وجدت دراسة جديدة دليلًا على أن ماء المريخ تبخر وانتقل مباشرةً إلى الغلاف الجوي العلوي متحولًا إلى هيدروجين ذري ينطلق متسربًا إلى الفضاء.

ولا تُعرف على وجه الدقة آلية تحويل الماء إلى هيدروجين ذري في كوكب المريخ، فعلى سطح كوكب الأرض، يُمكن أن يتحول الهيدروجين الجزيئي إلى هيدروجين ذري باستخدام التفريغ الكهربي الذي يُفكِّك ذرَّتي الهيدروجين مكوِّنًا زوجًا من الذرات قصيرة العمر وغير مستقرة.

وكان المريخ في يوم من الأيام كوكبًا رطبًا، لكنه فقد معظم مياهه من خلال تفاعلات تنتج الهيدروجين، الذي يهرب من الغلاف الجوي العلوي إلى الفضاء.

استخدم الباحثون في الدراسة، التي نشرتها دورية "ساينس" (Science)، بيانات من الغلاف الجوي للمريخ؛ لدراسة الكيفية التي تم نقل المياه بها إلى الغلاف الجوي العلوي وتحويلها إلى الهيدروجين.

ووجد الباحثون أن المياه يمكن أن تصل إلى ارتفاعات أعلى مما كان يُعتقد سابقًا، خاصةً خلال العواصف الترابية.

وأظهرت النمذجة الكيميائية الضوئية أن هذه العملية تسببت في خسارة للمياه التي كانت تجري على سطح المريخ، كما أثرت على تطور مناخه، وأن المريخ فقد معظم مياهه التي كانت وفيرة، وأن تلك المياه تسربت إلى الفضاء، تاركةً الكوكب باردًا وجافًّا.

وباستخدام الملحوظات المستمدة من مطياف كتلة الأيونات، ثبت أن الماء يتم نقله مباشرةً إلى الغلاف الجوي العلوي، ثم يتم فصله بواسطة الأيونات لإنتاج الهيدروجين الذري، لكن العملية التي تسببت في انفصال جزيء الهيدروجين عن ذرة الأكسجين لم تُعرف بعد. ويقول الباحثون إن تلك العملية لا تزال تحدث حتى الآن.

وتفاوتت وفرة المياه في الغلاف الجوي العلوي بشكل موسمي، وتبلغ ذروتها في الصيف الجنوبي، وارتفعت خلال العواصف الترابية، بما في ذلك العاصفة الترابية التي حدثت على المريخ في عام 2018.

يقول "شين ستون"، الباحث في مجال الكواكب بجامعة أريزونا، والمؤلف الأول لتلك الدراسة: "إن الورقة العلمية تُثبت لأول مرة وجود الماء في الغلاف الجوي العلوي للمريخ على ارتفاع حوالي 150 كيلومترًا فوق السطح".

يضيف "ستون" في تصريحات لـ"للعلم": "لاحظ الفريق وجود اتجاهات موسمية لتوافر المياه في الغلاف الجوي العلوي؛ إذ تتزايد خلال فترة الصيف في نصف الكرة الجنوبي للمريخ، بسبب القرب النسبي من الشمس، الذي يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوي، ما يتسبب على ما يبدو في زيادة نقل المياه إلى الغلاف الجوي العلوي".

ويؤدي هبوب العواصف الترابية على سطح المريخ إلى "تناثر مفاجئ للمياه في الغلاف الجوي العلوي"، ما يَزيدُ من وفرة الماء في الغلاف الجوي العلوي بمقدار 20 ضعفًا، مقارنة بالوفرة الموسمية.

يتابع "ستون": تحدث العواصف الترابية المريخية مرة كل 10 سنوات أرضية، وبدأت هذه الدراسة في عام 2017، وبدأ التركيز عليها أكثر في 2018 خاصة، عندما ضربت العاصفة الترابية المريخ في يونيو 2018، وانتهوا منها في بداية العام الجاري 2020.

تكمن أهمية العمل في إثبات أن الماء يمكن أن يصل إلى الغلاف الجوي العلوي، حيث يتم تدميره بسرعة، على عكس ما كان العلماء يعتقدونه سابقًا من عدم احتمالية وجود الماء في الأغلفة الجوية العلوية للكواكب، وأن العواصف الترابية وموسم المريخ يؤثران على معدل فقدان المياه من المريخ.

بينما قدمت الدراسة تقديرًا كميًّا لهذه التأثيرات، فإن الجزء الأكبر من الورقة العلمية يهتم بمسألة "كيف؟" بدلًا من "كم؟".

يقول "ستون": السؤال الأخير معقد للغاية، ولن تتم الإجابة عنه ببحث واحد؛ لأنه من الصعب للغاية عمل استقراء عكسي على مدى مليارات السنين في محاولة لفهم تأثير العملية التي نصفها على تطور مناخ المريخ.

ووفق البحث، أدى اكتشاف هذه العملية إلى تحول كبير في فهمنا للحالة الحالية للغلاف الجوي للمريخ وتطوره على مدى المليار سنة الماضية؛ إذ إن الصورة الكلاسيكية، التي تم اقتراحها لأول مرة في الأوراق الأساسية حول موضوع فقدان الهيدروجين من المريخ في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي، كانت غير مكتملة، ولم تستطع تفسير ما جرت ملاحظته في المريخ بدايةً من عام 2014.

يقول "ستون": اعتاد المريخ أن يبدو مثل الأرض أكثر دفئًا ورطوبةً مع جو كثيف ووفرة المياه السائلة على سطحه، لكن على مدار تاريخ النظام الشمسي، ضاعت مياه المريخ في الفضاء، تاركةً وراءها الكوكب الأحمر البارد والجاف الذي نراه اليوم.