قد يكون بعض آباء المواليد الجدد على دراية باضطراب التمثيل الغذائي المعروف بـ "بِيلَة الفينيل كيتون" phenylketonuria، فالأطفال الذين وُلدوا بهذا الداء يحتاجون إلى نظام غذائي خاص لتجنُّب تراكُم الحمض الأميني فينيل آلانين في الجسم.

يؤخر المستوى الزائد من الفينيل آلانين من النمو العقلي والحركي للأطفال. وفي حال تُرك دون علاج، قد يعاني الأطفال عجزًا عقليًّا هائلًا.

وتؤدي طفرات "فقدان الوظيفة" في الإنزيمات الضرورية لعملية استقلاب خلايا الكبد دورًا في غالبية أمراض الكبد الوراثية، ومنها هذا الداء. وطفرات فقدان الوظيفة هي نوعٌ من التغير يطرأ على المعلومات الجينية، فيجعل وظائفها غير مكتملة أو معدودة.

في هذا الإطار، يعوِّل العلماء على نظام تحرير الجينوم المعتمد على تقنية CRISPR /Cas9 كريسبر- كاس9 بآمال كبيرة، فهم يؤمنون بأنه يحمل وعودًا عظيمة لاستهداف الاضطرابات الوراثية، بما في ذلك الأخطاء الوراثية في عمليات التمثيل الغذائي في خلايا كبد الأجنة.

تعزيز نظام كريسبر/ كاس9

استفاد فريق من الباحثين بقيادة "جيرالد شوانك"، أستاذ في قسم الأحياء، بمعهد علوم الصحة الجزيئية، التابع للمعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا بزيوريخ، سويسرا، من طريقة تصحيح الجينات الطافرة في خلايا الكبد لتحقيق الشفاء من المرض في الفئران.

ووفق الدراسة المنشورة في دورية "نيتشر ميديسن" (Nature Medicine)، فإن هذا الاضطراب الاستقلابي يعود إلى وجود طفرة في جين مسؤول عن توجيه إنتاج إنزيم الهيدروكسيلاز فينيل ألانين (Pah)، حيث يستقلب هذا الإنزيم، الذي تنتجه خلايا الكبد، الفينيل ألانين. ولم يكن هناك علاج لهذا الاضطراب حتى الآن.

استفاد فريق من الباحثين بقيادة "شوانك" من طريقة لتصحيح كلٍّ من الجينات الطافرة في خلايا الكبد، وبالتالي الشفاء من المرض. لقد نجحوا حتى الآن، على الأقل في الفئران.

وبمساعدة نظام CRISPR /Cas9 المعزَّز بواسطة إنزيم واحد، قام الباحثون بتغيير تسلسل الحمض النووي للجين المطابق في فئران بالغة، بحيث أصبحت خلايا الكبد قادرةً على إنتاج إنزيمات Pah لتؤدي دورها المعتاد. إذ تُمكِّن هذه الأنظمة من تحويل أزواج القواعد النتروجينية لـC-G إلى T-A والعكس بالعكس.

في عملية التحرير التقليدي لنظام كريسبر/كاس، تحفيز كسر الحمض النووي المزدوج هو العنصر المركزي لتحرير الجينوم؛ إذ يتم قص الجديلة المزدوجة للحمض النووي دي إن إيه (DNA) عند نقطة محددة، وتحاول الخلية إصلاح القطع باستخدام آليات مختلفة.

وإذا جرت إضافة تسلسل حمض نووي صحيح مطابق إلى الخلية من الخارج، فإنه يتيح آلية إصلاح متخصصة لتعديل التسلسل الجيني المحدد بدقة.

تقنية واعدة

وعلى الرغم من التحذيرات التي أُطلقت مؤخرًا حول بعض المخاطر التي تتسبب فيها تقنية كريسبر/كاس، إلا أنها جاءت لتضرب من جديد، وتحقق نجاحًا في علاج هذا المرض الوراثي الخطير.

فاعتمادًا على هذه التقنية، طور الباحثون أداة تصحيح تستهدف الجينات المعيبة بمساعدة نظام كريسبر/كاس المحسّن بواسطة الإنزيم النازع، وقام الباحثون بتغيير تسلسل الحمض النووي للجين الطافر المسبب لمرض بِيلَة الفينيل كيتون في أكباد فئران بالغة، بحيث أصبحت قادرةً على إنتاج إنزيمات سليمة وفعالة، وتم شفاؤها شفاءً كاملًا.

بِيلَةُ الفينيل كيتون

بِيلَةُ الفينيل كيتون أو البوال التخلقي، حالة من حالات اضطراب التمثيل الغذائي الوراثية للفينيل كيتون يوريا. سبب هذا الاضطراب الاستقلابي (الأيضي) طفرةً في جين يوفر برنامج عمل لإنزيم هيدروكسيلاز الفنيل آلانين (Pah).

ويستقلب هذا الإنزيم، الذي تنتجه خلايا الكبد، الفينيل آلانين. يصاب الطفل بالمرض إذا ورث جينًا متحورًا واحدًا من الأم وواحدًا من الأب.

ويُعَد هذا المرض مرضًا وراثيًّا متنحيًا، يظهر كصفة جسمية متنحية، على هيئة طفرات في جين إنزيم هيدروكسيلاز الآلانين الكبدي، وهو الإنزيم اللازم لاستقلاب الحمض الأميني الفينيل آلانين إلى التيروسين. وعندما يقل نشاط هذا الإنزيم يتراكم الفينيل آلانين ويتحول إلى فينيل-بيروفات المعروف أيضًا باسم فينيل-كيتون.

وتناوُل شخص مصاب الأطعمة المحتوية على البروتين أو المُحلي الصناعي أسبارتام قد يؤدي إلى مشكلات صحية خطيرة، وإلى إعاقة عقلية قد تؤخر النمو الذهني والحركي، وقد تكون ذات عواقب شديدة إذا لم يتم التشخيص والعلاج في مراحل مبكرة بعد الولادة.

ولهذا يُجرى فحص جميع المواليد الجدد والأطفال حديثي الولادة في العديد من الدول؛ للكشف عن ارتفاع مستويات الفينيل كيتون في البول بعد الولادة مباشرة.

في تركيا يظهر المرض في 1 من بين 2600 ولادة (أعلى نسبة في العالم)، وتليها في الترتيب أيرلندا والنرويج وفنلندا ثم الولايات المتحدة.

وفي مصر، أطلقت وزارة الصحة في شهر إبريل الماضي، تقنية المسح الوراثي للمواليد الجدد؛ للاكتشاف المبكر للمرض الذي يُعَد من الأمراض الوراثية المنتشرة فيها.

 واكتشاف ارتفاع الفينيل كيتون في البول يساعد على الوقاية من المشكلات الصحية الكبيرة التي يتسبب فيها هذا المرض الوراثي.

ويعاني الأطفال عادةً من عدة علامات تدل على إصابتهم بالمرض، من أبرزها:

  • رائحة عفن في النفَس أو الجلد أو البول
  • مشكلات عصبية قد تتضمن نوبات
  • حالات الطفح الجلدي (إكزيما)
  • البشرة الفاتحة والعيون الزرقاء
  • رأس صغير إلى حدٍّ غير طبيعي (صعل)
  • فرط النشاط
  • إعاقات ذهنية
  • تأخُّر في النمو
  • مشكلات سلوكية أو عاطفية أو اجتماعية

محرر القواعد النيتروجينية

"كان استخدام محرر القواعد النيتروجينية هو المفتاح لنجاحنا"، كما يشرح طالب الدكتوراة والمؤلف الرئيسي للدراسة، "لوكاس فيليجر"، في تصريحات لـ"للعلم". ويضيف: "نعتقد أن تصحيح الحمض الأميني فينيل ألانين (L-Phe)، في الدم (الذي تكون معدلاته مرتفعةً بشكل غير طبيعي في الحيوانات غير المحررة جينيًّا) للوصول إلى المستويات الفسيولوجية الطبيعية، قد نجح نجاحًا عظيمًا".

ويضيف: علاوةً على ذلك، كنا سعداء للغاية برؤية محرر القواعد النيتروجينية، وهي التقنية التي جرى تطويرها في مختبر البروفيسور ديفيد ليو، مدير معهد ميركن للتقنيات التحويلية في الرعاية الصحية في بوسطن، والتي نُشرت في ورقة بحثية في دورية "نيتشر" في نوفمر 2017، تعمل بشكل رائع حتى في الأنسجة البالغة، حيث يحدث تمايز قليل من الخلايا مع التحرير الصحيح حتى 60٪.

بدأ "شوانك" و"فيليجر" باستخدام التقنيات التي طورها الباحثون الأمريكيون في عام 2016. وقد جرى تطوير التقنية الجديدة المشار إليها في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) ونُشرت قبل عامين فقط في مجلة علمية.

يقول "فيليجر": "حتى مع محرري القواعد النيتروجينية الجدد، لم يكن المسار يتبع خطًّا مستقيمًا- كان علينا أن نتجول حوله قليلًا"، مشددًا على أن المفاجأة الكبرى كانت أن هذا النظام أكثر فاعليةً من أدوات كريسبر/ كاس التقليدية.

أدرك الباحثون أن أداة تحرير الجينوم الجديدة أكثر فاعليةً من طريقة كريسبر/ كاس9 التقليدية؛ إذ تم تصحيح ما يصل إلى 60 بالمئة من جميع نسخ الجين التي فيها أخطاء في كبد الفأر. وقد أدى ذلك إلى انخفاض تركيز الفينيل آلانين إلى المستويات الطبيعية، وعليه لم تعد الحيوانات التى جرى اختبارها تُظهر أي علامات على هذا الاضطراب بعد معالجتها بأداة تحرير الجينوم.

ولنقل الشفرة الوراثية لأداة التحرير الجديدة إلى خلايا الكبد، قام الباحثون بزرع الجينات المطلوبة في إحدى الفيروسات الغدية وحقنوها في دم الفئران لإدخال جينات مختلفة إلى خلايا الكبد.

ويُعرف هذا الفيروس باسم "adeno-associated virus" أو الفيروس المرتبط بالأدينو، ويُرمز له بالاختصار (AAV)، وهو فيروس متناهي الصغر يصيب الإنسان، ولم يُكتشف حتى الآن تَسبُّبه في الإصابة بأي أمراض، بينما يُحدث فقط بعض التغيرات المناعية الطفيفة، وبذلك أُدخلت جينات أداة التحرير في خلية الكبد.

وبمساعدة نظام كريسبر/ كاس المحسّن بواسطة إنزيم واحد، قام الباحثون بتغيير تسلسل كتل بناء الحمض النووي للجين المطابق في فئران بالغة.

وكانت خلايا الكبد قادرةً في وقت لاحق على إنتاج إنزيمات هيدروكسيلاز الفنيل آلانين (Pah) السليمة والفعالة، وتم شفاء الفئران.

وشرح فيليجر لـ"للعلم" أن التحدي الرئيسي خلال هذه الدراسة كان احتواء محرر القواعد النيتروجينية على الفيروسات المرتبطة بالأدينو (AAVs)؛ لأنها لا تسمح إلا بتعبئة حجم معين، "هذا هو السبب في أننا قسمنا محرر القاعدة في جزأين وقمنا بتجميعهم على فيروسات منفصلة".

ووفق الفريق البحثي فإن الفيروس المطور يستهدف الخلايا التالفة بالكبد ويحولها إلى خلايا صحيحة، ويساعد ذلك الكبد على أداء وظائفه الحيوية مدةً أطول، وتعزيز فرص بقاء مرضى الكبد على قيد الحياة لمدة أطول نظريًّا، وهو ما يُعَد بمنزلة بشرى رائعة للمصابين بأمراض الكبد المزمنة، وبالأخص تليُّف الكبد.

وعن المدى والوقت المتوقعَين لنشوء مثل هذه التكنولوجيا الجديدة، يؤكد "فيليجر" في تصريحات لـ"للعلم": "من الصعب التنبؤ بهذا الأمر". إلا أنه يعود ليُعرب عن اعتقاده بأن: "تقنية كريسبر/كاس9 لديها إمكانيات هائلة للتطبيق في المختبرات والعيادات"، وأنها "ستجد طريقها إلى هناك".

وبسؤال فيليجر عن إمكانية تطبيق التكنولوجيا الجديدة على الإنسان في المستقبل القريب لعلاج الأمراض الوراثية الأخرى قال: "نعتقد أن محرري القواعد الوراثية -التي قام بتطويرها البروفيسور ديفيد ليو- قد تتيح -في المستقبل القريب- تطبيقات لاستهداف مجموعة متنوعة من الأمراض التي يعاني منها البشر. وأضاف: "ومع ذلك، لا بد أن نوضح أن بعض الطفرات ليست قابلةً لتحرير القواعد الوراثية".

وفيما يخص احتمالات تطور مرض السرطان نتيجة لاستخدام كريسبر/كاس9، يرى فيليجر أن "هناك حاجة إلى إجراء تقييم دقيق للغاية للتأثيرات خارج الهدف، وهناك المزيد من الدراسات اللازمة لتقييم المخاطر".

الأمراض الوراثية الأخرى

نجحت من قبل بحوث مبتكرة رائدة قامت على إثبات مفهوم استخدام تكنولوجيا تحرير الجينوم كريسبر/كاس في تصحيح طفرة جينية مسؤولة عن عوز ألفا-1 أنتي تريبسين (antitrypsin AAT)، واستطاع الباحثون في هذه الدراسة تصحيح الجينات المستهدفة في أكباد الفئران المتضررة التي استعادت بنجاح مستويات منخفضة من أنتي تريبسين.

وفي ورقة بحثية بعنوان: التخفيف من مرض عوز ألفا-1 أنتي تريبسين عن طريق تحرير الجينوم في الفئران المحورة وراثيًا، بَرهَنَ العلماء على نجاح نهج حذف الجينات في خفض تعبير الجين الطافر السُّمِّي في خلايا الكبد بنسبة تزيد عن 98٪، واستخدام نظام ناقل مزدوج قادر على تحقيق تصحيح النوكليوتيدات 4-5٪ في موقع الطفرة المستهدفة.

ومؤخرًا، نجحت أداة كريسبر في علاج داء الكريات المنجليّة، الذي ينتج عن طفرة تصيب نوكليوتيدًا في الجين الذي يرمّز لبروتين الهيموجلوبين. كما أحرزت التقنية إنجازًا آخر؛ إذ تمكّن الباحثون من استخدامها لعلاج فئرانٍ مصابةٍ بنوعٍ خطيرٍ من أمراض الضمور العضلي.

مثلت هذه البحوث المنشورة حديثًا مَعلمًا بارزًا في العلاج الجيني، وتنطوي على إمكانية إيجاد وسيلة علاجية جديدة لمعالجة الأمراض الوراثية عن طريق استخدام تقنية كريسبر/كاس. ويبحث "شوانك" الآن عن تمويل لإجراء دراسات على نماذج حيوانية أخرى مثل الخنازير لاختبار أداة تحرير الجينوم المطورة حديثًا لاستخدامها في مثل هذه الأمراض أيضًا.