على مدار مئات السنين، حافظت الغابات المدارية والاستوائية على سجلات الأنشطة البشرية، ما دفع فريقًا دوليًّا من علماء متخصصين في مجالات مختلفة لاستخدام تقنيات علم تحديد أعمار الأشجار، والتأريخ بالكربون المشع، والتحليل الجيني، كوسائل لدراسة آثار الأنشطة البشرية على الاضطرابات التي شهدتها الغابات وعمليات نمو الأنواع في محيط الغابات الاستوائية والمدارية.

وكشفت الدراسة -التي نشرتها دورية "تريندس إن بلانت ساينس" (Trends in Plant Science) اليوم "الخميس"، 6 فبراير، وأشرف على إعدادها باحثون من معهد ماكس بلانك لعلوم تاريخ الإنسان في ألمانيا، وشارك في إعدادها باحثون في المعهد الوطني لأبحاث الأمازون- أن الأشجار الاستوائية احتفظت بسجلات عن التغيُّرات التي تعرَّضت لها التجمعات البشرية وأنشطتها، متضمنةً الأنشطة التي أدت في النهاية إلى استئناس المناظر الطبيعية المدارية.

يقول "فيكتور أندراد" -الباحث في معهد ماكس بلانك لعلوم تاريخ الإنسان، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": تتناول الدراسة الاستخدام المشترك للتقنيات المختلفة لتحليل الأشجار الاستوائية للحصول على معلومات حول التأثيرات البشرية على إدارة المناظر الطبيعية، وعلى نمو الأشجار، وكذلك التأثير طويل المدى على علم الوراثة النباتية. نحن نؤكد أن البشر عاشوا في الغابات الاستوائية لآلاف السنين، وأننا بحاجة إلى فهم كيفية تفاعُل الأجداد في هذه البيئات، وكذلك الآثار التي أحدثتها التغيُّرات التي حدثت في القرون الماضية وصعود الصناعات العالمية في هذه الغابات".

ويرى الباحثون أن التقنيات التي استخدموها لديها القدرة على اكتشاف التهديدات البشرية التي وقعت في فترات زمنية متباعدة، والرؤى التي يمكن أن يسترشد بها العلماء والمعنيون في تحديد المناطق الأَولى بالحفظ في هذا النظام البيئي الفريد المهدد بالفناء.

تُعد الأشجار من أطول الكائنات الحية التي عاشت على كوكب الأرض عمرًا؛ إذ تعيش بعض الأنواع الاستوائية لمدة تصل إلى 600 عام، لذلك، يمكن اعتبار كثير من هذه الأشجار الموجودة في الغابات المطيرة بمنزلة "كبسولة زمنية" للتطورات التي شهدها تاريخ البشرية. فحين يتم الجمع بين المعلومات البيولوجية التي يجمعها الباحثون من الأشجار الحية، مع السجلات الأثرية والتاريخية لمجتمعات الغابات المطيرة الأصلية، يمكن من خلال ذلك تقييم الكيفية التي تدير بها المجتمعات المحلية -أو الدخلاء الأجانب- البيئة في منطقة البحث، أو كيف أثرت أفعالهم على أنماط نمو الأشجار والتعامل معها.

استخدم العلماء في السابق دراسة حلقات الأشجار في البيئات المعتدلة لإنشاء صورة عن كيفية تغيُّر المناخ والأنشطة البشرية التي أدت إلى تغيُّر الغابات. لكن في المقابل كان هذا العمل محدودًا في المناطق المدارية؛ نظرًا لوجود تصورات مفادها أن قلة "الموسمية" -أي الاختلافات (المناخية مثلًا) التي تحدث على فترات منتظمة، سواء كانت أسبوعية أو شهرية أو فصلية- تعني عدم وجود حلقات. لكن الدراسة الحالية أثبتت أن أكثر من 200 نوع من الأشجار الاستوائية تشكل حلقات سنوية، وهو ما يمهد الطريق لاستكشاف ظروف الغابات الاستوائية المتغيرة في الماضي.

تشير الدراسة إلى أن عد حلقات الأشجار، إلى جانب استخدام الكربون المشع، يمكن أن يؤدي إلى إنتاج تسلسل زمني قوي وعالي الدقة لطبقات نمو شجرة واحدة. ويمكن أن يوفر التغيُّر في حجم حلقات النمو المحددة في عدد من الأشجار في الغابة نفسها مؤشرًا على التغيرات المفاجئة في الظروف البيئية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أخذ عينات من هذه الحلقات لاستقصاء كيفية تغيُّر الظروف المناخية بمرور الوقت، وكيف ترتبط هذه التغييرات بنمو الأشجار.

ويشيع استخدام تحليل الحمض النووي للأشجار الحديثة من قِبَل الشركات والغابات لاختيار الأشجار ذات السمات المرغوبة اقتصاديًّا، لكن هذا التحليل يمكن أن يكشف أيضًا عن رؤى مهمة حول كيفية تغيُّر تجمُّعات أنواع معينة عبر المكان والزمان. 

تُظهر النتائج أنه في كثير من الحالات في أمريكا الوسطى والجنوبية، يوجد أقصى قدر من التنوُّع الجيني لهذه الأنواع في المناطق التي شهدت استيطانًا بشريًّا مكثفًا قبل وصول كريستوفر كولومبوس إليها في أغسطس عام 1492. كما تكشف الدراسة أن أخذ عينات من الأشجار الحديثة مثل "الماهوجوني" يمكن أن يوثق التغييرات في التنوع الجيني قبل تسجيل الحلقات وبعده.

يوضح "أندراد" أن هذه الدراسة تقوم على حشد مجموعة من الطرق المختلفة لدراسة التفاعلات السابقة بين البشر والغابات المدارية، مضيفًا: "شهدت الطرق المختلفة المقدمة في الدراسة تحسينات هائلة في السنوات الأخيرة، كما نمت مساحة الدراسة التي تبحث في التأثيرات البشرية التاريخية على البيئة كثيرًا، وأصبح هذا الأمر أكثر إلحاحًا؛ لأنه في المستقبل القريب سيعيش أكثر من نصف الأشخاص على هذا الكوكب في هذه البيئات، ومن الضروري معرفة الطرق الأكثر قابليةً للحياة بشكل مستدام والحفاظ على الغابة، بما يضمن الحياة الآمنة للأجيال القادمة".