هل يمكن أن يجد العالم نفسه أمام ثورة من شأنها أن تساعده على قهر السرطان، والذي طالما ظل الكشف المبكر عنه حلمًا يراود عقول الباحثين والمرضى وقلوبهم معًا؟

سؤال حاولت دراسة حديثة الإجابة عنه بحثًا عن بقعة ضوء في نهاية النفق، مشيرةً إلى أن "توقُّع إصابة أشخاص طبيعيين بمرض سرطان الدم، وتحديدًا النوع المسمى بسرطان الدم الميلودي الحاد (Acute Myeloid Leukaemia) ، بات ممكنًا".

فبالرغم من المحاولات المضنية التي بُذلت على مدى العقود الماضية، ظل تطبيق برامج الاكتشاف المبكر للسرطان قاصرًا على أورام الثدي باستخدام "الماموجرام" (فحص الثدي بالأشعة السينية)، وعنق الرحم باستخدام "فحص الخلايا"؛ وفيه تؤخَذ عينة صغيرة من الخلايا من عنق الرحم وتُرسَل إلى المختبر للتحقق من وجود تغيُّرات غير طبيعية في مرحلة ما قبل السرطان، وفق ما تشير إليه منظمة الصحة العالمية.

كما تعاني "دلالات الأورام" من قصور كبير في تطبيقات استخدامها. إذ قد ترتفع هذه الدلالات في العديد من الأمراض أو الأورام الحميدة، مما يقلل من قيمة استخدامها، كما أن بعضها قد لا يرتفع ارتفاعًا كافيًا لتشخيص المرض عند بعض المصابين به بالفعل، فضلًا عن أن بعض أنواع الأورام ليس له دلالات محددة.

يمثل مرض سرطان الدم الميلودي الحاد 1.1% من نسبة الإصابة بالسرطان بوجه عام في الولايات المتحدة الأمريكية، كما يمثل حوالي ثلث حالات سرطان الدم بوجه عام، وهي التي تُعَد بدورها تاسع أكثر أنواع سرطان الدم شيوعًا في أمريكا وفقًا لإحصائيات عام 2018.

وتزداد احتمالات الإصابة بهذا المرض مع تقدم العمر، ولا تبدو الإحصائيات المتعلقة به مبشرة. إذ إن احتمالات الوفاة بسببه قد تصل إلى 90% إذا تم تشخيص المرض بعد سن 65 عامًا.

وليس هذا فحسب، فالمرض القاتل يهاجم على حين غرة وبشكل غير عادل دون ظهور أي أعراض مبدئية يمكن أن تُسهِم في توقعه. فعادة ما يعاني المريض فجأة من أعراض الأنيميا ونقص الصفائح الدموية أو نقص المناعة بشكل مباغت نتيجة احتلال خلايا السرطان لنخاع العظام دون سابق إنذار.

ووفق الدراسة، التي أُجريت بالتعاون بين عدة مراكز بحثية من دول مختلفة، فقد تمكَّن الباحثون من التمييز بين التغيرات الجينية التي يتعرض لها الأشخاص الذين أصيبوا بسرطان الدم الميلودي الحاد، والتغيرات الحميدة التي قد تحدث في الخلايا المكونة للدم مع تقدم السن، كما نجحوا في تطوير نموذج يمكنه توقُّع المرض لتعرُّف الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بالأورام الخبيثة.

طريقة البحث

قام الباحثون بقراءة جينوم 95 مريضًا قبل إصابتهم بالمرض بعدة سنوات من أجل تعرُّف الطفرات الموجودة لديهم، وقارنوا هذه القراءة بقراءة الجينوم الخاص بـ414 شخصًا آخرين يمثلون المجموعة الضابطة.

وأظهرت النتائج وجود اختلافات واضحة بين المجموعتين؛ إذ احتوت عينات المرضى، حتى قبل الإصابة بالمرض، على عدد أكبر من الطفرات والتغيرات الجينية في جينات معينة.

وبناءً على هذه النتائج، أعد الباحثون نموذجًا تم تطبيقه لتوقُّع الإصابة بالمرض واحتمالات الخطورة التي تواجهها عينة البحث من خلال متابعة سجلات وقواعد البيانات الصحية الإلكترونية، وهو ما يمكن أن يمثل نقلةً نوعيةً في مجال الاكتشاف والتشخيص المبكر لسرطان الدم الميلودي الحاد، على حد وصف "موريتز جيرستونج"، أحد المشرفين على الدراسة والباحث بمعهد المعلوماتية الحيوية الأوروبي، في تصريحات لـ"للعلم".

يقول "جيرستونج": قمنا كفريق بحثي بقراءة الجينوم الخاص بعدد من الجينات المرتبطة بسرطان الدم في عينات المرضى قبل الإصابة بسنوات، ما ساعدنا على تعرُّف الطفرات التي تصيب خلايا الدم، وهو ما جرى تحليله لتعرُّف نمط الطفرات في هؤلاء المرضى قبل إصابتهم بمدة تتراوح بين 5-10 سنوات.

ويضيف أن "هذا النمط يختلف ويتميز عن النمط الذي يظهر في التغيرات التي لم تؤدِّ إلى حدوث السرطان. ففي نمط الإصابة بالمرض، كانت هناك طفرات أكثر أثرت على عدد أكبر من الخلايا، ووُجِدت في مجموعة مختلفة من الجينات. ويمكننا القول إن دم المرضى كان يحمل جذور المرض".

تزامُن غريب

العجيب في الأمر أن نشر دراسة "رفقاء جيرستونج" تزامن مع بحث مشابه للغاية نشرته مجلة "نيتشر ميديسن"، البحث أعده باحثون من كلية طب "وايل كورنيل" الأمريكية، عملوا من خلاله على دراسة الجينوم في عينات الدم لدى 212 سيدة أُصبن فيما بعد بسرطان الدم الميلودي الحاد بالمقارنة مع جينوم المجموعة الضابطة.

وتمكَّن الباحثون بجامعة "وايل كورنيل" من تعرُّف العديد من الطفرات التي يمكنها أن تزيد من احتمالات الإصابة بالمرض. فعلى سبيل المثال، وجد الباحثون أن 100% من الأشخاص الذين تم تعرُّف وجود طفرات لديهم في جين TP53 أو جين IDH1 و IDH2قد أُصيبوا بالمرض في أثناء الدراسة، مشدِّدين على "أن وجود هذه الطفرات قبل ظهور المرض بسنوات يشير إلى وجود فترة كُمُون تسبق ظهور المرض يمكن استخدامها كذلك في الكشف المبكر ومتابعة الأشخاص الذين يحملون خطرًا كبيرًا يؤهلهم للإصابة بالمرض".

الباحثون في دراسة "جيرستونج" لم يكتفوا بدراسة الجينوم الخاص بالمرضى والحالات الضابطة فحسب، لكنهم قاموا أيضًا بتصميم نموذج إكلينيكي يعتمد على دراسة بعض المتغيرات سهلة القياس في الدم. وهذه المتغيرات يمكن قياسها في تحليل صورة الدم العادية، وتشمل نقص عدد الصفائح الدموية، وعدد خلايا الدم البيضاء بوجه عام، وعدد الخلايا وحيدات النواة ( وهي أحد أنواع خلايا الدم البيضاء).

ووجدوا أن نقص هذه المكونات ارتبط بخطر الإصابة بالمرض، وأن ما يُعرف بـ"قياس توزيع كريات الدم الحمراء" Red Cell Distribution Width (RDW)، كان العامل الأكثر ارتباطًا بالإصابة بالمرض، وهو العامل الذي يعبر عن التبايُن في حجم كرات الدم الحمراء. ويُستخدم هذا القياس عادةً في تقييم حالات فقر الدم، لكن "رفقاء جيرستونج" وجدوا أن ارتفاع هذا القياس، والذي يظهر بشكل روتيني في تحليل صورة الدم، ارتبط بشكل واضح بزيادة خطر الإصابة بالمرض.

يضيف "جيرستونج" قائلًا: في أثناء عملنا على هذا البحث لاحظنا هذه التغيرات في قياس RDW، وفي بعض الأرقام الأخرى في صورة الدم الخاصة بالمرضى. ثم قمنا بتصميم نموذج جرى تطبيقه للتأكد من هذا الارتباط، وطبقنا هذا النموذج على مجموعة أخرى من الحالات؛ إذ أثبت النموذج نجاحه في توقع المرض قبل حدوثه بعام، ما يسمح للأشخاص الذين يواجهون خطر الإصابة بالمرض بإجراء الاختبارات الجينية لتحديد مدى الخطر الفعلي.

من جهته، يقول محمد غريب -مدرس طب الأورام بالمعهد القومي للأورام بجامعة القاهرة- لـ"للعلم": "إنه يجب النظر إلى البحث في إطار الأدوات التي نملكها في الوقت الحالي. وحتى مع نجاح هذا النموذج في توقُّع المرض قبل حدوثه، فإنه لن يغير من الممارسة الطبية الحالية شيئًا".

يضيف "غريب" قائلًا: "نحن نعرف بالفعل العديد من أمراض وأورام الدم التي يمكن أن تتطور في المستقبل إلى هذا النوع من السرطان، لكننا لا نستطيع منع ذلك في الوقت الحالي، وحتى لو اكتشفنا الأشخاص المحتمل إصابتهم بالمرض، فإننا لا نستطيع فعل شيء لهم بالأدوات المتاحة حاليًّا".

لا يختلف "جيرستونج" كثيرًا مع رأي "غريب"؛ إذ يرى أنه من المبكر جدًّا السعي لتوقع المستقبل أو الحديث عن علاج جديد، مضيفًا: "لدينا الآن معلومات وبيانات عن اختلافات جرى تعرُّفها بين المرضى والأصحاء. ومن المهم أن ندرس الأشخاص الأكثر عرضةً لخطر الإصابة بشكل أعمق من أجل فهم عملية حدوث المرض، وإذا ما كان هناك علاجات يمكنها تأخير التطور الذي يحدث في خلايا هؤلاء الأشخاص أو منعه".

لكن تحفظات "غريب" لم تمنعه من التفاؤل بالمستقبل، مضيفًا أن "التطور الذي يحدث الآن قد يسمح للأشخاص المعرضين للإصابة بالاستفادة بشكل كبير، وهو ما يتطلب تطوير لقاح ضد السرطان، ما يرشحهم لأن يكونوا في طليعة المنتفعين منه، وهو ما يعني أن الدراسة بمنزلة خطوة استباقية كبيرة في المعركة ضد السرطان، يمكنها أن تغير الموازين أخيرًا لصالح البشر"، وفق قوله.