من بين كل الأمراض التي تنتشر في عالمنا اليوم، يمتلك السرطان السمعة الأسوأ؛ إذ يُعَد ثاني سبب رئيسي للوفاة في العالم، وقد حصد في عام 2015 وحده أرواح 8.8 ملايين شخص، فهو المتسبب في حالة وفاة واحدة تقريبًا من بين كل 6 وفيات. وفي ظل السعي المستمر لفهم طبيعة هذا المرض وكيفية التغلُّب عليه، سنحت لفريق من العلماء فرصة لدراسة تاريخ تطور هذا المرض من خلال البحث عنه في حفرية لحيوان منقرض.

ففي دراسة حديثة نُشرت في مجلة الجمعية الطبية الأمريكية للأورام، قدم فريق بحثي يضم علماء حفريات وأطباء من ألمانيا وكندا وأمريكا، واحدةً من أهم الدراسات التي أعطتنا نظرة فاحصة على هذا المرض الفتاك، إذ قام هذا الفريق بدراسة حفرية تم كشف النقاب عنها في عام 2015 لأحد أقدم أسلاف السلاحف، وهو كائن يُدعى Pappochelys rosinae عاش خلال العصر الترياسي قبل 240 مليون سنة بألمانيا.

إن دراسة هذا الكائن باستخدام الأشعة المقطعية الدقيقة، قادت إلى استنتاج أنه كان يعاني من ورم عظمي خبيث في فخذه الأيسر، يُعرف باسم الساركوما العظمية، وهو النوع الأكثر شيوعًا بين سرطانات العظام اليوم. ورغم أنه ثمة أدلة سابقة على حالة سرطان أقدم سُجلت في حفرية حيوان برمائي عاش قبل 245 مليون سنة، إلا أن هذه الدراسة الجديدة تمثل أقدم حالة سرطان في السلي (ِAmniotes) (المجموعة التي تشمل الزواحف والطيور والثدييات).

وفي تصريح خاص لـ"للعلم" تقول "يارا هريدي"، الباحث الرئيسي فى الدراسة: "ما يعطي نتائجنا طابعًا خاصًّا هو أنه رغم أن هذا الكائن كان يعاني من السرطان قبل 240 مليون سنة، إلا أننا تمكنَّا من تشخيص هذه العلة، التي أوضحت لنا حقيقة أن السرطان مرض قديم جدًّا".  

وأوضحت لـ"للعلم": لقد علمنا أنه ورم خبيث لأن أورام العظام الحميدة لا تبدو هكذا؛ فهي تمتص العظام بدلاً من أن تبني عليها. وتضيف "هريدي": رغم أن نتائج دراستنا تُرجع السرطان إلى العصر الترياسي، إلا أنه من المحتمل أن يكون المرض أقدم من هذا بكثير، وما سيحسم لنا هذا الجدل هو اكتشاف المزيد من الحفريات التي تدلل على ذلك. ومن الشائع أن السرطان مرض عصري يعود إلى مسبِّبات وُجدت في العصر الحديث، وأبرزها ارتفاع مستويات التلوث البيئي.

مريض فريد من نوعه

في عام 2013، في جنوب غرب ألمانيا، جمع العلماء حفريات تعود إلى كائن يسمى Pappochelys rosinae ، ويُعرف في الوسط العلمي بـ"جد السلاحف"، ويُعَد إحدى أهم الحلقات في سلسلة تطور السلاحف؛ إذ عمل على سد فجوة كبيرة في تاريخ تطور السلاحف التي نراها اليوم.

 فلقد دعم وبشكل كبير تلك الدراسات الجينية التي افترضت أن السلاحف من ثنائيات الأقواس أو Diapsids، وهي مجموعة من الحيوانات رباعية الأطراف طورت ثقبين في كل جانب من جمجمتها قبل حوالي 300 مليون سنة، رغم أنها لا تمتلك أقواسًا في الوقت الحالي وتُعَد من عديمات الأقواس أو Anapsids، وهي مجموعة من الحيوانات رباعية الأطراف لا توجد فتحات في جمجمتها. عاش "جد السلاحف" في العصر الترياسي، وهو عصر يُطلَق عليه أحيانًا عصر الزواحف، التي كانت تميز فجر الديناصورات، واستمرت من 252 وحتى 201 مليون سنة مضت.

الغريب فيما يخص "جد السلاحف" أنه لم يكن يمتلك أهم ميزة في سلاحف اليوم –الدرع الخارجي أو الصدفة- فقد بدأت السلاحف في تطوير هذا الدرع بعد هذا الكائن بما يقرب من 30 مليون عام.

ما جذب انتباه العلماء في الحفريات التي جمعوها لـ"جد السلاحف" كان عظمة الفخذ الأيسر، التي تمتد من عظام الحوض وحتى الركبة، ويبلغ طولها في هذا الكائن 4سم فقط، ووُجد فيها نمو محير وغريب. اقترح الباحثون نظريات مختلفة لتفسير هذا النمو.

 من أجل إجراء تشخيص دقيق، اضطر الباحثون في البداية إلى دراسة الأسباب المحتملة الأخرى لنمو العظام واستبعادها، مثل العدوى أو أي مرض أو إصابة أخرى. وفي نهاية المطاف، أخضعوا العظام لتصوير ثلاثي الأبعاد بالأشعة المقطعية يسمح برؤية التفاصيل الدقيقة داخل تلك العظمة، مما سمح للفريق البحثي بتحديد هوية هذا التكتل الغريب، والتأكد من أنه سرطان العظام.

وفي تصريح خاص لـ"للعلم" يقول "فلوريان فيتزمان"، الباحث الثاني في الدراسة: لقد سجلنا في هذه الدراسة أقدم حالات السرطان في الفرع التطوري الذي يشمل طيور وزواحف وثدييات اليوم، كما أنه من أقدم حالات السرطان على الإطلاق.

الأمراض في السجل الأحفوري

يستخدم العلماء علم الأمراض القديمة (Paleopathology) -وهو دراسة الأمراض القديمة في البشر والحيوانات على حدٍّ سواء- لفهم كيف تطورت وتغيرت الأمراض مع مرور الوقت استجابةً لمسبِّبات الأمراض المتطورة وأنظمة المناعة، والظروف البيئية كذلك. لكن حالات السرطان -على وجه الخصوص- نادرة؛ لأن الخلايا السرطانية تميل إلى مهاجمة الأنسجة الرخوة، والتي لا يتم حفظها عادةً في السجل الأحفوري. لكن رغم ذلك فإن هناك أدلةً حفريةً على وجود مرض السرطان في كلٍّ من الإنسان والحيوان على حدٍّ سواء.

عندما يتعلق الأمر بالحفريات البشرية، فإن أقدمها كانت أيضًا ساركوما عظمية، وسجل في حفرية يعود تاريخها إلى 1.7 مليون سنة من سلف الإنسان القديم في كهف في جنوب أفريقيا. وقد وجد العلماء العديد من أنواع السرطان الأخرى القديمة للغاية في حفريات الأسماك والبرمائيات.

إن العثور على السرطان في السجل الأحفوري أمرٌ نادر الحدوث، ورغم ذلك فإن "جد السلاحف" ليس وحده. فعلى سبيل المثال، تم تسجيل ورم سرطاني في جمجة كائن برمائي عاش قبل 245 مليون سنة. أيضًا تم العثور على حفريات فيها أورام حميدة يرجع عمرها إلى 255 مليون سنة لكائن من أسلاف الثدييات. في حين أنه من الشائع نسبيًّا رؤية الأمراض في العظام الأحفورية، فإن الغالبية هي نتيجة الإصابات المؤلمة، مثل العضات أو الكسر وغيرها.

ليس سرطان العظام وحده الذي يترك بصماته في حفريات الكائنات المنقرضة، يمكن للعلماء تتبُّع عددٍ ليس بالقليل من الأمراض التي تترك علامات واضحة في عظام هذه الكائنات، مثل السل والجذام والزهري والتقزم وغيرها.

الأصل القديم للسرطان

صحيح أن عوامل مستحدثة مثل النيكوتين والكحول يمكن أن تزيد من فرص الإصابة بالسرطان، إلا أن اكتشاف سرطان من العصر الترياسي يؤكد أن العديد من أنواع السرطان التي نراها اليوم والجينات المرتبطة بها من المرجح أن لها أصولًا قديمةً جدًّا.

وفي تصريح خاص لـ"للعلم" يقول "فيتزمان": أولينا اهتمامنا لدراسة التاريخ التطوري لبيولوجيا السرطان، وذلك بعد أن رأينا أدلةً على أن معدل حالات السرطان في البشر يتزايد بصفة مستمرة، كما أن معدله يتزايد أيضًا عبر الزمن الجيولوجي عبر ملايين السنين من تطور الفقاريات، ولذا فإن حالة سرطان يتم الكشف عنها ستكون مؤثرةً في فهم تطور هذا المرض، خاصةً لو كانت قديمةً جدًّا، كما هو الحال في دراستنا.

ويساعد اكتشاف الساركوما العظمية على تبديد إيمان يحمله بعض الخبراء بأن الأمراض تتغير مع مرور الوقت، لدرجة أن "مظاهر المرض الحالية لا يمكن استخدامها لتعرُّف الآلام السابقة".

من جانبه صرح "محمد لبيب سالم" -أستاذ علم المناعة بكلية العلوم جامعة طنطا، ورئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية لأبحاث السرطان، والباحث غير المشارك في الدراسة- لـ"للعلم": من المثير للاهتمام أن الفريق كشف أن نوع سرطان العظام الموجود في المريض البالغ من العمر 240 عامًا "يبدو شبيهًا تمامًا بساركوما العظام في البشر".

لسنا وحدنا

من الصعب أن نعرف على وجه اليقين ما إذا كان السرطان الذي عانت منه هذه السلحفاة قد أدى إلى موتها، ولكن في الحالات البشرية من ساركوما العظام، فإنه يزحف في كثير من الأحيان إلى الرئتين. تعلق "هريدي" على هذا قائلةً: إذا وصل هذا السرطان إلى الرئتين، فربما جعل هذه السلحفاة أقل كفاءةً في الهروب من المفترِسات وأقل كفاءةً في البحث عن الغذاء، وهو ما يمكن أن يتسبب أيضًا في موتها.

وفي حديثه لـ"للعلم" يقول "هشام سلام"، أستاذ الحفريات الفقارية المساعد بكلية العلوم جامعة المنصورة ومدير مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية والباحث غير المشارك في الدراسة: يُعَد السرطان بشكل عام مرضًا نادرًا في السجل الأحفوري، مما يجعل هذا الاكتشاف استثنائيًّا، خاصةً فيما يتعلق بدراسة الأمراض في الحفريات الفقارية.

ويضيف "سلام": الدراسة تخبرنا بأن السرطان ليس مرضًا حديثًا، وإنما هو في الواقع نقطة ضعف داخل الحمض النووي (DNA)، ويعود عمره على أقل تقدير إلى بداية العصر الترياسي. من المثير للاهتمام أن نرى أن الأمراض التي نعرفها جيدًا اليوم تظهر أيضًا في الحيوانات المنقرضة، وأننا كبشر لسنا وحدنا الذين نكافح تلك الأمراض المرعبة.