يُعَد سرطان الخلايا الكبدية (HCC) من الأورام الأكثر شيوعًا التي ترتبط بمعدلات وفيات عالية. وتتسبب العديد من عوامل الخطورة في الإصابة بسرطان الكبد، مثل العدوى المستمرة والمزمنة بفيروس الالتهاب الكبدي C أو فيروس الالتهاب الكبدي B، والالتهاب المزمن غير المعالَج للكبد، وكذلك الإجهاد التأكسدي وأمراض الكبد الدهنية.

يُستخدم العديد من البروتوكولات العلاجية في علاج HCC، كالعلاج الكيميائي والاستئصال الجراحي، ولكنها ترتبط بآثار جانبية متنوعة. بينما يمكن أن تفيد العديد من المنتجات الطبيعية في علاج إصابات HCC سرطان الكبد ومنعها أو الوقاية منها.

في هذا الإطار، ذكرت دراسة أعدها فريق من الباحثين المصريين أن بعض أنواع الأعشاب الطبية يمكنها أن تساعد على الوقاية من سرطان الكبد؛ لاحتوائها على مواد مضادة للأكسدة، إضافة إلى مواد وعناصر أخرى تساعد على مواجهة تراكم "الشقوق الحرة" التي تُعَد أحد أسباب الإصابة بالسرطان. من أمثلة هذه الأعشاب: الشاي الأخضر والعنب الأحمر والبروكلي والخلنجان والينسون وحبة البركة والعرقسوس.

وأوضحت الدراسة، التي نشرتها دورية "بيوميديسين آند فارماكوثيرابي"(Pharmacotherapy and Biomedicine)، أن "تلك الأعشاب يمكن أن تكون مصادر محتملة للوقاية من سرطان الكبد وعلاجه، وذلك عن طريق تعزيز تأثير أدوية العلاج الكيميائي، وتثبيط نمو الخلايا السرطانية والأورام الخبيثة، ومقاومة الإجهاد التأكسدي والالتهابات المزمنة".

يقول "نبيل محيى عبد الحميد" -أستاذ البيولوجيا والعميد السابق لصيدلة كفر الشيخ، ورئيس فريق البحث- في تصريحات لـ"للعلم": "إن هناك العديد من الوسائل العلاجية التي تُستخدم لعلاج سرطان الكبد، مثل الاستئصال الجراحي، والعلاج الكيميائي والانصمام (غلق الأوعية الدموية عمدًا لتجويع خلايا الورم)، لكن هذه الوسائل لها آثار جانبية، بالإضافة إلى قدرة الخلايا السرطانية على تطوير مقاومتها للعلاج الكيميائي".

ويوضح: لذا اعتمدنا في دراستنا على إغلاق عامل الخطر المتمثل في مسارات تطور السرطان، وهي إستراتيجية حاسمة للوقاية من المرض وإدارته؛ إذ إن التعرُّف على كل مسار من مسارات الخلية يفيد في فهم تطور السرطان والوقاية منه وعلاجه بالحفاظ على توازن تكاثر الخلايا وموتها، خاصة أن اختلال التوازن بين العمليتين هو سبب جميع الأورام.

لقطع الطريق على التسرطن قام الباحثون بمراجعة 204 من الأبحاث، تناولت تأثير الأعشاب ومكوناتها على الخلية الكبدية، وخاصة المصابة بالسرطان أو المعرضة للإصابة، بهدف دراسة دور المواد العشبية في مواجهة سرطان الخلية الكبدية.

يقول "عبد الحميد": "إن الكبد هو العمود الأساسي للجسم؛ لأنه المسؤول عن مقاومة السموم، وهذه السموم تشمل كل ما يتناوله الإنسان ولا يترجمه الجسم إلى مواد تشبه تركيبه، فإذا حدث خلل في الكبد ولم يفهم أن هذه المواد الداخلة إليه سامة فهذا يعني أن الخلية ستتأثر.

ولو تجمعت العوامل المساعدة للإصابة بالسرطان، مثل إصابة الشخص بفيروس "سي" أو "بي" أو الالتهاب الكبدي الدهني غير الكحولي، تزيد احتمالات تسرطن الخلية بشكل كبير، وفق "عبد الحميد".

تشير الدراسة إلى أن استخدام بعض النباتات العشبية يُسهم في قطع الطريق أمام تسرطن الخلية، ويساعد على زيادة مقاومة الجسم للأكسدة وعلاج الفيروسات وعدم تسرطن الخلية الكبدية التي فيها خلايا مثبطة، وأخرى منشطة، هي الخلايا التي يؤدي أي نقصٍ أو زيادةٍ فيها إلى حدوث التسرطن، كما أن ازدياد مساحة الأنسجة الدهنية يؤدي إلى تنشيط المواد الالتهابية وزيادة معامل تآكل الورم.

درس الباحثون 12 نوعًا من النباتات التي تحتوي على مضادات للأكسدة وعناصر قادرة على "تحسس الخلية السرطانية" وتحسين استجابتها للعلاج الكيماوي والإشعاعي، مشيرين إلى أن "تلك النباتات تؤدي دورًا حيويًّا في تنظيم الانتشار والتمايز الخلوي".

الشاي الأخضر

يأتي في مقدمة تلك النباتات "الشاي الأخضر"، الذي يُستخدم في الصين بكثرة للوقاية من أمراض الكبد؛ لاحتوائه على مادة "البوليفينول"، والتي تُعد من أكثر المواد المضادة للأكسدة فاعليةً وانتشارًا؛ إذ تُكسب الجسم الحماية الضوئية والكيميائية وتحميه من تأثير الأشعة فوق البنفسجية التي تساعد على ظهور الأمراض السرطانية، كما يحتوي الشاي الأخضر بوفرة على مركّب "إي جي سي جي" EGCG، وهو مركب لديه كذلك خصائص مضادة للأكسدة".

 ووفق الدراسة، فقد تم تجريب الشاي الأخضر على مجموعة من فئران التجارب المصابة بسرطان الكبد؛ إذ أظهر قدرة علاجية كبيرة في حالات الإصابة بالأضرار الكبدية ومقاومة الالتهابات والأكسدة التي يسببها استنشاق "رابع كلوريد الكربون" (CCl4)، الذي يتسرب من المنشآت الصناعية ويمكن قياس مدى وجوده في الجسم من خلال اختبارات الدم والبول وأنسجة الجسم؛ إذ ذهب الباحثون إلى قدرة الشاي الأخضر على خفض الإجهاد التأكسدي في الكبد بصورة فعالة.

العنب الأحمر والكركم

أما مركب "فيتوألكسين" phytoalexin، المستخرَج من العنب الأحمر، فتشير الدراسة إلى أنه يمتاز بخصائص مضادة للأكسدة ومضادة للالتهاب، موضحةً أن "استخدام المستخلصات العشبية الخاصة بالعنب الأحمر له دور كبير في علاج الالتهاب الكبدي الدهني غير الكحولي؛ إذ ساعدت على مقاومة الأورام الشحمية وتقليل الالتهابات والضغوط المؤكسدة، وتحسين مسارات البروتين الشحمي منخفض الكثافة بصورة قللت من تراكم الدهون في أجسام الفئران التي خضعت للتجارب".

وأوضحت الدراسة أن "البربارين Berberine (مادة قلوية صفراء مرة المذاق تتمتع بمزايا مقاومة للحمى ومضادة للبكتريا)، وهو أحد أكثر المكملات الغذائية الطبيعية الموجودة في العنب، له نشاط مضاد للسرطان في الخلايا الكبدية؛ إذ يعمل على تثبيط تكاثر الخلايا الورمية". ويعلق "عبد الحميد" بقوله: "يساعد البربارين على تقوية جين 53، المسؤول عن تنظيم دورة الخلية والتصدي للأورام".

يقول "عبد الحميد: "إن نبات "الكركم" يحتوي على مركب يُعرف باسم "زانسورايزول" (Xanthorrhizol)، وهو مركب يتميز بأنشطته البيولوجية المضادة للميكروبات وللالتهابات والأكسدة، ويعمل بشكل انتقائي لمنع نمو الخلايا السرطانية في خلايا الكبد البشرية من خلال ما يُعرف بـ"موت الخلايا المبرمج"، وهو إحدى آليات كبح جماح الخلية في أثناء نموها لمنع التسرطن".

الخولنجان والثوم

من بين أهم النباتات التي درسها الباحثون نبات "الخولنجان"، الذي يتميز بخصائصه المضادة للميكروبات وسُمِّيَّة الخلايا؛ لاحتوائه على مركبات مُستخلصة من جذوره لها تأثير قوي مضاد للالتهاب ومضاد للسرطان، وخاصة سرطانات الثدي والرئة والكبد وورم الخلايا البدائية العصبية.

وفي سياق متصل، أشارت الدراسة إلى أن "الثوم" من أهم النباتات التي يمكنها المساعدة في الوقاية من سرطان الكبد؛ لاحتوائه على "كبريتيد ثنائي الآليل"، موضحةً أن التجارب التي أُجريت على الفئران أظهرت فوائده العديدة في مجال مقاومة سرطان الكبد، وأنه يزيد من فاعلية العلاج الكيميائي عند علاج سرطان الكبد من خلال تعديل السيتوكينات.

يضيف "عبد الحميد" أن "السيتوكينات تعمل على تنشيط حركة الخلايا، وتزيد من نشاط الجهاز المناعي بما يساعده على مقاومة التسرطن، وبالتالي فإن معرفة نسبة إفراز السيتوكينات ونشاط الخلايا الملتهمة تساعدنا على تقدير ما إذا كان رد فعل الجهاز المناعي طبيعيًّا أو زائدًا، وبالتالي تحديد مؤشرات حدوث السرطان".

وقد أظهرت دراسة سابقة لفريق البحث أن "خلاصة الجذمور" -وهي ساق النبات التي تنمو أفقيًّا تحت الأرض- يمكن استخدامها كعامل وقائي كيميائي واعد ضد سرطان الخلايا الكبدية، كما أنه عامل مساعد في علاج سرطان الكبد؛ إذ يحسِّن وظائف الكبد ويعمل على تراجع تركيز الـ"ألفا فيتو بروتين" alpha-fetoprotein في سرطان الكبد.

كما أنه أثبت فاعليةً كبيرة في حماية النسيج الكبدي للفئران التي خضعت للتجربة، وتؤدي جذوره إلى منع الإجهاد التأكسدي للخلايا؛ لاحتوائها على فيتامين "ج" المعروف بنشاطه المضاد للأكسدة، ويحمي من الإجهاد التأكسدي الناتج عن السموم التي تنتج داخل الجسم أو من رباعي كلوريد الكربون.

الزنجبيل والبروكلي

اهتم البحث بجذور "الزنجبيل" باعتبارها أحد النباتات العشبية السائدة التي لا تُستخدم فقط باعتبارها "توابل"، ولكن أيضًا لنشاطها المضاد للقيء وللسرطان وللأكسدة وحماية الخلية بسبب مكوناته الكيمائية التي وثقتها العديد من الدراسات في المختبر وداخل الجسم الحي، ومنها دراسة نُشرت 2013، وبحث آخر نُشِر في 2010، إذ تم إعطاء الجرذان جرعةً يوميةً بلغت حوالي 50 ملج من خلاصة الزنجبيل الذي يحتوي على مكونات مضادة للسرطان في خلايا الكبد المصابة من خلال تفعيلها لعملية "موت الخلايا المبرمج".

إلى ذلك، أوضح الباحثون أن نبات "البروكلي" يتميز بمحتواه العالي من مضادات الأكسدة بما يحتويه من الفيتامينات والفلافونويد والكاروتينيات، مؤكدين أن "المنتج المائي من البروكلي "النبوتات" يعتبر من أهم مضادات الأكسدة التي تحفز الحمض النووي وتحميه من التلف من خلال نشاطه المضاد للأكسدة الذي يمنع إنتاج "الجذور الحرة".

تقول "أمل العوضي" -أستاذ مساعد بمعهد بحوث البساتين بالمنصورة، أجرت دراسة حول النبوتات في عام 2016- في تصريحات لـ"للعلم": "إن البروكلي أظهر نشاطًا محتملًا مضادًّا للسرطان بسبب محتواه العالي من مواد مثل "الجلوكوسينولات" و"السلفورافين"، وكلاهما من المركبات الطبيعية المضادة للأكسدة، وهما بمنزلة منبهين قويين للإنزيمات الطاردة للسموم من الجسم، والتي تخفض خطر الإصابة بالسرطان".

"ملك المر" و"الخرفيش"

شددت الدراسة أيضًا على أهمية الدور الذي يؤديه نبات "ملك المر"، الذي اكتسب اسمه من كونه العشبة الأكثر مرارةً في عالم النبات، في مقاومة خلايا سرطان الكبد، مشيرةً إلى أنه "ينتمي إلى فصيلة نباتية تضم 25 نوعًا يجري استخدامها في اليابان والهند وكوريا والصين وبعض دول آسيا منذ وقت طويل في علاج أمراض متعددة، مثل الالتهابات الفيروسية والبكتيرية وضغط الدم المرتفع".

وأضافت أن "فائدة هذه النبتة تتركز في الأشجار والسيقان. وقد أظهر المستخلص الإيثانولي الذي تم استخلاصه من النبات تأثيرًا قويًّا فيما يتعلق بمقاومة خلايا سرطان الكبد".

كما أكدت الدراسة أهمية الدور الذي يؤديه نبات "السلبين المريمي" أو "الخرفيش" في مقاومة خلايا سرطان الكبد، مشيرةً إلى أنه "نبات شوكي ينتمي إلى الفصيلة النجمية، ويحتوي بداخله على مادة تشبه الحليب، وموطنه حوض البحر الأبيض المتوسط. ويحتوي هذا النبات على مادة "السيليمارين"، التي تتمتع بتأثيرات مفيدة في حالات الإصابة بأمراض الكبد بصورة عامة (مثل الالتهاب الكبدي الوبائي والكبد الدهني)، إضافة إلى حالات الإصابة بسرطان الكبد".

العرقسوس والينسون وحبة البركة

الدراسة تناولت أيضًا جذور "العرقسوس"، الذي يوجد منه 12 نوعًا وينبت في كثير من بقاع العالم مثل سوريا ومصر وآسيا الصغرى وأواسط آسيا وأوروبا.

وتشير الدراسة إلى أن جذور العرقسوس تحتوي على مركب الـ"جلسيريزيك"، الذي "يبطئ نمو الخلايا السرطانية ويوقف نمو الأورام الناتجة عن الإصابة بسرطانات عدة، من بينها سرطان الكبد".

وفي السياق ذاته، أوضحت الدراسة أن نبات "حبة البركة" يتميز باحتوائه على مواد مضادة للالتهاب والسرطان والأكسدة؛ إذ يمكن لـ"حبة البركة" أن تمنع بدء التورم، وأن تساعد في تنظيم مسارات الإشارات للخلايا ومنها "جين 53" المثبط للأورام.

الينسون

أما آخر النباتات العشبية التي تناولتها الدراسة، فكانت نبتة "الينسون"، مشيرةً إلى أنها تحتوي على مركبات متطايرة وفلافونيدات (وهي مجموعة مركبات عضوية قابلة للانحلال في الماء، ويمكنها أن تثبط الشقوق الحرة التي تتلف الحمض النووي)، إضافة إلى احتوائها على كثير من الزيوت الأساسية، مثل (الأنيثول والألفا بينين والفيلاندرين والفارنيسول والسافْرُول)، وجميعها مواد مضادة للميكروبات والأكسدة والفطريات بسبب نشاطها السام للخلايا السرطانية.

وانتهى الباحثون إلى ضرورة زيادة استخدام النباتات العشبية في مواجهة تنامي معدلات الوفاة الناجمة عن الإصابة بسرطان الكبد (788 ألف حالة وفاة من بين 8.8 ملايين حالة وفاة بسبب السرطان حول العالم في 2015) وفق إحصائيات منظمة الصحة العالمية، وإدخالها في المنظومة الغذائية عملًا بمبدأ الوقاية خير من العلاج، واستخدامها مع الأدوية العلاجية لزيادة مناعة الجسم والحد من انتشار الخلايا السرطانية، فضلًا عن استخدامها بعد توقف تناول الأدوية العلاجية كعلاج وقائي لتجنُّب تطور سرطان الكبد وتقليل حدوثه.

معايير البحث العلمي

من جهته، يرى "محمد القصاص" -أستاذ ورئيس قسم الأمراض المتوطنة بطب حلوان، ورئيس الجمعية المصرية لأمراض الكبد- أنه لا بد من تطبيق معايير البحث العلمي حول أية أبحاث، حتى ولو كانت تتعلق بالأعشاب الطبيعية.

وقال "القصاص" في تصريحات لـ"للعلم": "يجب تطبيق معايير البحث العلمي على أي دراسة، بدايةً من التجارب المعملية وانتهاءً بإجرائها على متطوعين أصحاء ومتطوعين مرضى؛ حتى يمكننا التأكد من نتائج الدراسة، وأنا هنا لست ضد التعامل مع الأعشاب؛ إذ إن الأدوية ليست سوى مستخلصات أعشاب، لكنني أطالب بالحذر؛ حتى لا نجد أنفسنا أمام نتائج عكسية تنجم عن استخدام نبات معين في أثناء علاج مريض، وعلينا إجراء مزيد من الأبحاث حول الأعشاب التي تتميز بالمواد المضادة للأكسدة؛ لتكون نواةً نبني عليها بحثًا علميًّا متكاملًا".