في خضم العديد من التطورات غير المتوقعة لعام 2020، قد يكون من المُطَمئِن ملاحظة أن الكون الذي نعيش فيه لا يزال يعمل أحيانًا في إطار التنبؤات؛ إذ هناك العديد من الأحداث الفلكية التي يمكننا التنبؤ بها بيقين تام. كل عامين تقريبًا، تكون الأرض والمريخ أقرب ما يكونان إلى بعضٍ في مداريهما حول الشمس، وهذا القرب المداري يُتيح الفرصة لإرسال المركبات الفضائية إلى جيراننا. تتوافر لنا هذا الصيف إحدى تلك الفرص السانحة لاستكشاف المريخ. وكان قد جرى التخطيط لإطلاق أربع بعثات إلى المريخ هذا العام، لكن تأجلت بعثة روزاليند فرانكلين، وهي بعثة أوروبية روسية مشتركة لإرسال مركبة استكشاف طوّافة، إلى عام 2022؛ بسبب الاضطرابات المتعلقة بجائحة مرض فيروس كورونا (كوفيد-19). ومن المقرر إطلاق بعثة "الأمل" الإماراتية في 14 يوليو 2020، وهي أول مشروع من نوعه في الشرق الأوسط، ما يدفع بالطموحات الإماراتية إلى آفاق جديدة. ويعكس اسم المسبار الإماراتي الطموحات العلمية والاقتصادية الكبيرة لدولة الإمارات باعتبارها قوة فضائية ناشئة. ستراقب المركبة الفضائية بدون طيار الغلاف الجوي لكوكب المريخ، ويتضمن ذلك الأحداث المناخية مثل العواصف الترابية، التي تمثل سمة بارزة في مناخ شبه الجزيرة العربية. وبصورة عامة، تهدف البعثة الإماراتية إلى المريخ إلى تعزيز القدرات التكنولوجية لدولة الإمارات وإلهام الشباب الإماراتي للسعي إلى العمل في مجالات العلوم والهندسة. بالإضافة إلى هذا، يُعدّ المشروع أيضًا جزءًا من الإستراتيجية طويلة الأمد التي تتَّبعها دول الخليج لتقليل الاعتماد على النفط والغاز وبناء اقتصاد قائم على المعرفة.

لا يمكن فصل هذه الطموحات التكنولوجية عن نظيرتها السياسية. فالدافع وراء بناء اقتصاد قائم على المعرفة لا يتعلق فقط بتنويع مصادر الإيرادات الحكومية، فمن خلال توسيع نطاق فرص العمل، تأمل دولة الإمارات العربية المتحدة خلق فرص عمل للشباب الذين قد تؤدي إحباطاتهم، في غياب تلك الفرص، إلى عدم الاستقرار. علاوةً على ذلك، تُعدّ المشاريع العلمية الكبيرة تجسيدًا رمزيًّا للقيادة والقوة الناعمة؛ إذ الدولة القادرة على تنفيذ مشاريع فضائية معقدة هي دولة تتطلع إلى المستقبل. من المقرر أن يصل المسبار إلى المريخ عام 2021، بالتزامن مع الذكرى الخمسين لتأسيس دولة الإمارات.

إذا كانت بعثة الأمل إلى المريخ تتعلق بالقوة بقدر تعلُّقها بالعلم، فهل يمكن أن تؤدي إلى تفاقم المنافسات القائمة في الشرق الأوسط؟ هل يمكن لسباق الفضاء نقل سباقات التسلح الإقليمية إلى مستوى جديد؟ لقد شكّلت القنوات الفضائية -مثل قناة الجزيرة القَطرية- بالفعل جزءًا من نزاعات مريرة، وأثارت مركبات الإطلاق الإيرانية مخاوف بشأن قدراتها العسكرية. فهل يمكن أن تسهم المركبات الفضائية الأخرى -مثل الصواريخ والقذائف والطائرات بدون طيار- في زيادة حدة هذا المزيج القابل للانفجار؟ المسبار الإماراتي غير مسلح، ومع ذلك، ليس من المستبعد أن نتساءل عما إذا كانت دول الشرق الأوسط قد تحذو حذو الولايات المتحدة في إضافة قوات فضائية ضمن فروع الخدمة العسكرية لديها. يمكن أن تخدم التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج -مثل صواريخ سباق الفضاء في أثناء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي- الأهداف السلمية والعسكرية. وبالمثل، يمكن استخدام الأقمار الصناعية لرصد الأرض في المراقبة البيئية، وكذلك في أعمال التجسس.

ستستمر النزاعات المستقبلية بأنماطها الموجودة بالفعل في الشرق الأوسط. ومع ذلك، يأمل المرء أن تختلف بعثة الإمارات إلى المريخ عن هذه المسارات، وأن تُسهم في صنع السلام. على غرار معظم المشاريع العلمية الكبيرة، تعتمد البعثة على التبادل والتعاون الدوليين؛ إذ كانت بعض المؤسسات الأمريكية -مثل جامعة كولورادو بولدر- من الشركاء الأساسيين مع مركز محمد بن راشد للفضاء في دبي في مهمة صنع المسبار. وستتولى شركة ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة عملية الإطلاق من موقع في اليابان. ولا يختلف ذلك كثيرًا عن اعتماد الولايات المتحدة على الصواريخ الروسية لرحلات الفضاء البشرية في الفترة من نهاية برنامج مكوك الفضاء الأمريكي في عام 2011 وحتى رحلة SpaceX Demo-2 إلى محطة الفضاء الدولية هذا العام. قد لا يحل التعاون العلمي النزاعات، ولكن على الأقل، قد يمنع الاعتماد التكنولوجي المتبادل من أن تُصبح هذه النزاعات شديدة التدمير.

يجب على حكومات الشرق الأوسط توسيع نطاق تعاونها الحالي في مجال الفضاء مع الدول البعيدة في آسيا أو أمريكا الشمالية ليشمل جيرانها؛ إذ يتوافر للمنطقة العديد من الموارد غير النفط والنقد. فرغم العقوبات، اكتسبت إيران خبرة رائعة في مجال مركبات الإطلاق، وتعرف قطر كيف تدير قنوات فضائية ناجحة للغاية، ولدى إسرائيل بعض أفضل الجامعات وشركات التكنولوجيا الرائدة في الشرق الأوسط، وحتى اليمن، رغم الدمار الذي لحق به من جرّاء الحرب، يمكن أن يُسهم بجباله كمواقع للمراصد. وجميع بلدان المنطقة تزخر بشعوب تمتلك عقولًا يملؤها الخيال والإبداع، تتطلع إلى تجاوُز النزاعات على الأرض أو الدين. إن رؤية الأرض من الفضاء تجعل الحدود الوطنية والخرائط الطائفية تختفي على الفور.

لا يحتاج التبادل والتعاون والتفاهم المتبادل في مجال الفضاء الخارجي إلى البدء من الصفر؛ فهناك مجموعة متنوعة من المنتديات قائمة بالفعل وينبغي تعزيزها. ينظم الاتحاد الفلكي الدولي والاتحاد الدولي للملاحة الفلكية اجتماعات منذ عدة عقود، وإقليميًّا، يضطلع الاتحاد العربي لعلوم الفلك والفضاء والجمعية الفلكية العربية بالدور نفسه. وقد دعمت أنوشه أنصاري، المهندسة ورائدة الفضاء الإيرانية الأمريكية، والتي تَعُدُّ نفسُها رمزًا لرأب الصدع، منظماتٍ مثل "علماء فلك بلا حدود"، وينبغي أن نحذو حذوها.