي البحار قرابة 50% من مساحة كوكب الأرض، وتُعَد هذه المساحات الشاسعة من المسطحات المائية مناطق غير محمية، خاصةً تلك التي تقع خارج نطاق المياه الإقليمية للدول والوحدات السياسية المختلفة. وغالبًا ما يشار إلى أعالي البحار باسم "الغرب المتوحش" للمحيط؛ إذ خلت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي وُقِّعت في عام 1982 من فرض قيود على الحياة البحرية في أعالي البحار، معلنةً أن الموارد الموجودة في قاع البحر أو تحته هي "تراث مشترك للإنسانية".

وبموجب القانون الدولي فإن لكل دولة ساحلية حقوقًا حصرية في استخدام الموارد وتنظيم المصايد في منطقتها الاقتصادية الخالصة، والتي يمكن أن تمتد إلى 200 ميل بحري من الشاطئ. ومع ذلك، لا تزال أعالي البحار خارج المناطق الاقتصادية الخالصة، وتُعَد مشاعات عالمية، وهي من أقل المناطق المحمية على وجه الأرض؛ إذ تواجه الأنواع مخاطر "القرصنة البيولوجية" التي نص
"بروتوكول ناجويا" على مواجهتها بين الدول الـ105 الموقعة عليه في أكتوبر عام 2014.

وتعني "القرصنة البيولوجية" إزالة الموارد البيولوجية مثل الحمض النووي للنبات أو الحيوانات من أحد الموائل الطبيعية دون حصول على إذن الدولة صاحبة الأرض أو المياه، وتعويضها بالتعويض المناسب، لكن البروتوكول لا ينطبق على المياه الدولية.

توضح دراسة سابقة نُشرت في عام 2014 في مجلة "أكواتك كونزيرفيشن" أن 21% من الأنواع البحرية المهاجرة مصنفة على أنها مهددة بالانقراض وفي وضع حرج جدًّا.

وتُعد السلاحف البحرية أكثر هذه الأنواع عرضةً للانقراض بنسبة 85%، تليها الطيور البحرية بنسبة 27%، والأسماك الغضروفية 26% والثدييات البحرية 15% والأسماك العظمية 11%. كما يُعَد 48% من الأنواع البحرية المهاجرة مهددًا أو شبه مهدد بالانقراض.

مخاطر بيئية واقتصادية

تقول "هاريسون" إن التهديدات التي تتعرض لها الطيور والحيوانات البحرية المفترسة تتمثل في التلوث بمخلفات البلاستيك التي تلقيها المجتمعات الحضرية في الأنهار التي تصب بدورها في البحار المفتوحة والمحيطات، إضافة إلى الصيد غير المشروع، والصيد الجائر للحيوانات والطيور البحرية المهددة بالانقراض، والتي بدأت أعدادها في التناقص بالفعل.

"العديد من الأنواع التي درسناها إما مهمة للغاية من الناحية الاقتصادية، وقد شهدت انحدارًا شديدًا جدًّا (مثل سمك التونة)، أو مهمة من الناحية الثقافية بالنسبة للسكان الأصليين والمجتمعات الساحلية المحلية. وبوصفها مفترسات القمة، فإن أنواعًا عديدة منها -مثل أسماك القرش- لها أهمية بالغة في هيكلة النظم البيئية، فعندما يتم القضاء عليها، يمكن أن تتغير مجتمعات بأكملها، كما أن لها تأثيرات مهمة على الأنواع الأخرى ذات القيمة التجارية"، وفق الباحث الرئيسي للدراسة.

وتضيف "هاريسون" في تصريح لـ"للعلم": "للمرة الأولى أصبح لدينا أرقامٌ حقيقية عن التحركات السنوية لعدد كبير من الأنواع، ومقدار الوقت الذي تقضيه في رحلاتها المختلفة، ويمكن الاعتماد على هذه البيانات والخرائط لتقديمها للأمم المتحدة؛ للاستناد إليها في وضع بنود اتفاقية لأعالي البحار".

"توفر نتائجنا معلومات مهمة لتصميم الاتفاقيات التعاونية الدولية اللازمة لإدارة هذه الأنواع، بما في ذلك الدول التي يجب أن تتعاون لإدارة كل نوع؛ إذ تُعد أﻋﺎﻟﻲ اﻟﺑﺣﺎر ﻣن أﻗل اﻷﻣﺎﮐن اﻟﻣﺣﻣﯾﺔ ﻋﻟﯽ سطح اﻷرض"، تقول "هاريسون"، موضحةً أن المناقشات جارية في الأمم المتحدة منذ عام 2016 للتفاوض على معاهدة عالمية لحفظ وإدارة أعالي البحار، والتي تمثل ما يقرب من 50% من سطح الكوكب.

ما زالت "هاريسون" تعمل على هذا الموضوع؛ إذ تعمل حاليًّا مع فريق لتوسيع نطاق هذا البحث خارج المحيط الهادئ لتوفير النوع نفسه من المعلومات التركيبية عن الأنواع المهاجرة عبر المحيطات الأخرى.

نتائج غير مسبوقة

يوضح "ويليام تشيونج"، أستاذ البيولوجيا البحرية المشارك بجامعة "بريتش كولومبيا"، أن الدراسة الحالية تجمع بيانات التتبع الأكثر شمولاً للحيوانات المفترسة البحرية في المحيط الهادئ وتربطها بالتحديات والفرص للحفاظ على هذه الحيوانات، من خلال النظر إلى التداخل بين طريق الهجرة والحدود السياسية للمحيطات.

ويرى أن الدراسة تتفرد عن سابقاتها بأنها شاملة ودقيقة، في حين تنظر الدراسات السابقة إلى الحيوانات البحرية إما من خلال عدسة المصيد السمكي، أو تركز فقط على نوع واحد أو عدد قليل من الانواع.

"أعتقد أنه سيكون من الجيد لو سلطت الدراسة الضوء على فكرة أن تغيُّر المناخ يغير توزيع هذه الكائنات وهجرتها، مما يؤثر أيضًا على التفاعلات السياسية بين الدول فيما يتعلق بحفظ هذه الحيوانات المفترسة البحرية واستغلالها"، يضيف "تشيونج" في تصريح لـ"للعلم".

تشير دراسة سابقة أعدها "ويليام" وزملاؤه ونُشرت في مجلة "نيتشر كلايمت تشينج" عام 2011، إلى أن تغير المناخ يؤدي دورًا مهمًّا في توجيه حركة الأنواع البحرية المختلفة واستقرارها. وتوضح الدراسة أن تأثيرات تغيُّر المناخ وارتفاع نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون تؤدي أيضًا إلى انخفاض إنتاجية الأنواع البحرية وتدهور المصايد السمكية كذلك. وتتوقع الدراسة أن يهدد تغير المناخ مخزون البحار والمحيطات من الأسماك والأنواع البحرية الأخرى والنظام البيئي للمحيط برمته.

ويشيد "جون برونو" الأستاذ بجامعة "نورث كارولينا" بالنتائج التي توصلت إليها الدراسة، التي يعتبرها مثيرة للإعجاب من حيث إنها توفر قياسًا كميًّا واضحًا للمدد الزمنية التي تقضيها الكائنات البحرية في المناطق المختلفة داخل المحيط، ومدى التباين في حركة هذه الأنواع وسلوكها.

يقول "برونو" في تصريح لـ"للعلم": إن من شأن وجود مثل هذه المعلومات الدقيقة تمكين صانعي القرار من تحسين عمليات إدارة أعالي البحار، أو على الأقل معرفة أي الحكومات يجب عليها فعل ذلك بناء على البيانات التي تشير إلى وجود الكائنات المهددة في مياهها الإقليمية.