لم يكن دونالد ترامب -الذي أعلن البيت الأبيض إصابته بفيروس كورونا المستجد- الرئيس الأمريكي الوحيد الذي تعرَّض لحادثة قد تؤثر سلبًا على أداء مهماته الرئاسية؛ فقد سبق أن شهدت الولايات المتحدة الأمريكية ما هو أصعب، إذ اغتيل الرئيس الأمريكي السادس عشر إبراهام لنكولن في إبريل من عام 1865، بعد شهر من تجديد رئاسته على يد جون ويلكس بوث، أحد الممثلين في مسرحية كان يشاهدها.

وكانت حادثة اغتيال الرئيس الأمريكي الخامس والثلاثين جون كينيدي في نوفمبر من عام 1963 سببًا في تعديل الدستور الأمريكي بما يسمح بقيام نائب الرئيس بالمهمات الرئاسية في حالة عجز الرئيس أو غيابه عن المشهد بشكل قهري.

لكن الأحداث السابقة وغيرها، مثل إجراء الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريجان جراحةً في القولون، كانت بعيدةً عن الدوائر العلمية، وهو الأمر الذي يتناقض مع إصابة "ترامب" بفيروس كورونا المستجد قبل 32 يومًا فقط من إجراء الانتخابات الرئاسية الأمريكية، بصورة قد تجعل من "العلم" لاعبًا رئيسيًّا لحسم تلك الانتخابات؛ فقد تعامل "ترامب" مع الفيروس باستهانه بلغت إلى حد مهاجمته لمنافسه الديمقراطي "جو بايدن" بسبب إصراره على ارتداء الكمامة خوفًا من الفيروس، كما هاجم "ترامب" منافسه لتجنُّبه حضور المناسبات التي تضم تجمعات كبيرة. كما عارض ترامب الإغلاق التام لبلاده للحد من انتشار الفيروس، مقابل منافسه الديمقراطي الذي يرى في الإغلاق التام وسيلةً إيجابيةً في مواجهة الفيروس، ما قد يكون له أثره على الانتخابات المُزمَع إجراؤها في الثالث من نوفمبر القادم.

العلم في الصدارة

ما سبق يؤكد أن "العلم" قد يؤدي دورًا بارزًا –يبلغ حد الصدارة- في مسار الانتخابات الرئاسية، وليس دورًا بطيئًا كما كان الحال في الانتخابات الرئاسية السابقة، التي انتقد خلالها فريق "ترامب" الانتخابي الرئيس السابق "باراك أوباما" لدعمه أبحاث الخلايا الجذعية الجنينية.

كما تبنَّى "ترامب" –في حملته الانتخابية السابقة- خطابًا سياسيًّا يقوم على انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس حول المناخ، مشددًا على أن إدارته "ستركز على التحديات البيئية الحقيقية، لا المزيفة".

ويشير تقرير نشرته مجلة "ساينتفك أمريكان" –التي لم تؤيد قَط على مدى تاريخها الممتد لـ175 عامًا أي مرشح في أي انتخابات رئاسية- إلى أن "الأدلة العلمية تُظهر أن دونالد ترامب قد أضر بشدة بالولايات المتحدة وشعبها؛ لأنه يرفض الأخذ بالأدلة العلمية، والمثال الأكثر تدميرًا هو استجابته غير النزيهة وغير ذات الكفاءة لجائحة "كوفيد-19"، التي كلفت أكثر من 190 ألف أمريكي حياتهم حتى منتصف سبتمبر الماضي".

ويضيف التقرير -الذي نشرته المجلة بتاريخ 30 سبتمبر الماضي- أن "ترامب هاجم أيضًا حماة البيئة والرعاية الطبية والباحثين ووكالات العلوم العامة التي تساعد الولايات المتحدة الأمريكية على الاستعداد لأكبر تحدياتها، وفي المقابل، فإن جو بايدن يقدم خططًا قائمةً على الحقائق لحماية صحتنا واقتصادنا وبيئتنا، وأن هذه الخطط وغيرها من الاقتراحات التي طرحها يمكن أن تعيد البلاد إلى مسارها نحو مستقبل أكثر أمانًا وازدهارًا وإنصافًا".

فيتو كارثي

وتتابع المجلة قائلةً: "من شأن الوباء أن يُجهد أي دولة وأي نظام، لكن رفض ترامب للأدلة وإجراءات الصحة العامة كان كارثيًّا في الولايات المتحدة. فقد تم تحذيره 10 مرات في شهري يناير وفبراير الماضيين من تفشِّي المرض، لكنه لم يطور إستراتيجيةً وطنيةً لتوفير معدات الحماية أو اختبار فيروس كورونا أو وضع إرشادات صحية واضحة. وفي المقابل، فإن اختبار الأشخاص بحثًا عن الفيروس، وتتبُّع الأشخاص الذين ربما يكونون قد أصيبوا، ساعد بلدانًا في أوروبا وآسيا في السيطرة على تفشِّي الجائحة، وإنقاذ الأرواح، وإعادة فتح الشركات والمدارس بنجاح".

ويضيف التقرير: لكن في الولايات المتحدة، زعم ترامب -بشكل خطأ- أن "أي شخص يريد الاختبار يمكنه الحصول على الاختبار". كما عارض ترامب ضخ 25 مليار دولار لزيادة الاختبارات ووسائل التعقب التي كانت مدرجةً في مشروع قانون للإغاثة من الوباء في أواخر يوليو. وأدت هذه الثغرات إلى تسريع انتشار المرض في جميع أنحاء البلاد، وخصوصًا في المجتمعات المعرضة بشدة للخطر، والتي تشمل الأشخاص الملونين؛ إذ ارتفعت الوفيات على نحوٍ غير متناسب مع تلك الموجودة في بقية السكان.

كما تبنَّت إدارة "ترامب" العديد من الإجراءات التي أثارت مخاوف المجتمع العلمي، مثل خفض اللوائح البيئية، وسياسات الهجرة التي تضر بقدرة الجامعات الأمريكية على جذب العلماء الأجانب؛ إذ أصدر "ترامب" أمرًا تنفيذيًّا يفرض حظرًا على الهجرة من سبع دول في يناير 2017، ما دفع العديد من الباحثين والمؤسسات الأكاديمية العلمية إلى تأكيد أن "معاهد البحوث الأمريكية تستضيف العديد من الباحثين من الدول المستهدفة، وأن هذا المرسوم يضر بالعلوم الأمريكية"، وعلى الرغم من أن إدارة "ترامب" قامت بتعديل الأمر التنفيذي مرتين، إذ جرى تقييده في المحاكم بسبب مزاعم التمييز الديني، إلا أن المحكمة العليا الأمريكية أيدت النسخة الثالثة من التوجيه في يونيو 2018، ما يؤثر على السفر من خمس دول ذات أغلبية مسلمة -إيران والصومال واليمن وسوريا وليبيا- وكذلك كوريا الشمالية وبعض مسؤولي الحكومة الفنزويلية.

إجراءات خطأ

وفي إعلان صادر بتاريخ الثاني والعشرين من يونيو الماضي، مَدَّد "ترامب" العمل بالقيود المفروضة على الهجرة، ووسّع نطاق تطبيقها، بغرض تقييد دخول العاملين الأجانب إلى الولايات المتحدة. وقد أطلقت هذه الخطوة موجةً من القلق في أوساط العلماء، وجلبت انتقاداتٍ حادةً من الخبراء القلقين بشأن مستقبل العلوم في الولايات المتحدة.

ووفقًا لهذه التعليمات، سوف تجمِّد الولايات المتحدة إصدار فئاتٍ معينةً من تأشيرات دخول العاملين الأجانب، وبوجه خاص تأشيرة H-1B، التي تُمنح لأعضاء هيئات التدريس الأجانب، الذين يجري تعيينهم في الجامعات، وكذلك مَن يجري توظيفهم في شركات التقنيات، وذلك حتى نهاية العام الجاري. ووصفت إدارة الرئيس دونالد ترامب هذا القرار بأنه خطة لتفادي الأثر الاقتصادي لجائحة فيروس كورونا الجديد، وإعطاء الأولوية لتوظيف مواطني الولايات المتحدة.

وفي السياق، لم يحظَ أداء "ترامب" بالكثير من الإعجاب في أوساط الجماعات المُناصِرة لمرضى فيروس نقص المناعة البشرية. إذ عمل "ترامب" على الحد من الانتفاع ببرامج الرعاية الصحية، وهدد بتخفيض تمويل خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز (PEPFAR)، ووصم بعض المجتمعات المعرضة لخطر كبير بسبب هذا المرض.