يقف العالم عاجزًا، حتى الآن، أمام إيجاد علاج معتمد وفعّال لداء الكبد الدهني غير الكحولي (NAFLD)، الذي ينهش في صمت أكباد ملايين البشر.

ومن تسميته، يشير المرض إلى كمية الدهون الكبيرة المخزَّنة في خلايا الكبد، ويرتبط بمشكلات صحية أبرزها الوزن الزائد أو السِّمنة، وارتفاع مستويات الدهون في الدم. وبالرغم من أنه يختلف عن التهاب الكبد الكحولي الذي ينجم عن شرب الكحول، لكنَّ كليهما يقود إلى النتيجة ذاتها، وهي التهاب الكبد (NASH) وفشله، ما قد يؤدي إلى الوفاة.

وفي محاولة لوقف انتشار هذا المرض، يقترح علماء بكلية الطب جامعة كولورادو الأمريكية، هدفًا علاجيًّا جديدًا، أظهر نتائج وصفوها بـ"الواعدة" في التجارب قبل السريرية التي أُجريت على الفئران.

ووفق الدراسة المنشورة بدورية (Nature Communications)، يعتمد العلاج الجديد على تقنية إسكات الجينات (Silencing)، لكبح جماح بروتين (MCJ)، الذي أثبتت الدراسة -بالتجربة على الفئران- أن زيادة مستوياته في الكبد مرتبطة بالإصابة بوباء (NAFLD).

مرسيدس رينكون، أستاذ علم المناعة والأحياء الدقيقة بكلية الطب في جامعة كولورادو، وقائد فريق البحث، قالت: "إن النتيجة الرئيسية لدراستنا هي أن البروتين (MCJ) يكبح عملية التمثيل الغذائي للدهون في الكبد، وإن عملية تعطيله تقود إلى زيادة القدرة على حرق الدهون في الكبد، ما يمنع تطور مرض الكبد الدهني غير الكحولي وتليف الكبد".

وفي تصريحات لـ"للعلم"، أضافت أن النتائج يمكن أن توفر علاجًا جديدًا للمرض الذي يمثِّل مشكلة صحية عالمية؛ لأنه تحول إلى وباء حقيقي دون علاج، إذ يؤثر على حوالي 25٪ من سكان العالم.

من جانبه، وصف أشرف عمر -أستاذ الجهاز الهضمي والكبد بكلية طب قصر العيني بجامعة القاهرة- نتائج الدراسة بأنها "اختراق علمي"، قد يُحدث تأثيًرا كبيرًا في مستقبل علاج الكبد الدهني غير الكحولي.

وفي حديث لـ"للعلم"، رأى أن النتائج التي تحققت في التجارب قبل السريرية "مبهرة"، وتمثل اكتشافًا علميًّا مهمًّا، أضاء طريقًا طالما كان مظلمًا، وظهر ذلك جليًّا في نتائجه العلاجية من حيث أوقف ترسُّب الدهون في خلايا الكبد لدى الفئران.

وأوضح أن البروتوكولات الطبية المعتمدة حتى الآن لـ(NAFLD) هي التعامل مع أعراض المرض -وليس علاجه- عبر خطوات، أبرزها خفض الوزن وممارسة الرياضة بانتظام، بالإضافة إلى وصف علاجات منشطة للكبد، وفيتامين "هـ" الطبيعي المستخلص من حبوب القمح، بالإضافة إلى مضادات الكوليسترول والدهون الثلاثية.

واتفقت معه شيماء يحيى، أستاذ مساعد بقسم الهرمونات بالشعبة الطبية في المركز القومي للبحوث، معتبرةً -في حديث لـ"للعلم"- أن ما يميز نتائج الدراسة، أنها أثبتت بالأدلة أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين زيادة مستويات بروتين الـ(MCJ) وتطور مرض الكبد الدهني غير الكحولي.

في حين وصفت "يحيى" الدراسة بأنها "شاملة"، وتقدم معلومات جديدة مدعومة بدلائل قوية. وأوضحت أن الفريق البحثي عمل على أكثر من مستوى لتعزيز هذا الرابط، ابتداءً بدراسة خلايا أولية بشرية مأخوذة من أكباد مرضى الـ(NAFLD)، بالإضافة إلى مراقبة نموذجين من فئران التجارب.

أكسدة الأحماض الدهنية

ويعطل تراكم الدهون في الكبد عملية أكسدة أحماض "بيتا" (β) الدهنية، وهي سلسلة من العمليات البيوكيميائية المتعددة المراحل المولِّدة للطاقة داخل الميتوكوندريا. وقد تَبيَّن أن أحد الأسباب الرئيسية لتعطيل مراحل أكسدة أحماض "بيتا" الدهنية داخل الميتوكوندريا هو بروتين الـ(MCJ) في حال إذا كان التعبير الجيني له مرتفعًا في الكبد.

ووفق الدراسة، فإن كبح التعبير الجيني للبروتين (MCJ)، عبر تقنية "إسكات الجينات"، يعزز قدرة الخلايا الكبدية على أكسدة الأحماض الدهنية ويقلل من تراكم الدهون، ما يؤدي إلى تقليل تلف خلايا الكبد وتجنُّب حدوث التليف.

وعن وظيفة عملية الأكسدة، أوضحت "يحيى" أن هذه العملية تتلخص في تكسير الأحماض الدهنية كي لا تتراكم في الكبد، من أجل الاستفادة منها في منح خلايا الجسم الطاقة اللازمة للحياة، وهي عملية تحدث داخل الميتوكوندريا بالخلية، وتُعد بمنزلة وقود مهم لتفعيل عضلات الجسم وعضلة القلب.

وأشارت إلى أن الكبد يعمل في الظروف الطبيعية لدى الأصحاء على التوازن في تنظيم عملية أكسدة أحماض بيتا الدهنية، بحيث لا تنخفض فتتعطل عملية حرق الدهون في الكبد، ولا ترتفع فتسبب مشكلةً أخرى بالجسم، فيما يُعرف بالظروف الفسيولوجية الطبيعية.

لكن في المقابل، فإن مرضى الكبد الدهني يعانون خللًا في هذا التوازن، ناجم عن زيادة مستويات (MCJ)، وبالتالي فإن كبح هذا الجين في الكبد يُعد إستراتيجيةً آمنة لتقليل تراكُم الدهون وتطوُّر التليُّف، وبالتالي علاج (NASH).

وتستطرد "يحيى" بقولها: على الرغم من أهمية عملية الأكسدة بالنسبة لصحة الكبد، إلا أن فرط التأكسد يضر الجسم أيضًا، إذ ينتج عن ذلك تكوّن ما يسمى بـ"مركبات الأكسجين التفاعلية" (Reactive oxygen species)، وهي مركبات شبيهة بـ"الجذور الحرة" تنشأ في أثناء استقلاب المواد الغذائية في الكبد، وهي من المشكلات التي تؤذي خلايا الكبد وتدمرها؛ لأنها عبارة عن ذرات أكسجين عليها "إلكترون حر"، يمكنه الالتصاق بأجزاء من الحمض النووي لخلايا الكبد وإتلافها.

"إسكات الجينات"

ركز الباحثون في دراستهم على بروتين (MCJ) باعتباره هدفًا لعلاج التهاب الكبد الدهني غير الكحولي (NASH)، ويقع هذا البروتين داخل الميتوكوندريا التي تعتبر مصنع الطاقة للخلايا؛ حيث يتم حرق الدهون في الكبد، ولكن هذا البروتين يعمل ككابح يفرمل النشاط الأيضي للميتوكوندريا وبالتالي تتراكم الدهون. لذا، قرر الفريق القضاء على هذه الفرامل الأيضية؛ لزيادة عملية حرق الدهون في الكبد وتقليل تراكُمها، ومن ثم وقف تطور عملية التليف، مستخدمين تقنية إسكات الجينات لإسكات الجين المرتبط بعملية إنتاج بروتين (MCJ).

تقول "يحيى": إن إسكات الجينات -الذي يستهدف تعطيل جين معين وكبح نشاطه- يتم باستخدام تقنية الحمض النووي الريبوزي المتداخل الصغير (Small interfering RNA أو siRNA)، الذي يُعرف أيضًا باسم الرنا القصير، وهي تقنية ليست بالجديدة، تُستخدم في أبحاث العلاج الجيني منذ أكثر من 20 عامًا، في محاولة لفك طلاسم بعض الأمراض، وإيجاد علاجات مناسبة لها. وأضافت أن هذا النهج العلاجي إحدى تقنيات العلاج الجيني الناجحة، وقد وصلت إلى مرحلة التجارب السريرية في علاج بعض الأمراض، كالأمراض الفيروسية والسرطانية.

في حين أفاد "عمر" بأن ما يميز هذه الدراسة أنها اعتمدت على العلاج الجيني، وهو مستقبل علاجات الأمراض المزمنة، للتعامل مع جزيئة حيوية مهمة جدًّا، وهي الميتوكوندريا التي تُعد بمنزلة رئة الخلية، إذ استطاع الفريق أن يسيطر على آلية عملها، ويتحكم في عملية حرق الدهون، وهي أحد التداعيات الرئيسية لـمرض (NAFLD)، وبالتالي أوقف تكوُّن الدهون وتراكُمها في خلايا الكبد.

توجيه العلاج نحو الهدف المنشود

جاءت البداية مع أخذ عينات من نسيج الكبد لدى مرضى يعانون من الكبد الدهني غير الكحولي، بالإضافة إلى عينات أخرى من أكباد أصحاء، وحللوها باستخدام تقنية مخبرية تسمى "الكيمياء النسيجية المناعية" (Immunohistochemistry)‏، تُستخدم لقياس مستوى البروتينات، واكتشفوا أن بروتين الـ(MCJ) يوجد بمستويات مرتفعة لدى مرضى (NAFLD) مقارنةً بالأصحاء، لذا رأى الفريق أن هذا البروتين يمكن أن يكون هدفًا علاجيًّا، إذا تم إسكاته.

ثم راقب الفريق مجموعتين من الفئران، الأولى كانت معدّلة وراثيًّا بحيث لا تحمل الجين المنتج للبروتين (MCJ)، في حين كانت الثانية تحمل هذا الجين كما هو موجود في صورته الطبيعية لدى الإنسان.

وأطعم الفريق المجموعتين وجبات تحتوي على نسبة عالية من الدهون مرتفعة الفركتوز، وبعد أشهر من هذا النظام الغذائي، تبيَّن أن المجموعة التي تحمل جين (MCJ) تطور لديها (NAFLD)، بعكس المجموعة الثانية المعطل لديها هذا الجين وراثيًا؛ إذ لم تصب بالمرض.

ولاختبار ما إذا كان هذا النهج الجديد الذي أطلق عليه العلماء اسم (siMCJ)، يمكن أن يكون علاجًا محتملًا لـ(NAFLD)، قسّموا الفئران المصابة بالمرض إلى مجموعتين، عالجوا الأولى بـ(siMCJ)، في حين تلقت المجموعة الثانية علاجًا وهميًّا، وتبيَّن أن المجموعة التي تلقَّت العلاج القائم على إسكات الجينات سجّلت مستويات أقل من الدهون والتليّف في كبدها مقارنةً بالمجموعة الضابطة، وبالتالي، فإن كبح (MCJ) بانتظام قد حمى الفئران من تطوير (NASH).

وعن آلية عملة تقنية (siRNA) قالت "يحيى" إنها عبارة عن جزيئات يتم تخليقها بسهولة في المعمل، ولا تحتاج إلى أجهزة معقدة، ووظيفتها أنها تتشابك مع البروتين لتعطل عمله.

وعن الطريقة التي يصل بها العلاج إلى خلايا الكبد، أفاد الباحثون بأنهم قاموا بدمج جزيئات الـ(siRNA) مع مادة الـ(GalNac) -وهو سكر أميني مُشتق من الجلاكتوز- لإيصال العلاج إلى أكباد الفئران، وهو ما اعتبرته "يحيى" طريقة فعالة لتوجيه العلاج نحو هدفه المنشود؛ لأن مادة الـ(GalNac) تذهب مباشرةً إلى الكبد، لأسباب تتعلق بعملية التمثيل الغذائي أو الأيض لهذه المادة في الكبد.

وأضافت أنه إذا تمكن الفريق من إثبات صحة نظريته في التجارب السريرية المستقبلية على البشر، فإن هذا الهدف العلاجي سيحتاج إلى تطويره في شكل دواء، وسيتطلب ذلك كثيرًا من الاختبارات، أبرزها اختبارات تحمُّل هذا الدواء لأحماض المعدة؛ لضمان عدم تكسيره، ووصوله إلى هدفه المنشود في الجسم.

في حين اعتبر "عمر" أن الخطوة المقبلة للفريق ستتطلب اختبار أمان هذا العلاج وفاعليته وتأثيره في التجارب السريرية على البشر، وتحديد الجرعات الآمنة لهذا العلاج؛ حتى لا يحدث فرط التأكسد، الذي يضر بخلايا الجسم، بصورة تشبه المستويات لدى الأشخاص الأصحاء.

وبدروها عقّبت "رينكون" بأن الفريق سيتابع دراساته ما قبل السريرية لتقييم سلامة وأمان هذا العلاج المرشّح في النماذج الحيوانية، قبل بدء المرحلة الأولى من الدراسات السريرية على المرضى الذين يعانون من وباء الكبد الدهني غير الكحولي.