تنتشر عائلة اللغات الألتائية، التي تضم اليابانية والكورية والمنغولية والتركية، في جميع أنحاء أوراسيا، بدايةً من اليابان وكوريا وسيبيريا في الشرق وحتى تركيا في الغرب، ورغم انتشارها، إلا أن أصول هذه العائلة اللغوية وبداية انتشارها كانت ولا تزال نقطة نقاش ساخنة مع تشتت السكان والتوسع الزراعي والتشتت اللغوي، والتعقيدات المصاحبة لذلك.

وفي السياق، ذكرت دراسة نشرتها مجلة "نيتشر" (Nature) اليوم "الأربعاء"، 10 نوفمبر، أن عائلة اللغات الألتائية ربما نشأت في الصين منذ حوالي 9000 عام، وكان انتشارها مرتبطًا بالزراعة.

وتدعم نتائج الدراسة -التي أجراها فريق دولي متعدد التخصصات، يضم باحثين من آسيا وأوروبا ونيوزيلندا وروسيا والولايات المتحدة- فرضية ارتباط الزراعة بانتشار اللغة من خلال تعقُّب اللغات الألتائية الأولى، وتقوم الفرضية على أن المزارعين انتقلوا عبر شمال شرق آسيا بدايةً من العصر الحجري الحديث المبكر (9000 – 4500 قبل الميلاد). 

كشفت النتائج التي توصل إليها الفريق من المصادر اللغوية والأثرية والوراثية أن أصول اللغات الألتائية يمكن إرجاعها إلى بداية فترة زراعة الدخن في منطقة غرب نهر لياو في الصين منذ ما يقرب من 9000 عام، خلال أواخر العصر الحجري الحديث، انتشر مزارعو "الدخن" حاملين الجينات الوراثية المرتبطة بمنطقة حوض نهر أمور إلى مناطق متجاورة عبر شمال شرق آسيا.

وعلى مدار آلاف السنين التالية، اختلط المتحدثون باللغات الألتائية مع سكان غرب أوراسيا، وتزامن ذلك مع تطور أنماط الزراعة في تلك المناطق، خاصةً زراعة الأرز.

تؤكد "مارتين روبيتس" -أستاذة اللغويات في معهد ماكس بلانك لعلوم التاريخ البشري، والمؤلف الرئيسي للدراسة- أن إحدى أبرز النتائج التي توصل إليها الفريق البحثي هي "اكتشاف وجود مكون وراثي شائع يتشاركه جميع المتحدثين باللغات الألتائية، يعود إلى منطقة شمال شرق الصين".

وتُعد الدراسة أول رصد للجينوم القديم من شبه الجزيرة الكورية؛ حيث وجد الباحثون –على نحوٍ غير متوقع- أن الكوريين من العصر الحجري الحديث لديهم مكونات جينية تعود إلى فترة "جومون"، يشير تاريخ تلك الفترة إلى يابان ما قبل التاريخ، ويعود إلى ما بين 8000 قبل الميلاد وحتى 300 قبل الميلاد، ولم يكن معروفًا لدى العلماء وجود هذه المكونات الجينية إلا في السكان الذي سكنوا اليابان في ذلك الوقت.

تقول "روبيتس" في تصريحات لـ"للعلم": كان معروفًا منذ ما يقرب من قرن من الزمان أن حركة التجارة بين كوريا واليابان كانت رائجةً في العصر الحجري الحديث، إلا أن معظم علماء الآثار افترضوا أن تأثيرات تلك التجارة كانت محدودةً نوعًا ما، وأن الحدود الصلبة بين البلدين تعود إلى عصور ما قبل التاريخ.

وتضيف: أحد الدلائل التي تؤكد الاتصال القديم بين شعوب المنطقة يتمثل في العثور على مومياء سيدة من منطقة "يوكشيدو" في كوريا الجنوبية؛ إذ احتوى الحمض النووي للمرأة على حوالي 95٪ من جينات حقبة جومون اليابانية.

ورغم أن "روبيتس" تعتقد أن تلك المرأة ربما كانت مهاجرةً يابانية، إلا أنها تشير إلى أن "العثور على عينتين كوريتين أُخريين من العصر الحجري الحديث تحتويان أيضًا على ما بين 10 و20٪ من جينات جومون، يؤكد وجود روابط أوسع بين سكان شبه الجزيرة الكورية، واليابان في ذلك الوقت".

أجرى الفريق البحثي تحليلًا إحصائيًّا لقاعدة بيانات أثرية تضم 255 موقعًا من العصر الحجري الحديث والعصر البرونزي (3000 قبل الميلاد وحتى 1200 قبل الميلاد)، وتتضمن أدلة على 269 نوعًا من الحبوب المؤرخة مباشرة بالكربون المشع، ومجموعة من ثقافات العصر الحجري الحديث ذات الصلة في حوض غرب نهر لياو.

تقول "روبيتس": إن تقبُّل الأفراد لفكرة أن لغتهم التي تعبر عن هويتهم وثقافتهم ربما تكون وافدةً من ما وراء الحدود الوطنية، يمكن أن يتطلب نوعًا من إعادة توجيه الهوية، وهي ليست خطوةً من السهل على الأفراد اتخاذها، لكن تتبُّع التاريخ البشري يوضح لنا أن تاريخ جميع اللغات والثقافات والشعوب هو تاريخٌ ممتد من التفاعل والاختلاط.