لفترة طويلة لاحظ الباحثون الذين يدرسون العينات الأسطوانية المُستخرَجة بالحفر العميق في الأرض بقعًا غريبة في عيناتهم، ربما كانت تخص حشرات. وقد غضوا الطرف عنها لأنها قد تشتت انتباههم عن عملهم الحقيقي، وركزوا بدلًا من ذلك على دراسة حبوب اللقاح والأبواغ التي توفر سجلًّا متصلًا لفهم الأنظمة البيئية السابقة، غير أن اكتشاف تلك البقع بكثرة مذهلة في عينة حديثة من شمال ألمانيا دفع فريقًا من العلماء إلى التعامل معها باهتمام أكبر.

في مقال نُشر في دورية "ساينس أدفانسس" Science Advances، وصف عالم الأحياء التطورية تيمو فان إلدجك والفريق المشارك معه اكتشافَهم بأنه أقدم سجل حفري لحرشفيات الأجنحة، وهو رتبة من الحشرات تضم الفراشات والعُث. وقد أرَّخ العلماء العينة بأنها تعود إلى قبل ما يقرب من 201 مليون سنة، وهي الفترة التي تفصل بين العصرين الترياسي والجوراسي. ويتوافق الاكتشاف الجديد مع الخط الزمني لتطور حرشفيات الأجنحة وفق الأدلة الجزيئية، كما يساعد في سد فجوة محيرة في السجل الحفري.

أُجريت الدراسة على 70 عينةً تم العثور عليها في عينة أسطوانية مُستخرَجة من على عمق أكثر من 300 متر تحت سطح الأرض، وحددتها الدراسة بأنها قشور الأجنحة التي تميز الفراشات والعُث بألوان وأنماط متنوعة تنوعًا مذهلًا. وقد كشف الفحص بمجهر ضوئي، ثم بعد ذلك بمجهر إلكتروني ماسح، أن القشور تشبه في هيئتها بتلات الأزهار. في بعض الحالات، كانت القشور محفوظةً بشكل جميل ولها حواف أنيقة تتخللها خيوط زخرفية متعرجة، بالإضافة إلى أضلاع صغيرة، وفي البعض الآخر كانت الأسطح مثقوبة.

وقد اتضح أن تلك الثقوب تعبِّر عن تفاصيل مهمة؛ إذ إنها تشير -وفق المؤلفين المشاركين في الدراسة- إلى أن العُث في ذلك العصر كان لديه قشور الأجنحة المجوفة التي تميِّز "ذوات الخرطوم"، وهي المجموعة التصنيفية التي تتضمن جميع الأنواع الحديثة من العث والفراشات التي لديها خرطوم مص. وقد كانت أقدم حفرية معروفة من هذا النوع تعود إلى ما قبل 129 مليون سنة، في الوقت الذي كانت فيه النباتات المُزهرة في بداية ظهورها الرائع في أنحاء الكوكب. وتقول النظرية التي يتبناها العلماء حتى الآن إن خرطوم المص بدأ في الظهور فقط في تلك المرحلة نتيجةً للتطور المشترك بين الأزهار والحشرات التي تقوم بتلقيحها.

وقد كان ذلك التطور المشترك، والتطابق الدقيق الرائع في كثير من الأحيان بين الأزهار والمُلقِّحات، أعجوبةً مبهرةً على الدوام لعلماء الطبيعة. فعلى سبيل المثال، في واحدةٍ من أكثر القصص شهرة في علم النباتات، كان تشارلز داروين يفحص شحنةً من نباتات الأوركيد قادمة من مدغشقر، تضمنت زهرةً واحدةً كان رحيقها كامنًا في قاع أنبوبة يصل طولها إلى قدم، فكتب داروين إلى أحد أصدقائه يقول: "يا إلهي، أي حشرة يمكنها امتصاص هذا الرحيق؟"، في اليوم التالي خمن داروين أنه لا بد أن هناك عثًّا لديه خرطوم بهذا الطول تقريبًا للقيام بتلك المهمة. وبعد مرور 45 سنة عثر العلماء على ذلك العث الذي كان له خرطوم ملفوف يبلغ طوله 11 بوصة.

غير أن الدراسة الجديدة تدفع بأدلة حفرية تشير إلى أن أصل ظهور خرطوم المص يعود إلى قبل ذلك بسبعين مليون سنة. وكتب المؤلفون يقولون: "يمثل هذه الاكتشاف تحديًا للفكرة الكامنة وراء الاعتقاد السابق" بأن ظهور النباتات المُزهرة قبل 130 مليون سنة قد دفع إلى تطور خراطيم حرشفيات الأجنحة. ويقولون بدلًا من ذلك بأن انتقال تلك الحشرات إلى "التغذية بشكل حصري على السوائل كان على الأرجح استجابةً تطوريةً لانتشار الحرارة والجفاف" في أواخر العصر الترياسي.

وأشار المؤلفون إلى أنه في حين ظل لدى بعض حشرات العُث –من بينها أنواع موجودة في هذه العينة الأسطوانية نفسها– أجزاء فموية للمضغ، طور البعض الآخر آليات مص لشرب قطرات المياه أو النسغ من أوراق النباتات التالفة. ورغم أن الورقة العلمية لم تُثبت هذه النقطة، فإن فان ألدجك -وهو طالب دراسات عليا بجامعة أوترخت- يقترح أن الظهور المبكر لخرطوم المص ربما يكون قد ساعد في ظهور النباتات المُزهرة، وليس العكس.

وقد رحب العلماء الآخرون بهذا الاكتشاف بحماس، إذ إنه بدأ في ملء ما يُطلِق عليها ديفيد واجنر –المتخصص في دراسة حرشفيات الأجنحة في جامعة كونيتيكت- "فجوة ضخمة في السجل الحفري". بيد أن واجنر، الذي لم يكن ضمن الفريق الذي أجرى الدراسة الجديدة، يصف تفسير تلك الأدلة الجديدة بأنها "مبنية إلى حد كبير على تكهنات، وهي خطأ على الأرجح". إذ يشكك في فكرة أن الخرطوم تطور استجابةً للجفاف، قائلًا: "هناك 24 رتبةً أخرى من الحشرات الطائرة من العصر نفسه، وقد كانت على ما يرام دون أن يكون لديها خرطوم مص"، مضيفًا أنها كانت تحصل على الماء "بنفس الطريقة التي تستخدمها الحيوانات الأخرى؛ فكانت تشربه أو تلعقه أو تستخدم الخاصية الشعرية للماء، أو أيًّا كانت الطريقة". كما يشير إلى أن الخرطوم القصير البسيط لدى حرشفيات الأجنحة الأولية لم تكن له علاقة "بالخرطوم الملفوف الذي تطور لاحقًا للحصول على الرحيق من أعماق الأزهار، فهناك الملايين والملايين من سنوات التطور" بين ظهور الخرطوم لدى ذوات الخرطوم البدائية تلك، والظهور اللاحق للخرطوم الطويل الشبيه بالماصة المستخدم في التغذية على الأزهار. فلم تُخلق كل الألسنة متساوية".

يتفق ويليام فريدمان -عالِم الأحياء التطورية، ومدير مشتل أرنولد في جامعة هارفرد، والذي لم يشارك في هذه الدراسة- مع هذا الرأي، فيقول: "لا أعتقد أن هذا الاكتشاف يغير بالضرورة قصة التطور المشترك لحرشفيات الأجنحة والنباتات المزهرة. فهناك العديد من البنى البيولوجية التي تظل باقيةً وتؤدي وظيفةً واحدة، وفي مرحلة لاحقة تتغير تلك الوظيفة، أو فجأةً يصبح لهذه الوظيفة سياق جديد. حتى وإن كانت حرشفيات الأجنحة أقدم بكثير، وهو أمر رائع، فإن هذا لا يعني أنها تتنوع، وأنها تؤدي الكثير والكثير من الوظائف، فربما كانت مثل الثدييات القديمة، تظل موجودةً فحسب، مجرد كائنات صغيرة الحجم لا تفعل الكثير حتى جاء اصطدام الكويكب"– أو في حالة خرطوم حرشفيات الأجنحة حتى ظهرت الأزهار.

تقول ماريا هيكيلا -المتخصصة في دراسة حرشفيات الأجنحة في المتحف الفنلندي للتاريخ الطبيعي، والتي لم تشارك في هذا البحث- إن الأمر سيتطلب عينات أخرى من أسطوانات أخرى مستخرجة بالحفر من أجل سد الثغرات في السجل الحفري ومساعدة الباحثين على فهم القصة التطورية لحرشفيات الأجنحة فهمًا أفضل. ولكنها تعتقد أن العينات في الدراسة الجديدة –والتي تزن حوالي 10 جرامات من المادة المأخوذة من أسطوانة واحدة– على الأقل "توضح أن هناك احتمالات".

ويشير باس فان دي شوتبراج -المتخصص في دراسة حبوب اللقاح بجامعة أوترخت، والمؤلف الأول في الدراسة الجديدة– إلى أن الباحثين السابقين لم يدرسوا بقايا الحشرات الموجودة في العينات الأسطوانية بطريقة منهجية؛ "وذلك لأن القيام بذلك يتطلب جهدًا هائلًا لاستخراج البقايا، لك أن تتخيل 70 قشرةً مختبئةً بين الملايين والملايين من حبوب اللقاح والأبواغ. وإذا أردت أن تدرسها على نطاق زمني أكبر، فإن هذا يعني الكثير والكثير من العمل. ولكننا نأمل أن أشخاصًا آخرين سيسيرون على هذا النهج ويتابعون البحث".